خمس دقائق فى عقل طفل

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 27 أكتوبر 2009 - 12:35 م بتوقيت القاهرة

 أعرف صديقا يستطيع أن يقرأ فى عينى شخص آخر ما لا يريد أن يفصح عنه ويبذل جهدا لإخفائه. يعترف الصديق أن هذه المَلَكة لا تتوافر له فى كل وقت ولا فى كل مكان ولا مع كل الأشخاص، ويعترف أيضا أنه لم يفلح مرة واحدة فى قراءة ما يدور فى عقول الأطفال تحت سن الستة شهور أو أكبر قليلا.

أتصور أنه لا يوجد أب وأم لم تسحرهما ما خيل لهما كأول ابتسامة لطفلهما، ولا يوجد أب وأم لم يحاولا مرات عديدة قراءة ما يدور فى عقل هذا الطفل. كان الشائع إلى وقت قريب ومازال شائعا فى بيئات ثقافية معينة أن الطفل يأتى إلى الدنيا بعقل أبيض لم تسجل فيه معلومة ولم تتراكم فيه ذكريات. نعرف الآن أن الجنين فى بطن أمه يبتسم ويبكى ويحلم.

ونعرف أيضا أنه منذ أن توصل العلم إلى هذه الحقيقة انشغل بعض علماء النفس، إلى حد الهوس فى بعض الحالات، بمحاولة التعرف على تفاصيل ما يدور فى عقل الطفل وهو جنين ثم وهو رضيع. وتفرغ عدد غير قليل منهم للبحث بحماسة وشغف شديدين..

حتى إن أحدهم واسمه جوب فلافيل أعلن أنه مستعد للتنازل عن كل شهاداته العلمية من أجل خمس دقائق يقضيها فى عقل طفل عمره سنتان. بل ومستعد للتنازل عن شهر من عمره من أجل دقائق «أمضيها فى عقل طفل رضيع حديث الولادة».

تقول آليسون جونيك فى كتابها «الطفل الفلسفى» إن الكبار يركزون انتباههم إراديا وإن متأثرين بعوامل خارجة عن الإرادة. نحن مثلا ندير رءوسنا عندما يصل إلى أسماعنا صوت قوى، نفكر فيه ونقرر ما إذا كنا سنركز الانتباه عليه أم ننتبه إلى شىء آخر.

نحن أيضا نتمتع بالقدرة على تجاهل عوامل التشتيت، أى العوامل التى تجرنا إلى الشرود أو عدم الانتباه، ونستطيع إن شئنا تركيز اهتمامنا كله على أداء مهمة واحدة.

هذه القدرة المتوافرة للكبار لا تتوافر للأطفال، فالأطفال أسرى الظروف والبيئة المحيطة به. هم دائما فى حال انتقال من مهمة إلى مهمة أخرى. ويؤكد هذا أن الجزء فى المخ المسئول عن «الضبط والرقابة» هو آخر جزء يكتمل تطوره فى مخ الإنسان.

ويقول وليام جونز أستاذ علم النفس أن الوصف الأمثل للحالة العقلية للطفل فى الثانية من عمره أو دونها تلخصه عبارة «ارتباك عظيم متألق».

أعجبنى تشبيه استخدمه أحد المهتمين بتطور القدرة على التفكير لدى الأطفال. يقول إن الطفل فى مرحلة الرضاعة وبعدها بقليل يفكر بالطريقة نفسها التى يفكر بها شخص من الأرياف أو البادية ألقى به فى قلب مدينة كبرى مثل نيويورك أو طوكيو أو القاهرة، رجل لا يعرف اللغة أو لم يتعود على اللهجة التى يتحدث بها سكان هذه المدينة.

لم يقابل هؤلاء الناس من قبل أو مروا أمامه ولم يستقروا فى ذاكرته. لا يعرف أين هو ولا يهمه الأمر، ولا هدف لديه أو خطة لما سيفعله أو يجب أن يفعله. مشدوه بالحركة التى تجرى حوله والأصوات التى تحبط به وتتنافس على سمعه. قد يحاول أحيانا البحث عن معنى لما يدور حوله ولن يفلح لأنه لا يوجد فى عقله مخزون من الذكريات والتجارب مما يساعده على القياس أو المقارنة.

وعلى الرغم من تعدد نواحى الشبه بين الرجل الغريب القادم من الريف أو من الصحراء إلى المدينة الصاخبة وبين الطفل الخارج لتوه من رحم أمه أو المتشبث بصدر مرضعته، يوجد فرق جوهرى فى السلوك. يستطيع الرجل الغريب أن يأخذ جانبا من الطريق ليرتب بعض أفكاره ويخطط. قد يفكر مثلا فى أبنائه وبناته وأصحابه،

ويقرر أن يحتفظ فى ذاكرته بتفاصيل بعض ما رأى فى هذه المدينة يحكيه لهم عند عودته. يستطيع أيضا أن يبحث عن مكان يقدم طعاما يخفف جوعه وشرابا يروى عطشه. أما طفلنا فلن يستطيع أن يفعل شيئا ليتخلص من فوضى هذه الصور الصاخبة والمتحركة أمامه إلا بأن ينام أو أن «يفرك» فى مكانه علامة على تبرمه منها ويأسه من فهم معناها.

ومع ذلك لا يختلف علماء النفس حول الاعتراف بقدرة هائلة لدى الأطفال على صنع «عوالم أخرى»، ويبالغ بعض هؤلاء العلماء فيقول هؤلاء إن الأطفال فى هذه السن إنما يقومون بدور شبيه بالدور الذى تؤديه أجهزة البحث والتطوير (R&D) فى الدولة، وهى المكلفة بوضع بدائل وتخيل مشاهد وسيناريوهات مختلفة. المؤكد لدى هذا البعض من العلماء أن الأطفال الذين تحرمهم البيئة المحيطة بهم أو يمنعهم أهاليهم بالتدخل المستمر عن أداء هذا النشاط العقلى يصبحون فى المستقبل رجالا ونساء أقل ذكاء وجسارة وقدرة على الإبداع والابتكار.

إن الطفل الذى ينشأ فى ظروف عادية يتمتع بفرصة لن تتكرر فى مستقبله، وهى أن تفكيره غير خاضع لقيود من أى فرع، لا قيود أخلاقية ولا قيود «تقاليدية»، ولا قيود دينية ولا قيود مجتمعية. هو إنسان مطلق الحرية يفكر دون خوف من موانع ومحرمات ويتصرف غير عابئ أو مدرك لعقوبات. إنها حقا وللأسف الشديد فرصة لن تتكرر.

يقول بول بلوم أستاذ علم النفس بجامعة ييل بالولايات المتحدة ومؤلف كتاب «طفل ديكارت» إنهم، ويقصد علماء النفس، يقيسون ذكاء الفرد بقدرته على توجيه السؤال المناسب فى الوقت المناسب. ويعتقدون أن هذا الفرد الذكى لابد أنه نشأ فى طفولته المبكرة فى بيئة شجعته على ممارسة الهواية الأعظم لأى طفل ألا وهى الفضول، وسمحت له بالتأمل فى الفوضى المحيطة به ووضع بدائل تخيلية بديلة للعالم الذى وجد نفسه فيه.





هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved