الثورة بالعسكر.. والديمقراطية تنتظر أحزابها

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 27 نوفمبر 2013 - 8:05 ص بتوقيت القاهرة

مباشرة بعد الهزيمة العربية فى فلسطين، تقدمت الجيوش لتسقط الأنظمة السياسية القائمة بتهمة العجز عن مقاومة اجتياح «العصابات الصهيونية» للأرض المقدسة.

• كانت البداية فى سوريا، بعد شهور قليلة من القرار الدولى بوقف إطلاق النار، تمهيدا للهدنة التى ستمتد حتى الهزيمة الثانية فى 5 يونيو 1967: أقدم الضابط فى الجيش السورى حسنى الزعيم على القيام بانقلاب عسكرى مباغت فى مارس 1949 اعتقل خلاله أركان الحكم من أهل السياسة ورؤساء الأحزاب الوطنية التقليدية فأودعهم السجون ورفع نفسه إلى رتبة «زعيم» ــ رئيس الدولة، وعين حكومة من الموالين والطامحين إلى السلطة.

سيمضى وقت طويل قبل أن يتبين أن الحركة الانقلابية التى قادها حسنى الزعيم لم يكن لها أية علاقة بالهزيمة العربية فى فلسطين، وإن كانت هى الذريعة، أما السبب المباشر فيتصل بمحاولة شركة التابلاين الأمريكية مد خط أنابيب للنفط السعودى يعبر سوريا إلى الزهرانى فى جنوب لبنان.. فى حين كانت شركة النفط البريطانية بريتش بتروليوم قد سبقت إلى مد أنابيب تنقل النفط العراقى عبر سوريا إلى مصفاة البداوى القريبة من طرابلس فى شمال لبنان.

لم يعمر «حكم» حسنى الزعيم إلا شهورا قليلة، إذ خلعه انقلاب ثان، سيعقبه انقلاب ثالث فرابع، وتخللت الانقلابات عودة قصيرة إلى الحكم المدنى والحياة الحزبية.. وكان أن لجأت سوريا، بأحزابها وقواها السياسية وعسكرها إلى الرئيس جمال عبدالناصر فى مصر ملحة فى طلب الوحدة. وقبل عبدالناصر بغير حماسة فى أوائل عام 1958، مفترضا أن هذه الخطوة الاستثنائية قد تشكل إنقاذا لسوريا التى كانت تتعرض لضغوط متعددة المصدر: من تركيا فى الشمال، التى حشدت جيشها على الحدود، قبل ذلك بفترة وجيزة، مما اضطر مصر إلى إرسال نجدة عسكرية لتدرأ الخطر التركى، ولتواجه أيضا تهديد الحكم الهاشمى الموالى لبريطانيا فى العراق، فضلا على الخطر الإسرائيلى المفتوح.

•••

• لا حاجة لاستعادة تاريخ ثورة مصر بقيادة الضباط الأحرار (23 يوليو 1952) والتى كانت الهزيمة فى فلسطين بين محركاتها، ناهيك بفساد الحكم الملكى فى مصر، وتهالك الأحزاب السياسية التى كان أبرزها الوفد الذى شققته الصراعات ثم قضى عليه خضوع قيادته للأمر البريطانى بفرض حكومة مصطفى النحاس على الملك، مما استفز الكرامة الوطنية المصرية، فأسقط حزب الوفد شعبيا قبل أن يقوم الجيش بحركته لإنهاء الحكم الملكى.

بعد سنتين من ثورة يوليو سيبدأ التحرش الإسرائيلى بمصر عبر تفجيرات فى القاهرة تستهدف تهجير اليهود إلى الكيان الإسرائيلى المستولد.. وستغير قوات مسلحة إسرائيلية على مواقع مصرية فى بعض أنحاء سيناء.. أما بعد أربع سنوات فلسوف تشترك بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل فى العدوان الثلاثى على مصر والذى سيكون صده انتصارا عظيما لمصر وثورتها.. ولسوف يستولد هذا النصر حالة ثورية فى مختلف أنحاء الوطن العربى.

• بعد سنتين فحسب، سيثور اللبنانيون ضد رئيس الجمهورية الموالى للغرب كميل شمعون، الذى تخلف عن مناصرة مصر فى مواجهة العدوان الثلاثى 1956، خارجا على بديهيات التضامن العربى والإرادة الشعبية، ثم حاول قهر هذه الإرادة بتزوير الانتخابات ثم بالاقتراب من حلف بغداد الذى أقيم لمواجهة الحالة الثورية العربية، وكان الحكم الهاشمى فى العراق قد ارتبط بهذا الحلف إلى جانب إيران الشاه وباكستان، تحت الرعاية الأمريكية. وقد انتهت الانتفاضة فى لبنان بحمل قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية.

• فى 14 يوليو 1958 أقدم الجيش العراقى بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم على خلع الحكم الملكى الهاشمى فى بغداد، وكان شريكه العقيد عبدالسلام عارف. وسرعان ما اختلف الشريكان العسكريان، وانحاز الشيوعيون فى العراق إلى قاسم، وارتكبت مجازر بحق القوميين بعثيين وناصريين.. وفرض على مصر عبدالناصر أن تواجه جبهة جديدة كانت تحتسبها الحليف بل ربما افترض البعض أن العراق سيكون الثالث فى دولة الوحدة.

•••

وهكذا بات المشرق العربى من مصر (وسوريا) إلى العراق مرورا بلبنان فى عهدة رؤساء من منابت عسكرية.. وصار على الأحزاب السياسية، لاسيما فى المشرق، أن تكتفى من الغنيمة بالمشاركة أو التأييد أو المساندة لحكم يقوده عسكريون.

وجاءت مفاجأة من أقصى المشرق: اليمن، حين قام الجيش اليمنى ــ مباشرة بعد وفاة الإمام احمد حميد الدين بانقلاب عسكرى فى 26 سبتمبر 1962، أنهى عصر الإمامة وأعلن الجمهورية، طالبا النصرة من مصر جمال عبدالناصر، الذى سارع إلى إرسال قوة عسكرية كان عليه أن يزيد عديدها وقدراتها على امتداد ثلاث سنوات أو أكثر لتحمى الحكم الجمهورى الذى ولد فى قلب الصعوبة، وكلف مصر أعباء ثقيلة لمواجهة الدعم السعودى للحكم الإمامى منعا لتمدد نفوذ قيادة عبدالناصر إلى الحدود التى كانت دائما مصدر خطر على الأسرة السعودية.

وبرغم كل التطورات فقد حكم العسكريين معظم عهد ما بعد الإمامة.. وهم ما زالوا الحكام حتى اليوم ولو بملابس مدنية.

• فى الشهر ذاته، سبتمبر 1962، كانت جزائر الثورة تستكمل أسباب قيام دولتها بعد تحريرها بالثورة من الاستعمار ــ الاستيطانى الفرنسى الذى امتد لحوالى مائة وخمسين سنة.. وكان لمصر عبدالناصر دور مؤثر فى مساندة هذه الثورة الشعبية المجيدة التى واجهت الاستعمار الفرنسى بعدما كبد الجزائر حوالى المليون شهيد.

لكن هذه الجمهورية الوليدة سرعان ما شهدت انقلابا عسكريا قاده رئيس أركان جيش التحرير هوارى بومدين، فخلع أول رئيس للجمهورية فى الجزائر المحررة واحد أبطال ثورتها، احمد بن بله، بعد اقل من ثلاث سنوات على انتخابه ديمقراطيا، وأودعه السجن ليحكم بعده بالجيش حتى وفاته بعد حوالى خمسة عشر عاما. وبعده تعاقب عسكريون بملابس مدنية على الحكم حتى اليوم.

• وفى 13-17 يوليو 1968 سيقوم ضباط من حزب البعث مع ضباط آخرين بانقلاب عسكرى فى العراق بقيادة اللواء أحمد حسن البكر يتولون فيه زمام السلطة مع ضباط آخرين ستتم تصفيتهم لينفرد الحزب بشخص صدام حسين بالحكم حتى أبريل من عام 2003 حين احتلت الجيوش الأمريكية العراق. وكان صدام حسين قد أبقى فى واجهة السلطة قريبه و«قائده» احمد حسن البكر، لفترة ثم أزاحه لينفرد بالسلطة جميعا.. وكان قراره الأول أن شن حربا ضد الثورة الإيرانية التى كانت قد خلعت الشاه فى مطلع عام 1979، وقد دامت ثمانى سنوات طويلة ومدمرة. أما قراره الثانى فكان غزو الكويت فى 2 أغسطس 1990 «انتقاما» من حكام النفط العربى الذين تخلوا عنه بعد وقف الحرب على الثورة الإيرانية..

ولقد تذرعت واشنطن بغزو الكويت لتنشئ حلفا عسكريا مع مجموعة من الدول العربية لإخراجه بالقوة من جارته الصغيرة الغنية، ملحقة بالعراق دمارا واسعا، فى مستهل عام 1991.

ولسوف تعود واشنطن وقد وسعت حلفها العربى إلى شن حرب مدمرة على العراق انتهت باحتلاله مطلع عام 2003 وإعدام صدام، وانفراد الحاكم العسكرى الأمريكى بإعادة بناء الدولة فى أرض الرافدين بما جعلها على شفا حرب أهلية مفتوحة تتوالى فصولها حتى اليوم.

•••

• فى أوائل مايو 1969، سيشهد السودان انقلابا عسكريا (بمساندة الحزب الشيوعى) يخلع الحكم المدنى لينصب جعفر نميرى رئيسا، منهيا الحكم المدنى الذى كان قائما فى الخرطوم.. وبديهى أن العسكر لم ينتظروا طويلا قبل تصفية شريكهم المدنى (الحزب الشيوعى السودانى ذى التاريخ النضالى المميز)، والانفراد بالحكم.

• وفى الفاتح من سبتمبر 1969 قام العقيد معمر القذافى ومعه مجموعة من العسكريين الشبان بخلع الحكم الملكى (السنوسي) وتسلم زمام الأمور فى هذه الدولة التى كانت هامشية، ثم جعلها العقيد «جماهيرية»، لا يعرف تماما طبيعة نظام الحكم فيها الذى يتولاه منفردا مستولدا مجموعة من النظريات التى تتجاوز السلطة إلى المجتمع.

• وفى 19 نوفمبر 1970، وبعد مضى ذكرى الأربعين على وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، سيقوم الفريق حافظ الأسد بـ«حركة تصحيحية» تحت شعارات حزب البعث العربى الاشتراكى. ولسوف ينفرد هذا الرئيس الداهية بحكم سوريا لمدة ثلاثين عاما متصلة، فلما حضرته الوفاة فى يونيو2000 كان كل شىء معدا ليتولى نجله بشار الأسد السدة التى ما زال يحتلها حتى اليوم.

• وكانت السلطة فى مصر قد آلت إلى واحد ممن كانوا رفاقا لجمال عبدالناصر، ونائبه عند الوفاة فى 28 سبتمبر 1970 أنور السادات. وسيمتد حكمه حتى اغتياله فى العام 1981، بعد سبع سنوات من حرب «العبور» ضد الاحتلال الإسرائيلى لسيناء الذى أعقبته زيارة تل أبيب ثم معاهدة الصلح مع العدو الإسرائيلى.

وبعد اغتيال السادات تولى الحكم نائبه الفريق حسنى مبارك الذى استمر يمدد لرئاسته لمدة ثلاثين سنة حتى وقعت انتفاضة 25 يناير 2011 التى أجبرته على تقديم استقالته على التليفزيون. وما جرى بعدها معروف.

• أما فى تونس فقد أقدم العقيد زين العابدين على خلع الرئيس الحبيب بورقيبة فى 7 نوفمبر 1987، وظل يحكم خليفة للمجاهد الأكبر، حتى انفجار انتفاضة البوعزيزى الشعبية فى 17/12/2010 فهرب فى 10/1/2011 إلى السعودية، لتتولى الحكم «جبهة» تضم الإخوان المسلمين مع بعض الأحزاب ذات التاريخ فى تونس.. لكن حكم الجبهة لا يبدو نهاية التحولات.

•••

لماذا هذا العرض التفصيلى وبهذا التوقيت؟

لأن الانتفاضات التى توالت فى العديد من الأقطار العربية، ومصر أخطرها وأعظمها، لا تجد لها قيادات مدنية مؤهلة وذات رصيد شعبى يكفل لها الوصول إلى سدة الحكم على قاعدة برنامج نضالى واضح.

وفى حالة مصر على وجه التحديد يجد الجيش نفسه فى موقع القيادة، ولو بالاضطرار، ويتطلع الجمهور بأكثريته الواضحة إلى الفريق أول عبدالفتاح السيسى كمنقذ، فى حين تتردد القيادات السياسية التى كان لها رصيدها الشعبى قبل الانتفاضة، ثم تعزز خلالها، لأنها تجد ذاتها أضعف من أن تستطيع مواجهة المرحلة الجديدة بأعبائها الثقيلة.

هل أقفلت الدائرة: من الجيش إلى الجيش، نتيجة ضعف الحركة السياسية فى الشارع، بأحزابها وتنظيماتها التاريخية التى لا يكفى رصيدها لتوليتها قيادة البلاد؟

أم أن علبة السحر الديمقراطى، الانتخابات، مؤهلة لأن تقدم المدخل إلى الحكم المدنى القادر على القيام بأعباء التغيير الذى استولدته الانتفاضة الجماهيرية العظيمة التى كانت تنقصها القيادة القادرة والمعززة ببرنامج واضح ومحدد للحكم فى زمن التحولات الدولية الكبرى، والاحتياج الملح إلى من يحقق طموح الشعب؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved