مدة واحدة للرئيس.. وبعدها الإقصاء

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 27 يونيو 2012 - 8:40 ص بتوقيت القاهرة

باراجواى، دولة لن تسمع عنها إلا لماما، ولن تراها على خريطة أمريكا الجنوبية إلا بتمعن وتدقيق، فهى لا تقع على بحر أو محيط وإنما انحشرت بين دول أكبر مساحة وأوسع شهرة. عاشت سبعين عاما فى ظل حكم الحزب الواحد قبل أن تنضم إلى مسيرة الديمقراطية وتنتخب فرناندو لوجو رئيسا للجمهورية.

 

فجأة وربما اشتياقا إلى تجارب الانقلاب على أنظمة الحكم القائمة  قرر البرلمان فى باراجواى محاكمة الرئيس لخطأ سياسى وقع فيه. جرت المحاكمة وكانت صورية وسريعة تقرر فى نهايتها عزله من منصبه وتعيين خلف له من رجال القضاء.

 

تجربة باراجواى فى استخدام الأساليب الدستورية والسلطة القضائية لعمل انقلاب يطيح برئيس أو حكومة قائمة، ليست الأولى، إذ يبدو أن مجتمعات كثيرة من التى جرى حرمانها من ممارسة الانقلابات العسكرية وجدت التعويض فى الانقلابات الدستورية. تصادف وأنا أكتب هذه السطور إذاعة نبأ وارد من بغداد عن محاولة «انقلاب دستورى» يجرى تنفيذها على الرئيس العراقى نور المالكى. أتصور أنه من الآن فصاعدا صار  يتعين على علماء السياسة وفلاسفتها تطوير فهمهم للديمقراطية ليتلاءم مع هذه الظاهرة، ظاهرة استخدام الدستور والقانون للإطاحة برئيس أو بنظام حكم.

 

●●●

 

لاحظنا خلال العامين الأخيرين زيادة مفاجئة فى عدد «الرؤساء السابقين» فى العالم. الولايات المتحدة  هى الدولة الوحيدة التى يوجد فيها أكثر من أربعة وأحيانا خمسة رؤساء سابقين. فيها الآن الرئيس رقم 39 (جيمى كارتر)، والرئيس رقم 41 (بوش الأب) والرئيس رقم 42 (وليام كلينتون) والرئيس رقم 43 (بوش الابن)، وقد ينضم إليهم الرئيس رقم 44 (أوباما) فى حال  خسر الانتخابات الرئاسية فى نوفمبر المقبل. وعلى الرغم من نقائص عديدة اشتهر بها معظم هؤلاء الرؤساء السابقين إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أن وجودهم أحياء يعتبر كنزا. هؤلاء لديهم من التجارب والخبرة ما  يستطيع الرئيس القائم الاعتماد عليه فى أى وقت، وهذا بالفعل هو ما يفعله  رؤساء أمريكا، وتفتقر إليه مجتمعات أخرى.

 

صحيح أنه أصبح لدينا فى بعض مجتمعاتنا رؤساء جمهورية سابقين، لم يختاروا بإرادتهم أن يكونوا سابقين، ولا أظن أن نصائحهم وخبراتهم تفيد، فهى النصائح والخبرات التى جلبت على مجتمعاتهم البؤس والظلم ولهم الخزى والعار. لدينا ربما لأول مرة فى التاريخ ثلاثة رؤساء سابقين هم زين العابدين بن على  وحسنى مبارك وعلى عبدالله صالح. ثلاثتهم لم يقنعوا بولاية واحدة أو ولايتين. ثلاثتهم سعوا إلى البقاء فى منصب الرئاسة مدى الحياة. وللإنصاف يجب القول إن حب البقاء فى السلطة ليس ظاهرة ينفرد بها الحكام العرب وليس  ممارسة حديثة العهد.

 

●●●

 

كان يحكم كولومبيا حتى وقت قريب رئيس جمهورية  يدعى «أوريبى». انتخبه الشعب رئيسا لمرة واحدة بعد أن تقرر الأخذ فى كولومبيا بالنظام المكسيكى الذى قضى بأن يكون الرئيس لفترة واحدة ولا يسمح له بتجديدها «كضمان دستورى لعدم الوقوع فى براثن حب السلطة». كان العرف فى المكسيك، كالعرف فى كافة دول أمريكا اللاتينية، كالعرف فى البلاد العربية التى أخذت بالنظام الجمهورى، مأخوذا من نظام انتخاب بابا الفاتيكان، ولكن مع بعض التصرف لزوم «المواءمة» السياسية. هذا ما فعله فيديل كاسترو فى كوبا ويحاول أن يفعله دانيال أورتيجا قائد ثورة الساندينيستا  الشهيرة ورئيس جمهورية نيكاراجوا، ويسير على نهجهما هوجو شافيز رئيس فنزويلا.

 

نعود إلى السنيور أوريبى الذى وقع  فى عشق السلطة فقام بتعديل الدستور فى عام 2006 ليمد فترة الولاية إلى 8 سنوات بدلا من أربعة، وفى عام 2010 حاول إجراء تعديل جديد فى الدستور ليحق للرئيس أن يستمر فترة ثالثة، وهو ما رفضته المحكمة الدستورية، فاختار بنفسه خليفته السنيور خوان مانويل سانتوس وزير دفاعه وساعده الأيمن.

 

كنت أحد الذين لم يستبشروا خيرا بمستقبل الرئيس الجديد منذ أن عرفت أن الرئيس السابق قرر ألا يعود إلى مقاطعته ومزرعته وإنما انتقل من القصر الجمهورى إلى  مسكن داخل ثكنات الشرطة فى وسط العاصمة بوجوتا. ومن هناك استمر يتدخل فى شئون الدولة. وها هى الجموع  تتشكل وتتظاهر الآن مطالبة بعودته فى انتخابات عام 2014.  لماذا الدهشة؟ ألم يتصرف الرئيس فلاديمير بوتين التصرف نفسه. جرى انتخابه رئيسا للجمهورية وعندما انتهت المدة جاء برئيس وزرائه رئيسا للجمهورية وعين نفسه رئيسا للوزراء، وفى نهاية الولاية عاد بوتين رئيسا للجمهورية وعاد ميدفيديف رئيسا للوزراء.

 

لا رئيس دولة، قدر علمى، يريد أن يكون رئيسا سابقا، خاصة إذا استطاع أن يستمر فى موقعه باستخدام ألاعيب السياسة، وإذا لم يستطع بالسياسة فباستخدام سلطة القضاء والدستور، وإذا لم  يسعفه تعديل القوانين والدستور فبالملاذ الأخير، أى بالقوات المسلحة.

 

●●●

 

انتبه الإغريق قبل ألفى عام  لخطورة الوقوع فى عشق كرسى السلطة، فكانوا أول من ابتكر أسلوب «الإقصاء الودى»، بمعنى إبعاد القائد أو الزعيم عن أثينا مدة عشرة أعوام كاملة بعد إنقضاء مدة ولايته. كان مفهوما لدى كافة أعضاء الطبقة الأثينية الحاكمة أن هذا الإقصاء ليس عقابا ولكنه إجراء وقائى يسعى إلى استعادة التوازن العاطفى والعقلى إلى الحاكم المتنحى أو المنتهية مدته.

 

●●●

 

كان للإقصاء، كما تقول كتابات الإغريق، هدف آخر وهو أن يعود القائد إلى حلبة السياسة بعد سنوات الإقصاء متواضعا ومتفهما. يعود وقد ازداد علما وحكمة نتيجة اختلاطه لمدة عشر سنوات بالشعب ونتيجة ابتعاده عن السلطة وأهلها  ومفاسدها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved