كارمن بنت الغجر

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 27 أكتوبر 2010 - 10:07 ص بتوقيت القاهرة

 خيالى، وربما خيال معظم أبناء وبنات جيلى مدين بالكثير لسينما الخمسينيات والستينيات. ثم إن جانبا مهما من حصيلة تراكم ما عرفنا وتعلمنا مدين لهذا الخيال، الذى ساهمت فى تشكيله أفلام تلك الفترة. يحضرنى هذا فى مناسبة الحملة الأوروبية الشرسة ضد شعب الغجر، طردهم نيكولا ساركوزى متهما إياهم بأنهم يهددون سلامة المواطنين، ويخرقون قوانين النظافة ويعتدون على أبهة الجمال، قدس أقداس فرنسا ويشوهون صورة مدينة الأنوار. طردهم عمدة روما عاصمة إيطاليا بحجة أنهم يمارسون أعمالا تخالف القانون، ويقيمون فى مخيمات وكرافانات لا تراعى قواعد الصحة ولوائح البلديات وقوانين العمل.

هذه المرة تابعت الحملة عن بعد. عدت لأرى صور الغجر يرتدون ملابس رثة، وعلى وجوههم المتعبة خط الشقاء تجاعيده، وأجسادهم النحيفة تنبئ عن علل وأمراض شتى، ومن حولهم تركض أو ترقد حيوانات شتى، خيل وكلاب وقطط ودجاج، وتسد الطريق إلى داخل المخيم عربة منكسة ذراعاها تشبه عربات كانت تنقل المهاجرين إلى الغرب الأمريكى خلال سنوات «توسع المستوطنين الأوروبيين فى غزو القارة الأمريكية».

رأيت قبل سنوات عديدة غجرا فى أحياء عشوائية تحيط بمدن فى شرق أوروبا كانوا فى غالبيتهم سمر البشرة وأقرب إلى قصر القامة، لاحظت إمعانهم فى تمسكهم بتقاليدهم وطرق معيشتهم وملبسهم، سمعت وقتها أنهم يدينون غالبا بديانة الشعب، الذى يعيشون على هامشه. يكسبون قوتهم من أعمال الحدادة والغناء والرقص والوساطة فى تجارة الخيول، ومن هنا ربما انتشرت سمعتهم كأمهر من سرق الخيول. أما النساء فغالبيتهن يقرأن الكف والفنجان ويوشوشن الودع وينثرن الحصى ويفتحن الورق. قرأت أنهم منتشرون فى جميع قارات الأرض ولكن غير معروفة بالدقة أعدادهم ولا حتى بالتقريب. يقدر مسئولون أوروبيون عددهم فى أوروبا باثنى عشر مليونا ويقدره آخرون بما يزيد على 22 مليونا. تقول الروايات إنهم جاءوا من شمال شرق الهند فى وقت ما من « الألفية الأولى»، وأقاموا فترة فى إيران انقسموا خلالها إلى ثلاث مجموعات الجيتانو وكالدريش والمانوش. وصلوا إلى أوروبا فى القرن الخامس عشر، حيث اضطهدتهم جميع الحكومات والكنائس مما دفع البعض منهم إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة فى القرن الثامن عشر. ويقال إن أكثر من نصف مليون غجرى ماتوا فى معسكرات اعتقال النازى، هؤلاء تتجاهلهم كتابات المحرقة النازية التى ركزت على موتى اليهود فكان أن قامت لهم دولة على فلسطين ولم تقم للغجر دولة على أى مكان.

وفى الربع الأخير من القرن العشرين ومع نشأة وتطور الاتحاد الأوروبى عاد ينتعش الميل الطبيعى لدى الغجر للتحرك عبر الحدود بدون قيود. عادوا يمارسون الحج إلى جنوب فرنسا مرة كل عام حيث كنيسة سانت مارى دو لا مير. ومن هناك يقررون على طريق العودة الإقامة لبعض الوقت فى فرنسا أو ايطاليا أو هولندا أو النمسا مما دفع دول أوروبا الغربية إلى وضع قيود جديدة على حركتهم وأغلبها يخالف قوانين حرية التنقل لجميع مواطنى دول الاتحاد الأوروبى. وجميعها على كل حال لا يعترف به «الغجرى»، الذى يكره كل قيد يحد من حريته ويتخذ موقف العداء من أى مؤسسة يشعر بأنها يمكن أن تتدخل فى شئونه وتسلب حقه فى أن يعيش حرا. عرفنا عنه كراهيته للدولة والزواج وتمرده الدائم عليهما.

كانت الأحداث الأخيرة حين طاردتهم شرطة فرنسا وإيطاليا فرصة اطلعنا خلالها على عشرات الصور، التى التقطت لهم خلال ترحيلهم وقرأنا تحقيقات ومقالات عديدة تصف تارة عنادهم الشديد ودهاءهم الأسطورى وشاهدنا العديد من شرائط الأخبار تحكى عن محنتهم. لا أستطيع إنكار أننى تعاطفت معهم وتفهمت تقديسهم للحرية، وفى الوقت نفسه تعاطفت مع جماعات وجمعيات وشعوب حريصة على جمال المدن، التى تعيش فيها وعلى ونظافتها وروعة حدائقها ونقاء هوائها خاصة وأنا من بلد صارت شهرتها فى قذارتها وقبح ميادينها وفساد هوائها. تفهمت منطق غير المتعاطفين مع حق الغجر فى الحرية وبقيت متفهما شكوى الغجر من تقصير حكومات أوروبا فى رعايتهم وتنويرهم وتحسين سبل معيشتهم.

فى النهاية.. اكتشفت أننى بعد أن أعلنت عن تفهمى وتعاطفى عدت وبسرعة إلى صورة عن الغجر احتفظت بها فى خيالى لسنوات عديدة، صورة ريتا هايوارث فى الفيلم السينمائى الذى لعبت فيه دور كارمن الغجرية الإسبانية. ترقص على قارعة الطريق فى أحد شوارع مدينة إشبيلية أمام دورية الشرطة، وتغنى عن الحب.. «هذا العصفور المتمرد»، الذى لا يرضى بقيد «»L>amour est en oiseau rebella، وتلقى بزهرة تحت أقدام الجندى غير المبالى بجمالها دون خوسيه الذى لعب دوره جلين فورد. كان الفيلم الذى حمل اسمها منقولا عن أوبرا كارمن التى كتب قصتها بالفرنسية الروائى ميريميه عام 1845 ووضع موسيقاها بيزيه وافتتحت عام 1875.

لم تكن كارمن فى الفيلم سمراء ولا قصيرة القامة ولم يكن شعرها أجعد ولكنها كانت مثل كل الغجر تقدس حريتها وترفض الحب إن حمل قيدا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved