قضايا محالة إلى عام جديد

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 28 ديسمبر 2016 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

لا أذكر عاما خلّف للعام الذى يليه ما يخلّفه العام المنقضى لعام آت بعده من قضايا خطيرة بعضها بالغ التعقيد وبعضها مصيرى أو بالأصح تاريخى. نماذج كثيرة تلك التى تستحق التوقف عندها ولكنى أبدأ باختيار نماذج دولية وأمر بنماذج إقليمية. لن أطيل فى عرض القضايا ولن أغوص فى أعماقها أو أجهد القارئ معى فى سرد تفاصيلها ولكن فى الوقت نفسه لن أغمضها حقها فى الأهمية.

•••

 

أولا: يجب أن نعترف أن الشعب الأمريكى صدمنا بمفاجأة هزتنا بعنف حين انتخب البليونير ورجل العقارات الشهير دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. وحين أقول هزتنا فأنا أضع نفسى ضمن ملايين بل بلايين البشر الذين يتأثرون شاءوا أم أبوا وفى السلم كما فى الحرب بالسياسات والقرارات التى يتخذها رؤساء أمريكا. أشهد، كمراقب، أنه خلال الشهور الأخيرة من الحملة الانتخابية استطاع هذا الرجل أن يفرض الارتباك على معظم أجهزة القرار فى العالم. أبدع فى تنفيذ مسلسل جميع حلقاته رابطها الكذب، كذب فى طرح النوايا وكذب فى الاتهامات الموجهة إلى خصومه ومنافسيه، وكذب فى الحلول المقترحة لمشكلات أمريكا والعالم. استطاع أيضا أن يجمع فى حكومة يشكلها شخصيات أثارت أشد القلق فى الداخل كما فى الخارج قيل عنها إنها حكومة «عسكر» مطعمة بأغنى أغنياء أمريكا أحدهم إذا تكلم فكلامه محسوب على روسيا وربما على فلاديمير بوتين شخصيا. بوتين مستمر معنا فى العام الجديد ولا يمكن أن نتجاهل حقيقة أنه الزعيم الذى لا يخفى رغبته فى أخذ ثأره من أمريكا التى هزمت بلاده شر هزيمة وأخرجتها من قمرة قيادة العالم.

•••

 

ثانيا: تيار العولمة يخترق حدود العام الجديد متكسرا على صخور عديدة. تخرج العولمة من العام المنقضى أقل تدفقا وأضعف قوة من تلك التى دخل بها قبل عام. أما الصخور التى كسرت سرعته وهدت عنفوانه فأكثرها من صنع العولمة ذاتها خلال العقود الأخيرة، أبرزها فى نظرى ظاهرة دونالد ترامب فى صيغتها الأمريكية وصيغها الأوروبية المتعددة. نذكر جيدا كيف تحمسنا لرؤية العولمة تكتسح الأسوار على الحدود بين الدول، ورؤية مبدأ السيادة القطرية تجرفه العولمة فى مسيرتها لتحرير التجارة الدولية وتيسير عبور السلع والأفراد وبخاصة بين دول الاتحاد الأوروبى. رأيناها تتجاهل المشاعر القومية وتغرس مكانها مشاعر إقليمية أو هويات أوسع كالأوروباوية مثلا. رأيناها تسقط القيود التقليدية المفروضة على حرية «التهاجر»، وفرحنا بها وهى تنشر الوعى بالحقوق الطبيعية للإنسان وبخاصة حقه فى ممارسة الحرية والمساواة واحترام الدولة لكرامته كمواطن، وكما أن لكل فعل رد فعل كان للعولمة ردها، إذ بفضلها انتعشت الهويات الثانوية وبانتعاشها تولدت طاقة هائلة للانفراط وطاقة متجددة للحقوق والحريات وطاقة إضافية للمطالبة بالمساواة والعدالة الاجتماعية، هذه الطاقات وغيرها اجتمعت فى وقت واحد فانتفضت القوى المناهضة للعولمة والمتضررة منها. انتفضت فى بلاد الإنجليز ضد عضوية المملكة المتحدة فى الاتحاد الأوروبى، وتنتفض فى اليونان وإسبانيا وفرنسا وهولندا والدانمارك وإيطاليا وتتجمع للانتفاض فى ألمانيا والنمسا أو لتتمرد كما فى بولندا والمجر. تبقى السيدة ميركل وحدها القلعة الصامدة وخط الدفاع الأخير عن العولمة فى الغرب بأسره بل وفى العالم.

•••

 

ثالثا: شهد العام الحالى حالة تكاد تكون قصوى من حالات الانسحاب الأمريكى عن الفعل الدولى. العام نفسه شهد حالة تكاد هى الأخرى تكون قصوى بين حالات الاندفاع الروسى خارج الحدود. أتصور فى الوقت نفسه أن الأسابيع الأولى من العام الجديد الذى يبدأ بعد أيام قليلة سوف تشهد بدورها استمرار التدفق المنطقى للأحداث. بمعنى آخر سوف تشهد ونشهد خطوات من جانب روسيا لتثبيت إنجازاتها فى الشرق الأوسط وبخاصة فى سوريا وتركيا وإسرائيل ونقل جانب من طاقة الاندفاع إلى الجبهة الغربية للاستفادة من تداعيات أهم أزمة تواجه مسيرة الوحدة الأوروبية والحلف الغربى منذ عقود. على الناحية الأخرى سيكون ترامب فى أمس الحاجة إلى إجراءات وسياسات يدعم بها مواقعه الداخلية. الداخل الأمريكى منقسم وسوف يبقى منقسما وفى حال استقطاب شديد لفترة غير قصيرة، ولن يجازف بالدخول فى مغامرات خارجية أوسع من سياسات تنشيط الصناعة العسكرية بأمل توظيف عمالة بيضاء ماهرة وكسب ود المؤسسة العسكرية وإعادة شحن جميع قوى التشدد والتطرف. لا ننسى أن لديه ضمانا رمزيا من فلاديمير بوتين بعدم إثارة مشكلات أمنية لأمريكا فى الخارج.
لا أستبعد أن نرى جهودا حثيثة خلال الشهور القليلة القادمة من جانب الطرفين الأمريكى والروسى للعمل على إرساء قواعد وأسس نظام دولى جديد ثنائى القطبية. نعرف أنه لدى الدولتين «الأعظم» رصيدا لا بأس به من التعاون المشترك على امتداد عامين أو أكثر بحثا عن تفاهم حول الأزمة السورية. أقول نظاما دوليا جديدا لأنه إن قام فعلا فسيكون جديدا تماما سواء فى التوازنات التى ينهض على أساسها أو فى مساحات النفوذ الراهنة للطرفين، وكذلك فى مصادر القوة الإبداعية وبخاصة فى مجال السباقات الإلكترونية. من غير الضرورى على كل حال نشوب حرب باردة كشرط لقيام نظام قطبين وكلاهما جرب وضع الوفاق «غير المتأزم» كقاعدة لتعاون ثنائى كانت خلال هذا العام المنقضى أقرب ما تكون إلى حالة تجريبية لنظام ثنائى القطبية.

•••

 

رابعا: لا أرى بصيص أمل فى أن تتحسن أوضاع الشرق الأوسط برمته فى حال انتقلت أزماته ورموزه بأوضاعها الراهنة فى عام ينقضى إلى عام آتٍ. أكرر ما قلته وأقوله فى مواقع أخرى، أخطأتم يا من بيدكم قرارت السلم والحرب والاستقرار والأمن عندما رفضتم التعامل بالعقل وبعد النظر مع «حالة» الربيع العربى. كان الربيع العربى دعوة موجهة من قلب التاريخ إلى شعوب وقادة الشرق الأوسط «أن هبوا للحاق بركب الحضارة والتقدم، هبوا انفضوا عنكم تراث التخلف وارفضوا القعود فى انتظار خلاص لن يأتى وأنتم على هذه الحال». إن ما تعانيه حكومات وشعوب الشرق الأوسط منذ خمسة أعوام مجسدا فى انكسارات وأزمات عسكرية وصعوبات اقتصادية وتمردات سياسية واجتماعية، يعود السبب فيها كلها إلى الحملة الوحشية الناشبة فى كافة، وأؤكد على كلمة كافة، دول الشرق الأوسط لاجتثاث الثورة من جذورها. ارتكبت الحملة المضادة للثورة أخطاء تاريخية وممارسات لا إنسانية وعمليات ثأر وثأر مضاد ومازالت أمم المنطقة تتعرض لتداعيات فقدان أحلام وآمال بزغت وانتعشت فى الربيع. وأصبح واضحا كل الوضوح أن الحملات المناهضة للربيع العربى والطاردة لغيره من تجارب الإصلاح والتغيير لم تفلح فى استعادة البسمة والتفاؤل إلى وجوه الناس فى أى بلد من بلاد الربيع ولا يوجد مؤشر واحد يشير إلى أنها قد تفلح فى العام المقبل أو عام يليه. أظن أنها لن تفلح. إن ما حدث فى المنطقة من مذابح ودمار واعتقالات وإرهاب وإرهاب مضاد دليل على أن الربيع كان يجب أن يحصل على فرصة كافية. حانت فرصة ولم تغتنمها النخب الحاكمة والسياسية بل على العكس سمحوا لقوى التخلف والاستبداد الانقضاض عليها لوأدها حية. اليوم ينتقل أهل الشرق الأوسط وبينهم أمة العرب من عام بليد إلى عام جديد وهم يحملون بين ضلوعهم أملا متجددا فى الارتقاء والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.
لا أرى اختلافا فى حال العرب خلال الانتقال من عام إلى عام عن حال الأتراك وحال الفرس. مجمل هذه الأحوال لا يبشر بخير. لا أرى وراء الزحف الإيرانى فى أراضى العرب أملا فى سلام إقليمى، ولا أرى وراء استمرار الهيمنة الإسرائيلية ودعم ترامب وأغنياء أمريكا لها ولمستوطناتها وقلاعها العسكرية أملا فى سلام حقيقى. لا أرى وراء «الدروشة» الأردوغانية بين التمسك بعضوية الناتو وطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى ونوايا التوسع والقيادة فى العالم العربى والارتباط القوى بروسيا الصاعدة وسباق التسلح مع إيران، لا أرى وراء كل هذه الأمور أملا فى سلام هادئ بدون اغتيالات واعتقالات. لا أرى وراء إعفاء الجامعة العربية من مسئولياتها فى الأمن العربى وربما من مسئوليات أخرى سوف نسمع عنها قريبا أملا فى وفاق عربى قريب. لا أرى وراء استخدام السلاح والحرب والتجويع والاعتقال أملا فى حل مشكلات شعوبنا.

•••

 

ليس كل المحمول من عام ينتهى إلى عام قادم سيئا. لا يمكن أن يكون. ربما كانت حمولة هذا العام بالفعل ثقيلة وقاسية بل ومتحاملة على جميع الشعوب إلا أنها قد تكون الفرصة الدافعة لتتحرك هذه الشعوب وتنهض وتشارك فى صنع مستقبلها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved