التيه العربى: اغتيال الغد بخطايا اليوم

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 27 سبتمبر 2016 - 11:25 م بتوقيت القاهرة

انفرط عقد «العرب» وتهاوت الشعارات القومية التى كانت تثير الحماسة وتدفع الجماهير إلى الشارع ملوحة بأعلام الوحدة والحرية والاشتراكية... وســادت «الإقليمية» و«الكيانية» وما تفرع منهما وصولا إلى الطائفية بل المذهبية.. ونتج عن هذا الفقر الإيديولوجى ارتفاع الدعوات الانفصالية التى كادت تبلغ حد الحرب بين المسلمين أنفسهم الذين تجدد انقسامهم سنة وشيعة، وبالاستطراد علويين ودروزا وإسماعيليين، بحيث سقط الرابط القومى المفترض بينهم، مما وسع المجــال أمام «الأجنبى» الذى جاءته الجوائز بأكثر ممــا يرغب ومن حــيث لا يحتــسب، فــــغدا «المرجعية» فى شئون هذه البلاد التى طمح أهلها، ذات يوم إلى دور تنويرى بالثورة لإعادة صناعة التاريخ فى هذه المنطقة استثنائية الغنى بموارد الثروة وبالطاقة البشرية المؤهلة لدخول العصر.

***
وها هى الدول العربية التى كانت تتبدى منيعة تتهاوى، وتعيش الأغنى منها أزمات اقتصادية جدية لهول ما أنفقته على مختلف أنواع السلاح الأكثر تطورا، والذى لن يتاح لها أن تستخدمه إلا ضد من كانوا «أشقاءها» وبناة معالم تقدمها من أهلها الفقراء أبناء العروبة التى تتبدى الآن وصمة عار أو سمة تخلف يسعى الحكام إلى التبرؤ منها و«حماية» رعاياهم من لعنتها المدمرة.

اختفت شعارات العروبة والاشتراكية والحرية، وسادت اللغة الإنجليزية فى بيوت القادة، ملوكا وأمراء وسلاطين وشيوخا فضلا عن الرؤساء والوزراء.. وتحولت الجيوش العربية إلى حقل تجارب للخبراء الأجانب من جنرالات الحروب ضد الشعوب فى أنحاء مختلفة من العالم، الذين أتوا يدربون الجيوش العربية الناشئة والتى يغلب على عديدها طابع الهجانة إذ أنهم ــ فى غالبيتهم من دول عربية أو إسلامية فقيرة ــ فى حين يظل قرار الحرب والسلم فى أيدى القيادة المركزية الأمريكية وأساطيلها البحرية والجوية التى تمخر المحيطات والبحور من حول «الوطن العربى الكبير» وقد «تعايش» فيها الأمريكى والبريطانى مع الروس، بينما القادة العسكريون العرب يقومون بواجب ترجمة الأوامر للقطعات فى الطيران والبحرية وسلاح البر على حد سواء.

بالمقابل لم يعد أركان هذه الأنظمة ملوكا كانوا أم شيوخا، صاروا أمراء بقوة الأمر الواقع المذهب، معنيين بتبرير التحول والتنصل من الهوية العربية الجامعة التى لم يتبق منها إلا الهيكل المتهالك لجامعة الدول العربية التى يتولــى منصب الأمين العام فيها، حاليا، أحد أبرع المدافعين عن الصلح مع العدو الإسرائيلى وبشروطه.

بل إن سلوك بعض الأنظمة العربية يكاد يكون أقرب إلى توجيه دعوة رسمية إلى «الخارج» للعودة إلى بلادنا لـ«المساعدة» فى حفظ الدولة وتعزيز قدراتها على مواجهة المصاعب الداخلية أو.. مع الأشقاء العرب.

المفارقة محزنة بين الأمس القريب واليوم: كانت الوحدة الوطنية هى الضمانة لقيام الدولة واستمرارها، عبر مواجهة مباشرة ومفتوحة مع قوى الاحتلال الأجنبى، أو محاولاته للهيمنة والعودة من باب الاقتصاد وأسباب الحداثة، لفرض إرادته على بعض الدول التى كان يحتلها ويصادر قرارها الوطنى.. أما اليوم فإن الأنظمة التى عجزت عن حماية دولها تستنجد بمن يسترهن إرادتها ويسقط أرضا شعارات الاستقلال والتحرير فى «الشارع» الذى كان المعبر الفعلى عن الإرادة الشعبية، والذى ألغته موجبات الحداثة وضرورات الانتظام العام خلف النظام وإلا فالسجون تتسع لأبناء الماضى الذين يعيشون فى أحلامهم ومعها.

***

الملفت أن أغنى الدول العربية فى مداخليها، وأخطرها النفط والغاز، هى التى تذهب الآن إلى الاستعمار القديم أو المجدد تحت تسمية «الامبريالية» طالبة إليه نجدتها فى حماية ثرواتها الطبيعية واستثمارها عنده أو عندها وإنما بإشرافه وتحت قيادته، من أجل ضمان المكانة والنفوذ فى محيطها وتأمين حمايتها من هذا المحيط تحديدا.

بل إن بعض هذه الدول هائلة الثروة لم تكتف بحجب مساعداتها عن «الأشقاء والفقراء من العرب»، بل انقلبت عليهم مفترضة فيهم معاداتها، واندفعت تشن حروبا، تبررها بأنها «استباقية» على بعض هؤلاء ممن كانوا فى موقع الحارس لطموحها إلى التحرر من الهيمنة الأجنبية والاندفاع إلى البناء بقدراتها الذاتية مع الحفاظ على قرارها الوطنى المستقل.
فجأة، من دون سابق إنذار، ارتدت دول الخليج العربى، بالقيادة السعودية، الثياب العسكرية واندفعت إلى الهجوم على اليمن بذريعة «تمرد» بعض القوى السياسية الطامحة إلى التغيير على «إرادة الشقيقة الكبرى»!.

وإذا كانت دولة من غاز، مثل قطر، قد احترفت المغامرة والتنطح للعب أدوار قيادية تفوق طاقة شعبها وقدراته وقوة إيمانه بعروبته، سواء عبر التبرع بفتح أبوابها للعدو الإسرائيلى بذريعة الاستنجاد به فى مواجهة أطماع جارتها الكبرى، السعودية، ورغبتها فى الاستيلاء على منطقة «العيديد»، فقد انتهى الأمر بإقامة قاعدة عسكرية أمريكية كبرى فى العيديد، ومعها فتح سفارة بعنوان «مكتب رعاية المصالح الإسرائيلية» فى الدوحة.. بل على الأرجح، لحماية استثمارات الغاز الهائلة فى الجزيرة الصغيرة.

فى السياق ذاته، ولأسباب غير مفهومة، اندفعت دولة مذهبة مثل الإمارات العربية المتحدة لتلعب أدوارا سياسية وأخرى عسكرية، فى المنطقة عموما، وفى الحرب السعودية على اليمن خصوصا، من دون أى مبرر وأية مصلحة للإمارات فى هذه البلاد التى جاءت منها الأسرة الحاكمة فى البلاد والتى كان قائدها ــ المؤسس الراحل الشيخ زايد بن سلطان ــ يباهى بنسبه التى تعود أصوله إلى اليمن السعيد.

وهكذا، ولأسباب غير مفهومة ولا يمكن تبريرها، اندفعت كل من دولتى قطر والإمارات، هائلتى الثروة، إلى المشاركة فى حرب ظالمة وثقيلة الأكلاف ضد بلاد عريقة كانت من أوائل «الدول» بل الإمبراطوريات فى التاريخ الإنسانى عموما والعربى خصوصا... وهى حرب استطالت نحو السنتين حتى الآن، ويصعب التكهن بنهاية لها.

ثم إن السعودية ومعها الإمارات وقطر قد تكبدت وما زالت تتكبد وسوف تتكبد أكثر وحتى إشعار آخر، ما يكفى لبناء أكثر من دولة عصرية فى اليمن، بالجامعات والمصانع والمختبرات، فضلا عن الزراعة وسائر أسباب الإنتاج، وتحت عنوان النجدة الأخوية، بدلا من الحرب بالطائرات والصواريخ والمدفعية الثقيلة والمدمرات فى البحر، لتهديم أسباب العمران وفيها ما هو من كنوز التراث الإنسانى.

كذلك فإن هذه الدول، هائلة الثروات، قد اندفعت إلى الحرب فى ســوريا وعليها، بحجة النقص فى ديمقراطية النظام، فأخذت تمول وتسلح وتوفر السلاح لعصابات يرفع معظمها الشعار الدينى على غرار «القاعدة» و«داعش»، وهو يرتكب المذابح ويشارك فى إحراق المدن وتدمير القرى والتمكين للقائلين ببدعة الخلافة الإسلامية للسيطرة على منابع النفط والاتجار بإنتاجها والاندفاع إلى تهديم معالم الحضارة فى هذه البلاد ذات التاريخ العريق وفيها عواصم التمدن الإنسانى.

***
إن عربــــا يقاتلــــون ويقتلـــــون عربـــــا..
وعربا يدمرون مدن التاريخ ويغتالون مستقبل أهلهم فى أرضهم.
وعربا يعملون بقصد وبوعى مرصود لعودة الهيمنة الأجنبية على قرارهم السياسى ومصادر الثروة فى بلادهم..

إن العرب فى ضياعهم الراهن يقدمون خدمات جلى، تفوق الخيال، لأعدائهم فى ماضيهم وفى حاضرهم وفى مستقبلهم، أخطرهم الإسرائيلى، ويتقدمون بطلبات متوالية إلى مستعمرهم القديم بل ويتجاوزونه إلى المهيمن الجديد، الولايات المتحدة، طالبين استعمارهم مجددا بذريعة التمكين لقتال إخوانهم فى الماضى والحاضر وشركائهم فى المصير، العرب..

والعدو الإسرائيلى يمد نفوذه، ويتغلغل فى الأرض العربية بهدوء، ولكن بقوة، والعرب العاربة يقاتلون أنفسهم ثم يذهبون إلى الاحتفال بأعياد النصر.

ولا أمــــل، حتــــــى الساعـــــة، بفجـــر جديـــد..
مع ذلك فإن التاريخ لم ينته بعد، والأمة لما تمت.. وهــــى ولادة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved