عن فتية فلسطين وسكاكينهم.. وكذبة نتنياهو فى ألمانيا

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 28 أكتوبر 2015 - 8:25 ص بتوقيت القاهرة

من قلب بحر الغلط بأمواجه الجارفة التى تجتاح العديد من الدول العربية، مشرقا ومغربا، تنبثق مرة أخرى، «القضية المقدسة» فلسطين التى تكاد تختصر النضال العربى فى هذه المرحلة شديدة التعقيد، لكثرة التشابكات فيها بين المحلى والقومى كما بين «النضال» بالشعار السياسى و«الجهاد» بالشعار الإسلامى، والذى يعيد طرح موقع الدين فى الحراك الشعبى الذى تشهده المنطقة العربية فى غمرة بحثها عن هويتها وتأمين أسباب الحماية لها من الضياع.

ولقد فوجئ العالم كله بمن فيه «العرب» بأنظمتهم المتهالكة والغارقة فى حروبها البلا قضية غالبا، و«السلطة الفلسطينية» المفلسة وفاقدة القدرة على التأثير، بهذه الانتفاضة الجديدة التى تفجرت بها جنبات فلسطين كافة، انطلاقا من غضبة الشعب الفلسطينى واندفاعه لحماية المسجد الأقصى وصد طوابير المستوطنين والمتدينين الإسرائيليين الذين لا يتعبون من محاولة السيطرة على هذا الرمز ذى القدسية الاستثنائية إسلاميا وعربيا، بذريعة البحث العبثى الذى لا ينتهى عن «الهيكل» المزعوم.

•••

للوهلة الأولى تصورت إسرائيل «ومعها السلطة الفلسطينية» أن الأمر لا يتعدى الاحتجاج المتكرر والمألوف أسبوعا بعد أسبوع، أيام الجمعة، وعند صلاة الظهر تحديدا، والتى يتزايد العنف فى قمع المصلين مترافقا مع تعاظم هجمات «المتدينين» من اليهود، وأساسا من المستوطنين الوافدين بتعصب أعمى لأسطورة «هيكل سليمان» الذى يزعمون ـ بلا أى دليل من الوقائع أو الآثار ـ أن المسجد الأقصى قد أقيم فوق أنقاضه. لكن دائرة الاحتجاج سرعان ما تخطت المسجد الأقصى وجواره، والقادمين للصلاة فيه ممن تجاوزوا سن الأربعين، كما فرضت سلطات الاحتلال، إلى القدس «الشرقية»، ثم أخذت تتوسع إلى البلدات والمخيمات والقرى البعيدة عن المدينة المقدسة، بل إنها تجاوزت مناطق «السلطة».

مخترقة «أراضى 1948» فضلا عن غزة التى وجدت فرصة لتأكيد وحدة الشعب الفلسطينى فى المواجهة متخطية أسوار الخلاف بين «حماس» و«فتح» وبين «سلطة الأمر الواقع فى غزة» و«السلطة الشرعية» فى رام الله.

صارت فلسطين جميعا، ممثلة بفتيانها والصبايا وصولا إلى اليافعين وحتى الأطفال، فى الشارع. وتحول الموضوع من الاحتجاج على منع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى إلى الجهر برفض الاحتلال، قفزا من فوق مساومات السلطة ومطالبتها العبثية إسرائيل بالتزام اتفاق أوسلو وموجباته.

كل ذلك وأهل النظام العربى مشغولون بحروبهم المفتوحة داخل أقطارهم، فلم يصدر بيان رسمى واحد يجهر بمساندة «انتفاضة السكاكين»، كما أطلق عليها البعض، ولم تخرج تظاهرة واحدة تأييدا ودعما لأولئك الفتية من فلسطين وهم يقدمون مشاهد غير مسبوقة للشجاعة والإصرار على تأكيد الهوية ورفض الاحتلال، ولو من فوق رأس «السلطة» ومن دون إذنها، ومن خارج التحركات المدروسة للفصائل والتنظيمات المسلحة.

حتى «السلطة» فضلت «التحرك السياسى» فى الخارج على مواجهة الاحتلال، ومواجهة غطرسة بنيامين نتنياهو الذى نشرت له وسائط الإعلام الإسرائيلية أخيرا لقطة طريفة تظهره وهو يستخدم منظارا مغلقا لقراءة الأحوال فى واحدة من جبهات القتال الساكنة حاليا، والتى قد يفتحها الاضطرار غدا.

•••

وكما أخطأ نتنياهو فى قراءة «الجبهة» بمنظار مقفل، فهو قد ارتكب خطيئة قاتلة، سياسيا، حين فبرك رواية لا يقبلها عقل وتدحضها كتب التاريخ والسجلات المحفوظة لمرحلة الحكم النازى فى ألمانيا، فقد زعم رئيس وزراء العدو الإسرائيلى، عشية زيارة رسمية مقررة إلى بون، أن مفتى فلسطين الأكبر وأحد زعماء نضالها الحاج أمين الحسينى هو من حرض هتلر على اليهود فى ألمانيا، وظل يلح عليه بوثائق مزورة حتى اتخذ الدكتاتور قراره الوحشى بإبادة اليهود، وأنشأ لذلك شرطة سرية خاصة تتعقبهم وتحملهم إلى أفران الغاز حيث تمت «المحرقة» التى كانت بين أخطر ما استخدم من تبريرات واختلاقات ووثائق مزورة لتبرير «الحلف الدولى» بقيادة البريطانيين الداعم «لحق اليهود فى فلسطين» ليقيموا عليها دولتهم التى تحميهم من «محارق» أخرى.

لم يجد نتنياهو ما ينافق به الألمان سوى تبرئة قيادتهم النازية وهتلر على رأسها فى أوائل الأربعينيات، وفى ظل الحرب العالمية الثانية، من المسئولية عن واحدة من أفظع الجرائم الجماعية ضد ألوف مؤلفة من شعبه وشعوب بعض الدول التى احتلها فى شرقى أوروبا لا لذنب ارتكبوه، كالخيانة ـ مثلا ـ أو الالتحاق بالعدو، بل لمجرد كونهم يهودا.

أى أن نتنياهو يحاول مخادعة الألمان ويزور لهم تاريخهم بالصفحات السود فيه خلال الحقبة النازية، وذلك بنقل المسئولية عن إبادة اليهود منهم، عبر زعيمهم المطلق آنذاك، هتلر، إلى زعيم سياسى ليس فقط بحكم موقعه كمفتى القدس، بل كذلك بسبب نسبه الشريف الذى كان بين مسوغات توليه قيادة النضال الفلسطينى فى مواجهة الصهيونية للحفاظ على عروبة فلسطين، بل وعلى حق شعبها فيها، لأنه كان شعبها على مر التاريخ، ثم إنه قبِل اليهود الفلسطينيين باعتبارهم من هذا الشعب ـ أهل الأرض، ولكنه رفض المستوطنين الذين جاءوا كطليعة للجيش الذى دربه «الحلفاء» ثم سلحوه أخطر تسليح وأرسلوه لاحتلال فلسطين وطرد أهلها منها، لكى يستولى على الأرض من لم يكونوا فيها يوما، ولم يبنوا منازلها ولم يهتموا ببساتينها وبياراتها فى أى حقبة من التاريخ.

•••

واتهام المفتى الحاج أمين الحسينى فرية عتيقة، بل بالية، لم يقف أمامها أى مؤرخ أو باحث، ولم يستخدمها أى سياسى إسرائيلى، فى مواجهة الألمان. كما أن كتب التاريخ للحقبة النازية لم تشر إلى هذه الكذبة، التى سبق لبعض الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، أن عملت على الترويج لها فى وقت مبكر، فضحك منها العالم وتجاوزها، حتى جاء نتنياهو يعيد بعثها نفاقا واستعداء لألمانيا على الفلسطينيين الذين كان فتيانهم وفتياتهم يخوضون جولة جديدة من جولات مواجهتهم العدو الصهيونى، غاصب أرضهم، فى شوارع المدن والدروب الضيقة فى القدس.

وأغلب الظن أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قد ضحكت من هذه الفرية الإسرائيلية البالية والسابقة على إقامة إسرائيل بالقوة فوق أرض فلسطين وعلى حساب شعبها وحقه فيها.

أما الإسرائيليون فقد باشروا رفع الصوت بالاعتراض على رعونة نتنياهو ودمويته فى مواجهة انتفاضة الفتية الفلسطينيين، وخرجت تظاهراتهم تملأ شوارع تل أبيب هاتفة بسقوطه.

فى أى حال فإن هذه الكذبة لا يمكنها أن تطمس الوقائع المكتوبة بالدم على الشوارع والطرقات فى مدن فلسطين المحتلة وقراها، بما فى ذلك أراضى 1948، التى سجلها الفتيان والفتيات من أبناء الجيل الثالث أو الرابع من «أهل النكبة».

فقد شملت الانتفاضة الجديدة شباب فلسطين، كل فلسطين، بلا سند من سلطتهم، وبلا دعم من تنظيماتهم المسلحة، ووسط تجاهل عربى مهين، تقابله «دهشة عالمية» و«إعجاب غير مكتوم» أبدته قوى سياسية عديدة فى بعض أنحاء أوروبا واستدرج استنكارا دوليا واسعا وتعاطفا واضحا مع الشعب الفلسطينى المقهور بالاحتلال، كما تعجز «سلطته الشرعية» عن وقف القتل والاعتقال الجماعى للشباب الذى خرج يقاوم بلحمه الحى، توكيدا لرفضه الاحتلال ومحاولاته طمس حقه فى أرضه.

وحدهم العرب الغارقون فى دماء حروبهم ضد الذات وضد التطرف الدينى بالشعار الإسلامى ظلوا غائبين عن دعم الانتفاضة، ولو ببيانات الشجب والاستنكار. كما أن الشعوب المضيعة فى هذه الحروب التى تستهدف يومها وغدها قد عجزت عن إسناد هذه الانتفاضة، معنويا، ولو بالتظاهر ورفع الصوت ضد الجرائم المشهودة والمنقولة بالصورة والصوت إلى مختلف أنحاء العالم.

•••

لكن البشرى جاءت مع وزير الخارجية الأمريكية حين التقى رئيس السلطة الفلسطينية فى عمان، بعد لقاء مع الملك الأردنى، إذ أعلن جون كيرى أن العدو الإسرائيلى قد وافق على السماح للفلسطينيين بالصلاة فى المسجد الأقصى. بشرط ألا يعتدوا على «المتدينين اليهود» أثناء تجول جحافلهم حول المسجد وجدرانه والطوابق السفلية التى تعبوا من الحفر فيها عبثا فى محاولة لتأكيد أسطورتهم التى تزعم أن هيكل سليمان كان مقاما فى تابوت الرب أو قدس الأقداس وأن الملك سليمان مدفون هناك، وهم يريدون هدم الأقصى لإعادة بناء هيكل سليمان والعثور على تابوت الرب. ومعروف أن «الحريديين» وهم الذين يقتعدون ذروة التطرف يمنعون على اليهود أن يدوسوا تلك المنطقة، وأنه لا تجوز زيارتها إلا بعد تطهير المكان.

وتطهير المكان يعنى طرد الفلسطينيين، أهل الأرض، من القدس جميعا، وتهديم المسجد الأقصى «وربما قبة الصخرة أيضا» لإعادة بناء الهيكل مكانه.

وفتية فلسطين الذين يحتلون المشهد الآن، يواجهون كما أهلهم من قبل، العالم كله، وفيه حكام العرب والسلطة الفلسطينية، قبل جحافل الاحتلال وبعدها. وليس لهم إلا الله.

على أن الانتفاضة سوف تلد انتفاضة أخرى، وبوسائل جديدة مبتكرة، حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved