كيانات طائفية وعنصرية تمحو فلسطين والهوية العربية

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 27 أكتوبر 2010 - 10:18 ص بتوقيت القاهرة

 تتبدى الأرض العربية التى كانت إلى ما قبل عقود قليلة أوطانا بدول لها مقاعدها فى الجامعة العربية والجمعية العامة للأمم المتحدة. ومجموعة دول عدم الانحياز، وكأنها مشاعات برسم التقاسم كيانات من طبيعة مختلفة، بعضها على أساس عرقى وبعض آخر على أساس طائفى أو مذهبى وبعض ثالث ينتظر تحديد تبعيته ليمكن تحديد هوية كيانه قيد الدرس.

قلة من «الدول» العربية تعيش حالة اطمئنان إلى حدود كيانها السياسى وهوية شعبه.. فمع التفلت من الهوية الوطنية ــ القومية الجامعة بات بالإمكان ان تتخذ من الجغرافيا هويات «جنوب السودان»، كما كان بالأمس «جنوب اليمن» دولة قبل دمجها بالدولة الأم ــ اليمن ــ التى تبدو اليوم مهددة فى وحدتها، فضلا عن «جمهورية الصحراء»، والصحراء كما تعلمون بلا حدود كما أنها تتسع لدول شتى وبهويات بلا حصر.

ثم ان العديد من هذه الدول القائمة الآن «تستضيف» قوات فصل دولية فرضتها عليها الجهات الدولية بعد اشتعال او إشعال أنماط من الحروب الأهلية التى تختلط فيها الأديان بالطوائف بالعودة إلى الأصل المذهبى حينا أو إلى الجذر القبلى أحيانا.

لقد افقد أهل النظام العربى، بمجملهم، هذه الأرض هويتها الأصلية، العربية تحديدا إذا ما اعتمدت اللغة والائتلاف الاجتماعى ووحدة المصير.

حتى اصغر الأقطار العربية، مساحة، لبنان، صارت «وحدته» موضع بحث نتيجة لانقسام شعبه الصغير عبر الصراع على السلطة فيه، او الصراع على هوية كيانه السياسى الذى أنشئ من خارجه، أصلا، ثم تم تعديله بقرار ثان من خارجه أيضا. بل إن اكبر الأقطار العربية وأكثرها ثباتا، عبر التاريخ، مصر، ترتفع فيها الآن نغمات انفصالية، بعضها يتخذ الطابع الدينى، وبعضها الآخر يحاول ان يبرر ذاته بهويات سابقة على التاريخ (النوبة)، خصوصا مع تعاظم النزعة الانفصالية على أساس قومى وعرقى فى الجار السودانى الذى يترنح كيانه السياسى حاليا بينما يتهدده خطر التمزق على أساس جغرافى ــ قومى ــ قبلى إلى ثلاث دول وربما أربع، واحدة منها فقط هى التى عرفناها منذ أن انشأ «الغير» كيانه السياسى الحالى: جمهورية السودان؛ لا ضرورة للتوغل عميقا فى التاريخ فقبيل نهاية الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء كان قد تم الاتفاق على تقسيم سوريا الطبيعية إلى أربعة كيانات سياسية: سوريا، الأردن، فلسطين ولبنان... ثم جاء «وعد بلفور» بإعطاء فلسطين للحركة الصهيونية، مستبقا قيام الدول الثلاث الأخرى ــ فعليا.

وعلى هامش هذا التقسيم وكضمانة لاستقراره تمت إقامة الكيان العراقى، أما شبه الجزيرة العربية فلدولها حكايات أخرى جرت صياغتها فيما بعد: المملكة العربية السعودية بحدودها الراهنة فى بداية الثلاثينيات، وأقطار الخليج التى كان اسمها الساحل العمانى والتى كانت تحت الاستعمار البريطانى فقد تم دمجها فى دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما استقلت عنها قطر فضلا عن البحرين، وتركت عمان لسلطانها، واستقر الاستعمار البريطانى فى جنوبى اليمن الذى كان عبارة عن محميات على رأس كل منها شيخ متوج!

ما لنا وللماضى، لنعد إلى واقعنا الراهن، وهو يتجاوز المأساة الى الفجيعة الوطنية ــ القومية ــ الإنسانية: البداية، كما الحال الراهن بانتظار الختام مع فلسطين، التى كانت وما تزال موضوع الصراع من اجل تأكيد الهوية الوطنية لهذه المنطقة بدولها المختلفة.

كانت فلسطين وما تزال هى القضية وهى الهوية. هى الطريق الى الوحدة والمنعة والحرية والاستقلال والديمقراطية، والفشل فى حسمها هو الطريق الى التفكك والتبعثر وافتقاد القيمة والارتهان عن حماية الكيان السياسى.

وكل ما نشهده الآن هو محصلة الفشل فى مواجهة المشروع الصهيونى الإمبريالى الذى ذهب باستقلال من اعتبر نفسه مستقلا كما ذهب وسيذهب بهوية الأمة جميعا.

ولنعرض واقع ما بعد العجز عن المواجهة فى فلسطين: إن السودان، فى هذه اللحظة، كيانات تضم أشتاتا من القوات الدولية المرشحة للتزايد بعد إقرار الانقسام الفعلى بين الشمال والجنوب، وفى انتظار تقرير مصير الجنوب، وهى قوات تفصل بين العين والعين وبين الأم والأبناء.

ثم ان العراق تحت الاحتلال الأمريكى مهدد فى وحدة كيانه السياسى خصوصا وان الخلافات المحتدمة بين قواه السياسية التى عادت إليه بعد سقوط حكم الطغيان، من المنافى القريبة والبعيدة، وفيها دول عربية مجاورة ودول غير عربية فضلا عن الدول الأجنبية، بريطانيا أساسا والولايات المتحدة الأمريكية.

وحتى إشعار آخر فان كيان العراق موضع بحث، خصوصا فى ظل الخلافات المحتدمة بين قواه السياسية، والتى هى فى بعضها نتيجة تصادم مصالح بين قوة الاحتلال الأمريكى وقوى التأثير المجاورة، عربية وإيرانية وتركية.. وهذا الواقع شجع الأكراد على المبالغة فى مطالبهم الجغرافية( الإلحاح على ضم كركوك وما جاورها، وحتى الموصل، بما فيها من منابع غزيرة للنفط) وفى مطالبهم السياسية التى تعطيهم استقلالا ذاتيا يكاد يكون انفصالا كاملا..

ولقد أدى الضعف العربى الذى تفاقم حتى التبعثر والتناثر بعد احتلال العراق إلى تصاعد نغمات الانفصال على أساس عرقى او طائفى، خصوصا وان الاحتلال الأمريكى الذى تلاقت أغراضه مع الرغبة بالانتقام لدى إيران (التى حاربها صدام حسين باسم العرب لمدة ثمانى سنوات طويلة ومكلفة بالدم والمال) لم يجد مانعا من التواطؤ لاستدراج الدول العربية المحيطة بالعراق الى طلب حمايته مباشرة، او بشكل غير مباشر.. أى انه تلاقى مع نزعة إيران (الشيعية) الى الانتقام سرعان ما استغلها لإعادة تكتيل العرب فى معسكره بذريعة منع الاجتياح الإيرانى (بل الفارسى!!) للمنطقة بهويتها ومذهبها السنى.

وهكذا حول الأمريكيون (ومعهم بنسبة ما البريطانيون، وبنسبة اقل الفرنسيون) منطقة الخليج العربى الى ما يشبه حاملة طائرات ضخمة لأساطيل أمريكية، فى حين كادت البوارج والمدمرات تغطى مياه الخليج، فى حين تقف حاملات الطائرات الأمريكية عند مدخله استعدادا لأى طارئ!

أما لبنان، المهدد دائما فى وحدته، فقد استغلت «الدول» ودائما بالقيادة الأمريكية، جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريرى لكى تحوله الى ارض صراع مفتوح، بدأ سياسيا ضد سوريا التى ظلت قواتها فيه لمدة ثلاثين سنة بتوافق دولى بعنوان أمريكى، ثم أمكن تحويله – بقدرة قادر ــ الى صراع مذهبى بين السنة والشيعة تحت عنوان الجريمة التى أصابت الجميع فى الصميم.

وها نحن نجد الشعب اللبنانى، بفئاته جميعا، موزعا بين «قاتل» و«مقتول»، معرضا بعضه لمحاكمة دولية تشارك فيها «الدول» بحسب قوتها، أمريكا فبريطانيا ففرنسا فألمانيا.. ومع هؤلاء جميعا وقبلهم المستفيد الأول من زرع الفتنة فى لبنان، إسرائيل، التى قاتلها مجاهدو المقاومة فيه لمدة اثنين وعشرين سنة حتى كان جلاء قواتها، ثم صمدوا فى وجه حربها عليه فى (يوليو ــ أغسطس) 2006 لمدة ثلاثين يوما طويلة، وكبدوها خسائر فادحة خرجت بعدها تجر أذيال الخيبة.

هكذا أمكن تحويل المحكمة الدولية الى أداة للفتنة الداخلية وتحولت جريمة الاغتيال الى سبب للشقاق بين الأخوين، فتبدى احدهما قاتلا والثانى قتيلا، فى حين ان الاثنين بين الضحايا الذين سيتزايدون بلا حصر اذا ما نجح مدبرو الفتنة فى توسيع دائرة الحريق من لبنان الى العراق الى الكويت فالبحرين وصولا الى اليمن على الناحية الأخرى من شبه الجزيرة العربية، وتحت شعارات «معركة الجمل» او صفين فى العقد الأول من القرن الحادى والعشرين!

فى هذا الوقت، وبينما كل دولة عربية مشغولة بجراحها ومآسيها، توفرت لإسرائيل الفرصة الذهبية لإعلان ذاتها «دولة يهود العالم»، مع إضفاء صفة الديمقراطية لتمويه العنصرية، فإذا هى «الدولة اليهودية الديمقراطية» التى يتوجب على كل قاطن فيها أن يقسم يمين الولاء لها.. وهذا ما ينذر بكارثة عربية جديدة تتناول ــ على وجه التحديد ــ من تبقى من أهلها الأصليين، أى الفلسطينيين، داخل كيانها السياسى، وهم من يطلق عليهم تسمية «عرب الداخل».

فى حين ان الشعب الفلسطينى الباقى، حتى هذه اللحظة، داخل الضفة وفى قطاع غزة، تذوب أرضه يوميا وعلى مدار الساعة، إذ تنتزع منه ليبنى فيها المزيد من المستوطنات لآلاف آلاف المستوطنين سواء الموجودين داخل الكيان الصهيونى الذى يوسع ذاته على مدار الساعة، أو الذين يستقدمون من أربع رياح الأرض ليكونوا «مواطنين» إذا هم أقسموا يمين الولاء لدولة يهود العالم الديمقراطية.

أما المفاوضات التى ارتفعت رعايتها الكريمة إلى مستوى البيت الأبيض ورئيسه الأسمر ذى الجذور الإسلامية، فيمكن لها أن تتوقف وان تستمر بالشروط الإسرائيلية إلى ما شاء الله، فهذا تفصيل لا يستحق التوقف عنده.. ويمكن للسلطة أن تعلن فى شبر الأرض المتروك لمكاتبها إمبراطورية عظمى وليس دولة عادية كباقى الدول.

فى هذه الأثناء سينقسم العرب أكثر فأكثر، وسيخرج الكثير من حكامهم من هويتهم العربية، وسيخرجون معهم دولهم التى قد تتغير خرائطها من دون ان يتغير حكامها، فالحكم نعمة إلهية يسبغها القوى القادر على من يشاء ويمنعها عمن يشاء، والأمر لله، من قبل ومن بعد.

ستندثر أحلام الوحدة، والوطن العربى الأكبر، وستقوم على هذه الأرض دول جديدة تزيد من أصوات «العرب» فى الأمم المتحدة، وان نقصت قيمتهم فى كل مكان، وسترفرف «الأعلام الوطنية» القديمة والمستحدثة فى حماية الأساطيل الأمريكية وجنود الحراسة الإسرائيليين، فى حين ستنعم الشعوب بديمقراطيتين بدل واحدة: أمريكية عريقة ويهودية مستجدة، وينتهى عصر الجاهلية العربية الجديدة من دون ان يتبدل حاكم واحد ! فالأمر لصاحب الأمر، كما تعلمون، فى كل عصر وأوان، ولا تهم كثيرا اللغة التى يعبر عن نفسها بها، ولا هوية الدولة التى يحملها..

البداية فلسطين. الماضى فلسطين، والحاضر فلسطين، والمستقبل يكون متى كانت فلسطين رايته وهدفه وطريقه.

أما فى غياب فلسطين بل تغييبها فلن يكون «عرب» ولن تكون لهم دول مهما تزايدت الرايات المزركشة!

وهكذا بدلا من الوحدة العربية يحقق أهل النظام العربى لشعوبهم الوحدة الكونية، ولا يهم أن يكونوا فى موقع التابع.. ففى العصر الامريكى كل الشعوب سواء، وكل الناس سواسية كأسنان المشط!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved