قراءة «لبنانية» لبيان بان كى مون ومهمة موفده «الإسرائيلى» لارسن..

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 28 أبريل 2009 - 7:35 م بتوقيت القاهرة

 فى أواخر صيف العام 2006، جاء الأمين العام للأمم المتحدة، السيد بان كى مون إلى لبنان، لأول مرة، لكى يعاين على الأرض نتائج التدمير المنهجى لأسباب العمران الذى اعتمدته إسرائيل فى حرب يوليو التى امتدت وتمددت طوال ثلاثة وثلاثين يوما بلياليها على اللبنانيين ودولتهم، فصمدوا أمامها وأفشلوا أهدافها.

(1)
بعد الاستقبال الرسمى فى المطار انتقل السيد بان كى مون فى موكب رسمى إلى واحد من فنادق الدرجة الأولى يقع على الطرف الجنوبى للعاصمة بيروت...وبعد استراحة قصيرة فى الصالون، تولى مدير الفندق اصطحاب الضيف السامى إلى جناحه الخاص، وحين دخلاه أزاح الستائر فتبدى منظر الشاطئ جميلا مع انعكاس الأضواء على حركة الموج مستولدة مهرجانا من الألوان الراقصة.

تأمل بان كى مون المنظر مبهورا ثم التفت إلى مدير الفندق يسأله: هذا المحيط الأطلسى.. أليس كذلك؟

صعق المدير، ولكنه أقنع نفسه أن الأمين العام للمؤسسة الدولية العريقة إنما يمازحه أو أنه يمتحن معلوماته الجغرافية... وعاد يستوضح: عفوا؟! لم أسمعك تماما..
كرر بان كى مون سؤاله: المنظر ممتع، ولقد سألت فقط إن كنا عند الشاطئ الآخر للمحيط الأطلسى.؟

قال مدير الفندق بشىء من الحزن: لا يا سيدى، إنك فى بيروت على الشاطئ الشرقى للبحر الأبيض المتوسط!

فى اليوم التالى كانت هذه الحكاية تسبق الأمين العام إلى مختلف لقاءاته الرسمية فى بيروت، محددة «سقف الكلام» مع هذا الموظف الدولى السامى الآتى لمعالجة ذيول حرب إسرائيلية مدمرة على بلد يشاطىء المحيط الأطلسى!

استعادت بيروت وأهل الرأى فيها هذه الحكاية وهى تقرأ البيان الاستثنائى فى خطورة العبارات التى صيغ بها، والصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة، استنكارا للمؤامرة التى دبرت ضد مصر فى ليل، والتى جاء لتنفيذها ذلك المغامر اللبنانى فائق الخطورة.

ذلك أن اللبنانيين لم يسمعوا ولم يقرأوا بيانا حربيا مصاغا بهذه اللهجة التى تتجاوز المألوف، لا فى مواجهة الحرب الإسرائيلية على لبنان فى صيف 2006، ولا خلال دهر الحروب الإسرائيلية المفتوحة على شعب فلسطين فى ما ابقى له من أرضه سواء فى الضفة الغربية التى تذيبها المستعمرات الاستيطانية أو فى غزة المحاصرة والتى لا يجد أهلها ما يكفى من الهواء لكى يتنفسوا!

(2)
أما مع إيفاد الممثل الشخصى للأمين العام السيد تيرى رود لارسن إلى القاهرة (وتل أبيب!!) لتقصى الحقائق عن «الشبكة الإرهابية»، فقد استقر فى وجدان اللبنانيين أن «مؤامرة» ما قد نظمت فى البعيد ثم أوفد هذا المبعوث الدولى لتنفيذ بعض فصولها التى لا بد أن تكون رديئة ومسيئة إلى مصر وإلى لبنان، بل وإلى العرب جميعا، والتى لا تفيد إلا إسرائيل والتطرف فيها الذى يمسك بقمة السلطة، والذى يهمه تنظيم المزيد من الاشتباكات العربية ــ العربية أو العربية ــ الإسلامية، بما يحقق المصالح الإسرائيلية... مجانا!

ذلك أن اللبنانيين قد خبروا تيرى رود لارسن وعرفوا وكشفوا العديد من مناوراته، بل مؤامراته، لتأجيج الخلافات فى ما بين قواهم السياسية، والأخطر: لتدمير العلاقات اللبنانية ــ السورية، باستغلال مكشوف ومفضوح لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريرى.

تيرى رود لارسن فى نظر اللبنانيين «عميل إسرائيلى»، وهو «محرض كفؤ» على الفتنة، ثم إنه تصرف منذ اللحظة الأولى لمباشرة عمله كمتابع لتنفيذ متدرجات القرار 1559 وكأنه «طرف محلى» مخاصم للأطراف الأخرى.. حتى إن بعض المسئولين فى لبنان كتبوا إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة مطالبين بسحبه وإيفاد مندوب آخر، خصوصا أن أطرافا مؤثرة بين القوى السياسية قد امتنعوا عن استقباله نتيجة النقص فى أمانته وعدم التزامه بموجبات الحيدة وعدم التورط فى الخلافات الداخلية..

وليس سرا أن الكثير من دول العالم ترفض للأمين العام للأمم المتحدة أن يتحول إلى ما يشبه «الموظف» التابع للإدارة الأمريكية، كما ترفض أن يكون بين معاونيه من يعتبر وكأنه «عميل» لإسرائيل فى هذه المؤسسة الدولية الخطيرة التى كانت ــ ويجب أن تبقى ــ مرجعية للشرعية الدولية تسعى عبرها الشعوب المضطهدة لنيل الاعتراف بمشروعية نضالها من أجل نيل الاستقلال وإقامة دولها على أرضها والعيش بكرامة.

لقد فرضت الرسالة ــ الإنذار ــ التى وجهها السيد بان كى مون إلى القاهرة، ومن ثم إيفاد تيرى رود لارسن لتوكيد مفاعيلها (ضمانا لإشعال حريق كبير فى العلاقات العربية ــ العربية، والعربية ــ الإسلامية) نفسها كموضوع طارئ واستثنائى فى أهميته.. خصوصا أن الموفد الدولى قد تابع رحلته، بعد القاهرة إلى إسرائيل، ما يجعل مهمته مكشوفة لمن أراد أن يقرأ فيفهم ما يدبر لنا، عبر النفخ فى نار الفتنة باستغلال حادثة تسلل المواطن اللبنانى «سامى شهاب» إلى مصر، قبل شهور عديدة، فى مهمة وصفها بأنها «نجدة أولية» لأهل غزة، ووصفتها القاهرة الرسمية بأنها مقدمة لمؤامرة تستهدف مصر فى سيادة دولتها وكرامة جيشها وقداسة دينها الحنيف!

والحقيقة أنه كثيرا ما تجاوز الموطنون العرب، من غير المصريين «حدودهم» فى التعامل مع مصر، فاعتبروها أو تصرفوا معها وفيها وكأنها «دولتهم» جميعا، وأعطوا أنفسهم حقوقا ليست لهم، بالمعنى القانونى أو بمفهوم «المواطنة» الطبيعى.. فليس هناك إلا «مصر» واحدة فى هذا الوطن العربى الممتد بين المحيط والخليج الذى كلما تكاثرت «دوله» تناقصت أهميته واندثرت قيمة مواطنيه لحساب تعاظم خطورة حكامه، وتزايد النفوذ الأجنبى فيه.

(3)
وبغض النظر عن التباين فى المواقف السياسية، فإن العرب ــ بمجموعهم-ـ كانوا يتطلعون إلى مصر بوصفها مرجعهم المعنوى، يفيدون من خبراتها وينهلون من ثقافتها ويتقوون بروحها التى طالما احتضنت أحلام التغيير.

لم يسأل أى عربى، فى أى يوم، حتى فى أشد لحظات الخلاف السياسى احتداما، عن طائفته أو حتى عن دينه، وهو يقصد مصر طالبا رعايتها أو حمايتها، فكيف إذا كان آتيا إليها دارسا أو سائحا.. أو بطلب النجدة؟.

وبرغم أن الزمان قد اختلفت والأحوال قد تبدلت والسياسات قد تغيرت فإن نضالات الشعب المصرى وتضحياته الغوالى لا تزال تقدم المثل لكل من يجاهد من أجل تحرير أرضه المحتلة.

وفى بيوت الكثير من العرب فى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين تحتل الجدران والضمائر صور العديد من الأبطال المصريين الذين جاهدوا واستشهدوا فى ميادين متعددة من أجل أقطار عربية أخرى انطلاقا من وعيهم أن العدو واحد، وإن تعددت «هوياته»، إسرائيلية أو فرنسية أو بريطانية، كما حدث خلال العدوان الثلاثى على مصر فى العام 1956.

وفى بيوت مئات من اللبنانيين، لا سميا أبناء جبل عامل فى الجنوب، صورا لقادة أبطال مصريين قاتلوا فى فلسطين مع شعبها ضد الاحتلال الإسرائيلى فى العام 1948، أو قاتلوا ضد الاحتلال البريطانى فى السويس فى العام 1952.. وإذا كان السابق هو البطل الشهيد أحمد عبدالعزيز، فإن صور الشهيد عبدالمنعم رياض الذى يحمل كثير من شباب هذه الأيام اسمه الذى صار أشبه بأيقونة للتبرك، تحتل مكانها فى القلوب كما على الجدران.

وبالتأكيد؛ فإن المقاومين فى لبنان قد أفادوا من الدروس التى كتبها بدمائهم ذلك النفر من الفدائيين المصريين الذين سبقوا أبطال العبور إلى مواجهة العدو واستكشاف مواقعه، ومن ثم ضربها على طرفى قناة السويس أو داخل سيناء.

ولعل هذا السبق إلى الجهاد فى فلسطين عموما، وغزة خصوصا قد شجع بعض المقاومين فى لبنان على المجىء إلى مصر، لتقديم الحد الأدنى من المساعدة لشعب فلسطين فى غزة فى مواجهة الحرب المفتوحة التى شنها عليه العدو الإسرائيلى، بكل أسلحة التدمير الشامل والقتل الجماعى.

وربما كان تصرف هذا النفر من المجاهدين خطأ بتجاوزه الحدود والقوانين والمعاهدات المرعية الإجراء.. ومن حق السلطة فى مصر أن تنظر إليه على أنه «تجاوز» لا يجوز السكوت عنه.

(4)
لكن هذا الخطأ لا يستحق مثل الاستنفار الشامل الذى ووجه به، فصور الأمر وكأنه غزو بالسلاح يستهدف النظام فى مصر، ثم تم تضخيمه إلى حد غير مقبول فتم تصويره وكأن المقصود به «تشييع» مصر، مع إعطاء التشييع معنى الخروج من الإسلام والارتداد عنه.

لقد تم الرد على خطأ ارتكبه أفراد أو حتى تنظيم سياسى «خارجى»، بجملة من الخطايا التى تحسم من رصيد مصر بأكثر مما تؤذى التنظيم المقصود.

فالخطأ، متى سلمنا بهذه التوصيف، كان خطأ سياسيا بالدرجة الأولى، ولم يكن من طبيعة طائفية أو مذهبية، خصوصا أنه ليس فى فلسطين «شيعى» واحد، ثم إن من أخطأ لم يأت حاملا إلا إيمانه بحق أبناء فلسطين (وهم عرب سنة) فى وطنهم، مفترضا أنه بذلك يشارك إخوته المصريين موقفهم تجاه حرب الإبادة الإسرائيلية.

وبالتالى، فإن هذا الخطأ السياسى، على جسامته، لم يكن يستأهل مثل هذا الاستنفار الشامل الذى أظهر مصر وكأنها تحت وطأة هجوم حربى خطير يستهدف أرضها وشعبها واستقرار نظامها، والأخطر: دينها الحنيف!

وتحويل هذا الخطأ السياسى إلى مشروع فتنة طائفية ليس مبالغة لا يحتملها العقل فحسب، بل إنه يشكل إهانة لعقول المصريين وتعلقهم بوطنهم وبدينهم: كأنما يكفى أن يصل «مبشر» واحد ليهز يقين هذا الشعب العريق بدينه وبوطنه وإخلاصه كدولته.

قليلا من الهدوء فلا أحد يريد الإضرار بمصر والمس بكرامة شعبها، إلا إسرائيل.
أما مسألة «التسلل» فيمكن علاجها باعتبارها خطأ تنفيذيا وليست «خطيئة أصلية»، ومرتكبها كان يتمثل نفسه مصريا يؤدى واجبه وليس غازيا تدفعه أوهامه إلى افتراض القدرة على احتلال مصر.

مصر أكبر من الانتقام، وعقلها أكثر رجاحة من أن يخلط بين عدوها وبين بعض «أبنائها» حتى ولو أخطأوا!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved