شعاع الملط

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الإثنين 28 ديسمبر 2009 - 9:17 ص بتوقيت القاهرة

 رغم كل السواد المحيط بنا، وتزايد نبرة التشاؤم، والنفق الذى لا يبدو بدون نهاية، رغم كل شىء ظل هناك بقع ضوء قليلة تترك فى النفس أملا، وفى العقل إدراكا بأن الصحيح لابد أن يسود فى النهاية.

أمس الأول السبت تحدثت هاتفيا مع المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات لأكثر من نصف الساعة.. هى المرة الأولى التى أحدث الرجل، لا أعرفه شخصيا، أتابع مسيرته منذ فترة، لا أنكر إعجابى به وهو يصول ويجول فى مجلس الشعب أثناء مناقشة الحساب الختامى فى السنوات الماضية.

المفاجأة خلال الحديث أن الملط لا يملك تليفونا محمولا، والسبب أنه أقرب إلى طبيعة الناسك الزاهد، يريد أن يتفرغ للقراءة والعمل فقط، ينتهى عمله فى الجهاز، يعود إلى منزله يتناول الطعام، ثم يتجه لمكتبه للقراءة والاطلاع ومتابعة ما لم يستطع إنجازه فى الجهاز.

سألته: ألا تفتقد الموبايل الذى يمكن أن يسهل لك الكثير من الأمور؟، رد: لا بل أدخل مكتبى وكأننى فى حالة اعتكاف.
تحدثنا مطولا عن الفرق بين البشر الآن وفى الماضى وانتهت المكالمة، لكنها تركت فى نفسى أملاً أن الغد يمكن ألا يكون سيئا طالما فيه بشر مثل هذا الرجل.

هذا المستشار يعيش فى منزله الذى استأجره منذ خمسين عاما، كان يمكنه وهو الذى تبوأ منصبين خطيرين هما رئيس مجلس الدولة أو «قاضى قضاة الشرعية»، ورئيس جهاز المحاسبات أو «قاضى قضاة المال»، أن يصبح مليارديرا لو أراد.

العارفون بالرجل يقولون إنه يصعب إفساده وغير قابل للاختراق من قبل الفاسدين.

وجودت الملط فى منصبه هو نقطة تحسب للحكومة، لكن المشكلة دائما التى نعانى منها هى عدم اكتمال الدائرة، بمعنى أنه إذا كان الجهاز المركزى للمحاسبات يرصد وقائع الفساد ويقدمها للأجهزة المختصة التى لا تعالج معظم هذه السلبيات، فما الجدوى من وراء كل ذلك؟.

تأييدى للملط وأمثاله ليس شيكا على بياض، هو مشروط بسلوكه وليس بشخصه، أؤيده طالما استمر زاهدا نزيها، كاشفا للفساد.

يقول الملط إنه صار زاهدا فى المناصب بعد أن حقق أكثر مما أراد.. خسارة أن يكون أمثال هذا الرجل زاهدين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved