الدولة اليهودية نموذجًا لدويلات الطوائف.. عربيا!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 28 يوليه 2009 - 8:23 م بتوقيت القاهرة

 كلما انتخب الأمريكيون إدارة جديدة استقبلها النظام العربى مرحبا معلنا استعداده لتسهيل مهمتها بتقديم المزيد من التنازلات مفترضا أنه بذلك يكسب رضاها فتشفق عليه وتخفف من انحيازها إلى التطرف الإسرائيلى الذى ثبت أن لا سقف له، لعل معجزة ما تحصل فتقود إلى تسوية ولو بشروط مجحفة فيرتاح النظام العربى ولو إلى حين.

ولأن فلسطين كانت القضية العربية الجامعة فإن معظم التنازلات كانت تقدم على حسابها: يتخلى النظام العربى عن بعض ثوابت علاقته بها ومسئولياته عنها، ويغرى الطرف الفلسطينى بأن يسلك مسلكا معتدلا وعقلانيا، وأن يبتعد عن التطرف، أى عن حقوقه فى أرضه، ليسهل عليه مهمة «إقناع» الإدارة الأمريكية الجديدة بأن مشكلتها مع إسرائيل وليس مع النظام العربى بالعنوان الفلسطينى، تاركا للقيادة الإسرائيلية الفرصة لمزيد من ابتزاز الإدارة الأمريكية بالاستناد إلى التنازل العربى المفتوح.. وقبل الحديث عن حجم التأثير المباشر للوبى الإسرائيلى على السياسات الأميركية.

دائما يجد النظام العربى، ومن ضمنه وان فى موقع « الملحق» «السلطة الفلسطينية» التى استولدت بتنازلات تاريخية وتفريط خطير بالحق الثابت لشعبها فى أرضه، ما يقدمه لكسب ود الإدارة الأمريكية بأمل أن تلاقيه على الحد الأدنى من مطالبه إشفاقا عليه من ضعفه، وخوفا عليه من السقوط، والتسبب بالتالى فى إعادة إحياء مشكلات جديدة للاحتلال الإسرائيلى كان قد تخطاها عمليا.. على الأرض!

وفى استعادة سريعة لمسلك النظام العربى مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة يمكن رصد حجم التنازلات التى قدمها هذا النظام من رصيده الأساسى، أى القضية الفلسطينية التى كانت «مقدسة» فصارت بازارا مفتوحا، بل سوقا للمناقصات: ما يعجز عن تقديمه النظام العربى تبادر «السلطة» إلى تقديمه لحسابها مباشرة أو تحت ضغط النظام العربى بقصد المحافظة على شهادة حسن السلوك التى عليها أن تدفع ثمنها يوميا لسلطة الاحتلال الإسرائيلى حتى لا تلغيها نهائيا.. علما بأنها باتت الآن أشبه ما يكون بإدارة محلية خاضعة وتابعة للاحتلال، ورهانها الوحيد على «عطف» الإدارة الأمريكية واحتياجها إليها لتتمكن واشنطن من الادعاء أمام العرب أنها ليست معادية للشعب الفلسطينى وحقوقه المشروعة فى دويلة منزوعة السلاح على بعض البعض من أرضه، مزنرة بوحوش المستعمرين فى المستوطنات التى تبنى على مدار الساعة مستهلكة المزيد من تلك الأرض التى كان يفترض أن يحصل عليها الفلسطينيون بعد مسلسل التنازلات المجانية التى قدموها مباشرة، أو تبرع بتقديمها النظام العربى باسمهم ومن أجلهم، فأفقدهم المزيد من حقوقهم... مجانا ولوجه الاحتلال الإسرائيلى.

ولا حدود للتنازل عند النظام العربى، يستوى فى ذلك أمن الدول التى يحكمها أقطابه أبديا، او مستقبل هذه الدول التى يتفاقم ضعفها كل يوم بمقدار ما تتعاظم قوة إسرائيل، العسكرية والاقتصادية وبالتالى السياسية، بأفضال ذلك التنازل المزدوج: إذ يقدم العرب من لحم القضية الفلسطينية، ثم تحاول «السلطة» أن تشترى لنفسها موقعا فتقدم المزيد من «عظم» القضية التى يفترض أن تكون حارسة لها من التبعثر والضياع.
تم تفتيت القضية الفلسطينية فصارت نتفا مبعثرة يستحيل جمعها لاستعادة الصورة الأصلية للاحتلال الإسرائيلى، خصوصا أن النظام العربى ــ ومن ضمنه «السلطة الفلسطينية» ــ قد أحدث بتنازلاته المتوالية، تشويها وتمزيقا وبيعا، بالمزايدة حينا وبالمناقصة دائما، خروقا كاد يضيع معها أساس القضية: صارت خلافا عقاريا محدودا بين دولة عاتية وجبارة بقوتها الذاتية كما بتحالفاتها الدولية، والأخطر، بالتنازلات العربية المتوالية، وبين شعب يصور دائما منقسما على نفسه، موزع الولاءات على أطراف النظام العربى، لا مرجعية شرعية قادرة وحازمة له لا فى الداخل ولا فى «الخارج».

ومع كل نشرة أخبار تنثر الدماء العربية، الفلسطينية أساسا، ثم العراقية، وأحيانا اللبنانية، فضلا عن السودانية والصومالية ومجددا اليمنية، فتملأ الشاشات، بينما تتهالك الدول التى كنا نحسبها أوطانا راسخة رسوخ الجبال.

ومن أدنى الوطن العربى إلى أقصاه، تقدم الشاشات، عبر عروضها الإخبارية، يوميا، بل وعلى مدار الساعة، صورة مأساوية عن الواقع العربى، تفقد المواطن أمله فى غده، بل وثقته بنفسه، فضلا عن ثقته بدولته أو حتى بوطنه.

فالحقيقة التى لا مجال لإخفائها هى أن العالم العربى يعيش حالة من التفكك والضياع وافتقاد القدرة على القرار تنذر بتفتت شعوبه وأقطاره وقضاياه جميعا.

لم يعد «للعرب» قضية جامعة أو مؤسسة جامعة: خسروا أحلامهم العظيمة فى الوحدة او الاتحاد أو التقارب على قاعدة المصالح المشتركة، وتفرقوا أيدى سبأ، فى عالمهم الفسيح الذى لم يعودوا أصحاب القرار فى حاضره أو مستقبله: ثرواتهم ليست لهم، وهويتهم قيد النظر، وموقعهم على الخريطة ليس ثابتا، لأن كياناتهم متهاوية ويمكن سقوطها أو إسقاطها أو تعديلها حسب حاجة الآخرين.

تم التحوير بل التزوير فى أساس «قضية فلسطين» التى صارت ــ فجأة ــ بعض «أزمة الشرق الأوسط» بما ينزع عنها هوية أهلها ومحيطها العربى، ويخلى طرف العرب من المسئولية عما أصابها ويصيبها، وبالتالى عن المشروع الإسرائيلى الذى تجاوز احتلال الأرض إلى احتلال الإرادة العربية.

مع تغييب «القضية» كان منطقيا أن يتم الاستغناء عن خدمات جامعة الدول العربية التى غرقت تحت أثقال عجزها عن مواجهة المهمات التى أنيطت نظريا بها، صارت الجامعة العربية أشبه بمستودع للوثائق الدالة على النكبات أو التراجعات ووجوه العجز، يحتاج اجتماعها على مستوى الوزراء إلى كارثة قومية أو هزيمة مدوية تفرض عليهم أن يسارعوا إلى تدارك آثارها عليهم... أما الاجتماعات على مستوى المندوبين فهى أشبه بمسامرات المقاهى والأندية، أو بحلقات الزجل يقول كل فيها ما تيسر من قصائد الحماسة أو الفخر أو هجاء الخصوم.

على امتداد ستين سنة أو يزيد كانت « فلسطين» تلخيصا لقضايا العرب وطموحاتهم، يفرض عليهم التحدى الإسرائيلى التلاقى لمواجهته، حماية لأوطانهم ولمستقبل شعوبهم. وكانت المواجهة شرط حياة للأنظمة، خصوصا وان فلسطين تسكن الوجدان، دينيا وقوميا ووطنيا، وتقدم الراية والبرنامج للأنظمة والأحزاب والتنظيمات، على اختلاف توجهاتها العقائدية.

لكن فلسطين مغيبة تماما الآن، صارت مجموعة من التفاصيل التى لا يمكن جمعها مجددا لتقديم صورة للقضية التى كانت مقدسة، كذلك فان العراق لم يعد الدولة التى كادت تصبح الأقوى فى النظام العربى، خصوصا وأنها كانت الأغنى بمواردها الطبيعية، والأقدر بكفاءات شعبها.

وأخطر ما يتعرض له العراق من تفكيك لكيانه وبعثرة لشعبه على قاعدة التنوع الإثنى والعرقى والدينى والطائفى انه يتكامل مع المشروع الإسرائيلى فى فلسطين: هناك يجرى انتزاع الاعتراف بإسرائيل دولة خالصة لليهود لا يشاركهم فيه من ينتمى إلى أى دين آخر. بل إن الدين يغدو قومية. فاليهودى لأى «وطن» انتمى، وكائنة ما كانت جنسيته الوطنية الأصلية هو يهودى أولا وآخر، وبالتالى هو إسرائيلى له الحق فى أن يأخذ من فلسطين ما شاء، وليذهب الشعب الفلسطينى إلى الجحيم.

وها نحن نشهد فى العراق بدايات «تبشر» بمثل هذا التفتيت على قاعدة العرق أو المذهب.. فالكردى فى الشمال ينفصل عن «عراقيته» وهو يجتهد لإقامة دولته الكردية الخالصة تحت مظلة الاحتلال الأميركى، ساعيا إلى مصادرة كركوك التى تسكنها أقليات متعددة، ليضمن بثروتها النفطية «استقلاله» عن سائر العراق.

والاحتلال الأمريكى الذى لا يخفى تواطؤه مع أكراد الشمال العراقى يحاول تجديد روابطه مع حزب البعث الذى حكم عليه «بالاستئصال» عند اجتياح العراق ، فى سياق حملة تحريض للسنة ليواجهوا المشروع الفيدرالى الذى يتبناه بعض الشيعة فى الوسط والجنوب.

وثمة أطراف عربية نافذة تشجع «القاعدة» وتنظيمات إرهابية أخرى فى تركيز هجمات دموية على التجمعات الشيعية بذريعة منع إقامة دولة شيعية فى العراق.. بل إن هذه الذريعة كانت فى جملة التبريرات التى قدمت للترحيب بالاحتلال الأمريكى، لكأنما الاحتلال إنما جاء « نجدة» للسنة لكى يحتفظوا بحكم العراق خالصا... بينما لم يعد ثمة عراق!

وأى متابعة جدية للتطورات فى لبنان تكشف ان نجاح الإسرائيلى فى فرض نموذج دولته ذات الهوية الدينية الخالصة أخذ يشجع بعض الأطراف السياسية على المطالبة ــ ولو على استحياء ــ بنوع من الفيدرالية الممهدة لاستقلال ذاتى لكيانات طائفية داخل «الدولة» فى لبنان، التى طالما كانت «رمزية».

وهكذا فان ما يجرى فى فلسطين ولها قد تجاوز بمخاطره شعب فلسطين وحقوقه فى أرضه ليتهدد مصائر الكيانات السياسية العربية القائمة، والتى غالبا ما استنبتت بعمليات قيصرية خلافا لثوابت التاريخ والجغرافيا... وهذا السودان شاهد وشهيد.

خلاصة الأمر أن التفريط بحقوق الشعب الفلسطينى فى أرضه، والصمت عن التواطؤ الأمريكى مع إسرائيل فى موضوع استنبات المستعمرات الاستيطانية بعد بناء جدار الفصل العنصرى، وإشاحة النظر عما يجرى فى القدس الشرقية وما يتعرض لها أهلها بطردهم منها لكى يتم تطهير «أورشليم» عاصمة أبدية لإسرائيل... كل ذلك لا يشكل تهديدا بتصفية القضية الفلسطينية فحسب، بل انه يشكل إعلانا عن هبوب عاصفة عاتية أمريكية ــ إسرائيلية مشتركة على المنطقة العربية. ولاسيما المشرق العربى، تستهدف تفتيت دوله إلى كيانات عنصرية وطائفية ومذهبية تكون إسرائيل قدوتها ومرجعيتها ومركز القرار فيها.

وصورة الرئيسين الاسرائيليين شيمون بيريز وبنيامين نتنياهو فى السفارة المصرية فى إسرائيل، لمناسبة الاحتفال بـ«اليوم الوطنى» (الثورة بقيادة جمال عبدالناصر) إضافة إلى مضمون خطابيهما، ليست مما يبعث على الاطمئنان إلى مستقبل هذه المنطقة التى يخطط الإسرائيلى لان تكون تحت هيمنته المباشرة، على أن يؤمن للأمريكى مصالحه فى هذا المشرق من أقصاه إلى أقصاه.

فالإسرائيلى مطمئن الآن إلى أن مصر قد نأت بنفسها عن ميدان الصراع، ولسوف تكون النموذج لدول عربية أخرى، فى الطريق..

هل يستطيع أى عربى الربط بين خطاب أوباما فى جامعة القاهرة وبين هذه الوقائع على الأرض العربى التى باتت إسرائيل تعتبرها مداها الحيوى؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved