مؤسسات فى غير أوانها ومكانها

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 28 أبريل 2009 - 7:57 م بتوقيت القاهرة

 حدثت أمور ثلاثة فى أسبوع واحد لا رابط بينها سوى وجود رجل صغير السن نسبيا أسمر اللون نسبيا يتولى منذ مائة يوم قيادة دولة هى الأعظم فى العالم نسبيا وإلى حين.

الأمور الثلاثة هى أولا: رؤية جديدة يقدمها هنرى كيسنجر لمستقبل النظام الدولى والدعوة إلى صياغة «خريطة دبلوماسية جديدة» للولايات المتحدة فى ظل زعامة رشيدة «لها رؤية».

ثانيا: انكشاف واقع الشيخوخة الذى آل إليه حال حلف الأطلسى من خلال ما دار فى قمته الأخيرة.

ثالثا: ما تسرب أو أعلن من أخبار عن إبداء بعض أقدم الحكام العرب الحرص الشخصى على مصلحة الرئيس باراك أوباما والرغبة فى تعميق رؤيته وعرض خبراتهم وتجاربهم فى مشكلات الشرق الأوسط ومساعدته على وضع سياسات واتخاذ قرارات لا تسعفه فى وضعها واتخاذها قلة خبرته فى شئون الحكم وعدم التعامل من قبل مع مشكلات على هذه الدرجة من الخطورة.

أعود فأقول: إن الرابط الوحيد الذى يربط بين هذه الأمور الثلاثة هو الشعور السائد فى الشرق والغرب وفى الشمال والجنوب بأن الرئيس باراك أوباما جاء فى مرحلة شاخ فيها العديد من السياسات والمؤسسات والزعامات الدولية، فاستهان به البعض.

بعض آخر خاف على مصالحه من انفعالات شاب منبهر بآفاق التغيير واحتمالاته ومحبط بالفشل الذى حققته أو تسببت فيه أفكار وتيارات وشخصيات فى بلاده وبلاد أخرى هرمت بفعل الزمن أو بفعل التوقف عن الفعل والارتماء فى أحضان وطمأنينة اللا فعل.

يريد هذا البعض الآخر، أو يتمنى، أن يلجم انفعالات الشاب ويظن أنه أقدر من ينصحه بالتروى فى التغيير، ويتصور أن يوما سيأتى يستطيع فيه هؤلاء القدامى المخضرمون أن يقولوا للشاب، حذرناك ولم تمتثل.

***

عرف كيسنجر بحسه الدقيق أن أوباما سيكون مثل رتشارد نيكسون فى جرأته على اتخاذ قرارات تستبق التحولات الدولية العظمى أو تسايرها.

كان كيسنجر فى حاجة إلى جسارة نيكسون ليكسر حاجز الخوف من الصين ويستبق خروجها إلى العالم ويتأقلم مع حاجتها للانطلاق. وكان كيسنجر فى حاجة إلى مهارة أنور السادات وأحوال مصر الاقتصادية ونتائج حرب أكتوبر ليخترق حواجز كثيرة فى المنطقة وخارجها حرمت إسرائيل طويلا من الدعم الدولى المطلق وغير المشروط، وحافظت على مكانة مصر فى إقليم تجاسر واستخدم النفط فى «لحظة قومية» ضد مصالح أمريكا والغرب. الآن يشعر كيسنجر أن الزمن عاد فجاد على أمريكا برجل من النوع الجسور يستطيع ــ لو أخذ بنصائحه ــ تقليل الخسائر، وبعضها حتمى، الناجمة عن تحولات عظمى فى عقيدة الغرب الرأسمالية وعقائده الإستراتيجية وعلاقات القوة فيه.

يقول كيسنجر إن السياسات التى يحلم باراك أوباما بتحقيقها لا يجمعها إطار عام للسياسة الخارجية الأمريكية. مازالت هذه السياسات جزئيات متناثرة، منها مثلا سياسة تخفيض سباق التسلح مع روسيا خلال عشرة أعوام، وتطوير العلاقات الإستراتيجية مع الصين، وفتح حوار مع إيران، وتنشيط الكلام حول فلسطين.

ولا يعترض الرجل العجوز كيسنجر على هذه الخيارات فى السياسة الأمريكية، على العكس يؤيدها ويثنى عليها ويدعو إلى الاهتمام بالترابط القائم بينها، فتخفيض السلاح مع روسيا يخدم موقف أمريكا من سياسة عدم انتشار الأسلحة النووية، أى موقفها من إيران. ودعم العلاقات مع الصين يؤثر على المفاوضات مع كوريا الشمالية وعلى الحوار مع إيران.

والحوار مع إيران يؤثر على تنفيذ خطط الانسحاب من العراق والتقليل من فرص الفراغ المتوقع، ويؤثر فى الوقت نفسه على لهجة «الكلام» حول مشكلة فلسطين، بأمل أن تقتنع إيران بجدوى إقامة نظام إقليمى يشعر فيه الأطراف كافة بالأمن وتطمئن إلى عدم وجود قوة واحدة مهيمنة، وهو الأمر الذى لا يمكن تحقيقه إلا بحوار إيرانى ــ أمريكى.

وينصح كيسنجر الرئيس أوباما بتفادى تشجيع المفاوضات التى تركز على قضايا ثانوية لأنها ــ حسب رأيه ــ «تشجع الطرفين على التعود على تقديم تنازلات فى قضايا فرعية، وهى التنازلات التى تتسبب فى إنهاك الطرفين حول قضايا فرعية، بينما تتسع الفجوة حول القضايا الرئيسية وتضاعف من سوء الفهم».

ويتصور كيسنجر وضعا مستقبليا على وشك التبلور يشبه إلى حد كبير حال أوروبا بعد مؤتمر فيينا الذى انعقد فى عام 1815، حين قام نظام دولى على أكتاف تكتلات وتحالفات الهدف منها فرض قواعد ومبادئ لنظام دولى جديد. وبالفعل قام النظام وظل قائما وظلت قواعده ومبادئه معمولا بها حتى نشوب الحرب العالمية الثانية فى عام 1939.

يظن كيسنجر أن أوباما مدرك لاحتمالات تحول مشابه فى النظام الدولى، ولديه رؤية واضحة. ولكن تنقصه، وينقص العالم خريطة دبلوماسية تعيد ربط القضايا الجوهرية فى العالم، ومنها البيئة والقرصنة والجريمة الدولية والفقر ببعضها البعض، وتضع قواعد ومبادئ جديدة للسلوك الدولى. و أن محاولات، مازالت ساذجة، تجرى بهذا الشأن وآخرها قمة العشرين التى عقدت فى لندن.

الأمر الثانى الذى وقع مؤخرا يتعلق بقمة حلف الأطلسى، التى اجتمعت فى أعقاب مؤتمر العشرين اللندنى. كانت قمة الأطلسى أروع تجسيد لحالة «المؤسسة الأم» فى النظام الدولى الذى أفرزته الحرب العالمية الثانية، وهى حالة شيخوخة لم يعد ممكنا فى ظلها أن تؤدى المؤسسة وظائفها بكفاءة.

ترهلت المؤسسة وزاد وزنها وكست التجاعيد جميع قسماتها ولم تفلح جميع عمليات التجميل التى أجريت لها ومنها محاولات توسيع أهدافها وعودة أو إعادة فرنسا إلى جناحها العسكرى وتطوير أساليب علاقاتها العامة وعقد اتفاقات مع دول خارج المنظومة، كالخليج مثلا.

أظن أن باراك أوباما لم يكن غافلا عن حال الحلف عند مشاركته فى القمة. ولم يكن فى حاجة إلى خبرة شيوخ أوروبا لينصحوه فى أمور تتعلق بالمستقبل. ولا شك أنه قرأ ذات يوم عن التبرير الذى أعطاه فى الأربعينيات اللورد إيسماى أول أمين عام للحلف عندما قال إن الغرض من إنشاء الحلف «إبقاء الروس خارج أوروبا، وإبقاء الأمريكيين داخل أوروبا، وإبقاء الألمان تحت أوروبا أى تحت السيطرة».

ولا يحتاج أوباما إلى خبرة سنوات أو عقود فى الحكم ليعرف أن لا روسيا بقيت خارج أوروبا، ولا أمريكا بقيت فى أوروبا ولا الألمان بقوا تحت السيطرة ينفذون كل ما يؤمرون أو تطالبهم أمريكا بالقيام به لخدمة الغرب.

هم الآن يرفضون زيادة عدد جنودهم العاملين فى آسيا، ويرفضون رفع مساهماتهم المالية والاقتصادية لدعم الاقتصادات الغربية فى مواجهة الأزمة العالمية. ورفضوا الانصياع للطلب المتكرر من جانب إدارة الرئيس السابق جورج بوش تصعيد الحصار والعقوبات الاقتصادية على إيران.

أظن أن أوباما توصل، إلى ما سبق أن توصل إليه عدد غير قليل من خبراء السياسة والإستراتيجية فى روسيا والصين، وربما لدى الطالبان والأفغان والباكستانيين وإيران، من أن الحلف تجاوز عمره الافتراضى، ولا يجوز أن يتوقع منه الرئيس أوباما نصيحة ذات قيمة أو فائدة يعتد بها، فلا الحلف مؤهل للتعامل مع تطورات العولمة وما بعدها وعصر ما بعد الانقسام الأيديولوجى ودول تبحث عن تعريف جديد «لحالتها» الاقتصادية أو عن عقيدة غير الرأسمالية والاشتراكية تسترشد بها أو تحتمى فيها، ولا هو قادر على العودة إلى ما قام من أجله بعد أن انتفى سبب قيامه. لقد دخل الغرب والعالم كله مرحلة تختلف جوهريا وشكلا وقيادة عن المرحلة التى نشأ فيها حلف الأطلسى ومارس قوته. فى هذه المرحلة الثورية فى العلاقات الدولية لن تنفع الخبرة ولن تنفع الحكمة ولن ينفع الزمن إذا لم تتوفر ــ وبجلاء شديد ــ الرؤية والرغبة فى مسايرة قوى التغيير وترشيدها.

أما الأمر الثالث، والمتعلق برغبة أو نية ثلاثة من قدامى الزعماء العرب عرض خبراتهم وتجاربهم وتقديم نصائحهم للشاب أوباما، فأمر مشروع من وجهة نظر عارضى النصح والمشورة، ومشروع من وجهة نظر الرئيس الأمريكى متلقى العروض كدليل إضافى على استعداده للحوار والاستماع إلى جميع وجهات النظر.

ومع ذلك، أستطيع أن أتخيل ما يدور فى ذهن رئيس فى متوسط عمره منتخب ديمقراطيا يحكم دولة غربية يأتيه حاكم من دولة شرق أوسطية يعرض عليه النصيحة لأن متلقى النصيحة لم يقضِ فى منصبه سوى مائة يوم أو أكثر قليلا، ولأن مقدم النصيحة قضى أربعين عاما أو أكثر أو أقل فى حكم دولة أخرى لا يوجد وجه شبه واحد بينها ودولة الناصح. أكاد أقرأ فى ذهنه رغبة فى أن يهمس فى أذن كل منهم بالكلمات التالية: إذا كانت نيتكم فى النصح صادقة فلماذا لا تعطون النصيحة وتقدمون المشورة لحكام شبان فى أوطانكم يتولون المسئولية فتكسب بلادكم القدرة على التغيير ويكسب خلفاؤكم خبرتكم وتجاربكم؟.

أتصور أن أوباما لم يكن متهورا تهور الشباب أو منفعلا انفعال السود أو الملونين عموما، ولم يكن قليل الحكمة والذكاء والعلم حين خطب فى الأتراك قائلا «لقد ازدادت الولايات المتحدة ثراء بالأمريكيين المسلمين. أمريكيون كثيرون يعيش معهم مسلمون فى عائلاتهم أو عاشوا فى بلاد أغلب سكانها مسلمون. أنا أعرف لأننى واحد من هؤلاء».

بهذه الكلمات الجريئة والقليلة هز أوباما أحد أهم أركان منظومة الكراهية والعنف والحرب ضد الإسلام التى شنها المحافظون الجدد ووظفوا إدارة بوش لتنفيذها، وبهذا الشاب تستطيع أمريكا أن تحقق التغيير الذى يصبو إليه شعبها الذى انتخبه وشعوب أخرى كثيرة مغلوبة على أمرها تجمدت فى قوالب «الاستقرار» وفقدان الأمل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved