حلم التغيير .. بين الميدان وقصر اليمامة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 28 يناير 2015 - 8:30 ص بتوقيت القاهرة

يغور «الميدان» بحشوده المليونية عميقا فى الوجدان، ويتبدى بعيدا جدا إلى حد الغربة، فى هذه اللحظة، لكأن وقائعه حدثت قبل قرن!

تفرقت الملايين التى تدفقت إليه متزاحمة، متراصفة، متماسكة على اختلاف توجهاتها، وضرب اليأس أطنابه فى «الميدان»، الذى شهد انبثاق نور «الثورة»، فإذا الجمع قد تفرق أيدى سبأ، وإذا الخلافات قد مزقت الصفوف التى تلاقت وتراصت خلف إرادة التغيير.

لكأن التظاهرة العظمى التى لم يشهد لها التاريخ مثيلا، كانت آخر مواعيد التلاقى: اعتبر كل أنه قد أدى واجبه كاملا تاركا الكلمة الأخيرة لمن يستطيع تحويل الهتاف طلبا للتغيير إلى أمر بالتنفيذ، الجيش.

ولقد نفذ الجيش، وعادت الجماهير إلى البيوت، تاركة فى عهدته آمالها ومطامحها ومطالبها فى التغيير: عيش، حرية، عدالة اجتماعية.

ما أطول المسافة بين الشعار والإنجاز، وكل شىء فى البلاد خرب: أجهزة الدولة، التنفيذية والتشريعية، حتى القضاء الذى كان يحكم باسم الحاكم لا باسم القانون.. والحاكم هو من يبتدع الدستور، وهو الوصى على القضاء، وهو بشخصه القانون!

الفقر أقوى من الثوار. صحيح أنه بين الدوافع إلى الثورة، لكن متى تحولت الثورة إلى سلطة، برز الفقر مجددا وقد فقد زخمه كقوة للتغيير أمام الأزمات الخطيرة التى لا حل قريبا لها، تتصدى مشكلات المجتمع، بملايينه التى تتوالد من ذاتها، للسلطة الجديدة التى جاءت من قلب المؤسسة الصامتة، فتحاول تأمين الحلول السريعة لأزمات مر عليها الزمن فزاد من خطورتها فى غياب القدرة على مواجهتها مجتمعة.. فيبدأ البحث فى جدولتها، ثم فى محاولة تأمين المداخيل الإضافية، وتلوح دول النفط وكأنها المنقذ.

•••

يجيء خبر وفاة العاهل السعودى عبدالله بن عبدالعزيز من خارج السياق.. بل إنه يأتى فى لحظة حاسمة، وبينما كانت العلاقة معه تحديدا تحمل الوعد بتيسير أسباب علاج الأزمات الداخلية، فى مختلف البلدان التى غيرت فيها «الميادين» قمة السلطة فخلعت أنظمة الطغيان وجاءت بأنظمة جديدة تحمل دمغة الثورة الشعبية.

العزاء واجب، حتى لو كان الراحل الكبير من أهل النظام وليس من أهل الثورة. إنه، فى جانب من سلوكه، عدو للإخوان، أى لمن كان فى موقع العداء للثورة التى تفجرت فخلعته. والقاعدة أن عدو عدوك صديقك. إذن لا بأس من التصرف مع أهل الراحل الكبير كأصدقاء من خلال التلاقى على خصومة الطغاة الذين توجب خلعهم، سواء أكانوا من أهل الماضى أو من حملة الشعارات مزورة الدين الحنيف لتحكم باسمه.

لقد سقطت الفروق بين الأنظمة العربية، فتوحدت جميعا فى موكب التعازى بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذى تحلى بمزايا لا تتوفر، فى العادة، بين الملوك أبناء الملوك، ولا سيما بين أولئك الذين يحكمون باسم الشريعة، والذين أخرجوا قبل الآخرين «الإخوان» من دائرة الجدارة بالحكم باسم الشريعة. إذن، لا بأس من التلاقى معهم وقد جمعت بين الكل الخصومة المشتركة للمتاجرين باسم الدين، والذين استخدموه منصة للقفز إلى سدة الحكم.

علينا الاعتراف بهزيمة العقائد عندما يتقدم، تحت ستارها، الطامحون إلى الحكم فيأخذونه بقوة السيف. إنهم يغتالون حزبهم، بداية، وإن ظلوا يرفعون شعاراته على سرايات حكمهم باسم إرادة التغيير.

وها قد اندحرت العقائد القومية والتقدمية، وتزاحم القادة الذين وصلوا إلى السلطة بشعاراتها، فى طابور المعزين، فتبدوا وكأنهم يتقبلون التعازى بتاريخهم وبالأحزاب التى يسرت لهم الفرصة للقفز إلى السدة. لابد لهؤلاء وأمثالهم من الحزبيين، الذين طالما حلموا بالثورة كطريق إلى التغيير، أن يعترفوا بأن هذا النظام الملكى العائلى الذى طالما قاتلوه، واعتبروه قيادة المعسكر الرجعى والثورة المضادة، قد انتصر عليهم. يمكن لهم أن يعزوا أنفسهم بالقول أن النفط أقوى من العقائد وأن الذهب يغلب الأفكار، وأن الدين أقوى بكثير مما كانوا يعتقدون.. خصوصا أن الذين يرفعون رايته الآن ليسوا حزبا بل هم حراس الكعبة ومنازل الوحى والأرض التى باركها الله فاختار من بين أبنائها الرسول الأكرم.

•••

ها هم الثوار القدامى ينتظمون فى الصفوف مع الثوار الجدد فى مواكب التعازى بالملك الراحل، الذى وصل البعض فى رثائهم له إلى حد اعتباره بطل التغيير فى قلب النظام الذى لا يستسيغ أهله التغيير.

لقد تراصف الكل فى المواكب، وتزاحموا على أبواب قصر اليمامة فى الرياض من أجل تقديم العزاء. اختلط أبطال الثورات وحركات التغيير بقادة الدول الإمبريالية ورجالات النظام الاستعمارى القديم، مع أبطال الانتصار على الاشتراكية فى قلب موسكو وسائر عواصم المعسكر الاشتراكى.

الكل كانوا هناك، فى ذلك الموكب المهيب: قادة البلدان الخارجة لتوها من أتون الحرب الأهلية، أو التى هى على باب الحرب الأهلية، تحث الخطى إليها، أو تلك التى تحاول تجنب الانزلاق بالفقر إلى أتونها.

القيادات داخل القصر تقدم تعازيها محاولة قراءة خريطة التفاهم مع الحكم الجديد الذى قد يتبدى مثلث الرؤوس وإن ظل القرار واحدا.

تلتف الأنظمة العربية، على وجه الخصوص، حول أغناها. الذهب يشد بوهجه ويسحر بقدرته على اختراق المستحيل. أنظمة الفقراء جاءت تعزى وهى تتوقع أن تحسب لها هذه المبادرة غدا عند البحث فى المساعدات والقروض والفوائد.

ثم إن النظام السعودى يملك القدرة على إصدار شهادات حسن السلوك. وواشنطن تقبل هذه الشهادات وتمنح أو تمنع على أساسها.

أنظمة الفقراء تحتمى بالنظام الأغنى وتحميه.

النفط أقوى من القومية والاشتراكية والوحدة.. فكيف إذا ما تعززت قوته بالدين الحنيف. هنا الدين والدنيا وقد اجتمعا، فأين المفر؟!

•••

واشنطن تتصدر الموقف ومن خلفها عواصم الغرب بتراتب القوة عبر التاريخ: بريطانيا التى هى الأعرق فى العلاقة مع أهل الصحارى المذهبة، وبعدها ألمانيا لأنها الأغنى، ثم فرنسا التى تعرض تاريخها للبيع مع السلاح، وغير بعيد تقف الصين وقفة استعداد للقفز وقد خلفت صور ماو تسى تونغ فى المتحف، بينما تتقدم موسكو بخطى بطيئة متهيبة لحظة الحساب على حاضرها بعنوان سوريا والعراق وإيران وصولا إلى اليمن.

الكل فى قصر اليمامة. وبعضهم أتى ليوطد علاقة تاريخية ثابتة، وبعضهم جاء يحاول بناء علاقة مصالح دائمة مع نظام العائلة، التى قاتلت ثلاثمئة عام لكى تقيم مملكتها التى كانت مرتعا للفقر تعيش من موسم الحج والتى غدت الآن أغنى بلاد العالم، وقد تعززت قداسة أرض الرسالة المحمدية بالذهب الأسود الذى تختزنه الصحارى البلا حدود.

هموم الرياض مؤجلة الآن. لقد ابتكرت العائلة صيغة جديدة للحكم: للملك ولى عهد ومعه ولى لولى العهد. الأمراء كثير عديدهم. يتحدثون عن آلاف، الملك المؤسس تزوج مرارا وتكرارا حتى بات له ستة وثلاثون ابنا، أما البنات فلا يدخلن فى الجدول العائلى. يتم الحديث عنهن سرا، ولا يخرجن من قصور أهل الحكم إلا نادرا، وفى مجال مكافأة المخلصين.

هموم الملك الجديد، ومعه ولى عهده وولى الولى، كثيرة ومتشعبة. تبدأ من القصر ذاته، وتتعاظم مع أخبار التطورات فى اليمن، وأخبار «داعش» الذى يقف على الأبواب مذكرا بجهيمان العتيبى الذى احتل مع جماعته من «الجهاديين» الكعبة المشرفة ذات يوم من ديسمبر 1979.. وكان لا بد من الاستعانة بالخارج، عربا مؤمنين وأجانب كفارا، للقضاء على حركته التى شكلت أعظم تهديد للمملكة.. ومن قلب شعاراتها.

•••

الميدان مغلق الآن على الذكريات.

فى تونس أعادوا صياغة النظام القديم برجاله،

وفى مصر تجرى المحاولة لإعادة صياغة النظام من دون التصادم مع السلف الذى تنازل عن سلطاته بلا قتال، وليس ذنبه أن يكون الإخوان قد صادروا الميدان.. بالديمقراطية، ولو مزورة.

أمام الميدان مهمات عديدة معقدة وصعبة تحتاج إلى تنظيم الملايين التى اصطنعت فجر التغيير، ثم انسحبت من الميدان قبيل سطوع شمس الغد.

والكفاح دوار، قبل مواكب العزاء وبعدها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved