باكستان.. دور يتأهل ويتأهب

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الخميس 28 ديسمبر 2017 - 12:10 ص بتوقيت القاهرة

فى عالم يتغير بسرعة وقسوة يستحيل رفض الدعوة إلى مناقشة احتمال أن تتأهل باكستان لدور رئيس فى ملهاة الدول الفاشلة. يزداد الرفض صعوبة مع كل ميل مربع يكسبه مشوار التسوية السورية. أربط باكستان بسوريا فى هذه الآونة الحرجة لأكثر من سبب. أربطهما ببعضهما البعض لأنه على الرغم من تعدد المواقع التى استعدت لاستقبال واستضافة الميلشيات المتطرفة ومنها كتائب داعش التى خرجت بأمان من سوريا، إلا أنه لا جدال فى أن باكستان تبقى الملجأ المثالى لها ولغيرها من مثيلاتها، حتى أفغانستان لا تنازعها هذا الامتياز. أربطهما، أى تسويات سوريا بفتنة باكستان، لسبب ثان بين أسباب متعددة، وهو أنه كما أن شكل التسوية السورية سوف يؤثر مباشرة فى مصير تسويات أخرى فى المنطقة، وأهمها تسوية الصراع الفلسطينى الإسرائيلى بالتصفية أو بغيرها وتعقيدات النزاع السعودى الإيرانى والتطورات السياسية الهامة المحتملة فى الجزيرة العربية وبعضها فى حكم المؤكد أو بدأ فعلا، فإن شكل ومصير الفتنة الدائمة فى باكستان، والمشتعلة من جديد، سوف يؤثر مباشرة فى مصير تحالفات كبرى وفى مستقبل التزاحم الشديد والمكثف على الاشتراك فى سباقات وترتيبات الوصول من أعماق شرق ووسط وشمال آسيا وغرب أوراسيا إلى شواطئ المحيط الهندى.
***
إذا كانت هناك بؤرة لصراع إقليمى وجديد فى آسيا فهى باكستان. باكستان مؤهلة بحكم ظروف نشأتها وتركيبة الحكم فيها وتاريخها السياسى وهيكلها الاجتماعى والتجدد الذاتى لطبيعة الفتن ومظاهر الاحتجاج وثقافة التطرف السائدة فى مدارسها وكتاتيبها لتكون مسرحا مكملا أو بديلا للمسرح الأفغانى، وربما بمشاهد أشد وأعنف. باكستان ثمرة أخرى من ثمار سياسة بريطانية خرقاء مثل وعد بلفور، وتمزيق النصيب العربى فى التركة العثمانية، وتقسيم الهند درة التاج قبل الرحيل منها. الحصيلة شرق أوسط لم يعرف السلام ولا النمو الصحيح وشريحة عريضة من إقليم جنوب آسيا لم تعرف الهدوء ولا الأمن ولا الاستقرار.
باكستان هى الآن الدولة الآسيوية الأكثر خبرة بالإرهاب. كانت فى وقت من الأوقات أهم ساحة لتدريب المجاهدين، قبل تكليفهم من جانب أطراف عربية وأجنبية بالانتقال إلى أفغانستان لمحاربة جيوش روسيا التى احتلت فى ذلك الوقت مساحات شاسعة من أفغانستان بذريعة حماية نظام حكم موالٍ لها. أعرف كما يعرف أغلبنا دولا أخرى، ومنها دول عربية، استخدمت أراضيها ساحات تدريب للمجاهدين، الذين تصنفهم المواثيق الدولية الراهنة كإرهابيين. بعض هذه الدول، وربما أكثرها، توقف عن أداء هذه المهمة بينما استمر عدد قليل يقدم هذه الخدمة لمصلحة قومية ارتآها حكامها أو تنفيذا لتعاقدات مع حكومات أجنبية. ينطبق على باكستان جميع هذه المواصفات ولو فى مراحل مختلفة. لم يتوقف العسكريون، وهم حكام دائمون فى باكستان، عن دعم جيوش طالبان، هؤلاء الذين تخرج مجاهدوهم من مدارس وكتاتيب لم تلقنهم إلا كل ما هو متطرف وعنصرى ومثير للكره. حكام باكستان لهم وجهة نظر. هم يدعمون تنظيمات مسلحة فى أفغانستان لأنهم لا يريدون أن ينفذ الهنود إلى مواقع النفوذ والتأثير فى كابول أو فى الأقاليم الأفغانية. الأمريكيون، وهم فى النهاية القوة الآمرة الناهية فى البلدين، باكستان وأفغانستان، عاجزون عن كبح جماح العسكريين الباكستانيين. استخدموا معهم سلاح قطع المعونات، وحينا آخر هددوا بتغيير جذرى فى علاقاتهم بالهند. لم يفلحوا فى أى سياسة اتخذوها. الصورة هزيلة بمعايير عديدة. هزيمة عسكرية للأمريكيين فى أفغانستان حتى تقوقعوا فى قواعد مغلقة وفوضى سياسية وفساد رهيب وهجمات إرهابية لا تتوقف فى باكستان وشلل فى كابول وعدد غير قليل من المدن وطالبان يتحكمون فى ولايات عديدة.
***
لا أتصور أن هذا الوضع يمكن أن يتغير فى القريب العاجل. صحيح أن الأمريكيين قرروا تقليل خسائرهم المادية والبشرية فتقوقعوا كما ذكرت فى معسكرات وقواعد محصنة والاكتفاء غالبا بشن غارات جوية على تجمعات طالبانية. ولكن الصحيح أيضا هو أن الصينيين والروس والهنود والإيرانيين يتحركون حركة دائبة لرسم خريطة مصالح جديدة فى الإقليم. الصين كانت أول من تحرك. ففى سعيها لتأمين طرق تجارتها العالمية وتحديث مقاطعات الداخل الصينى التى فاتها قطار الرخاء والتصنيع ووعيا منها بأن أمامها فرصة لا تعوض لتثبيت قدم لها على شاطئ المحيط الهندى قبل أن تتفرغ روسيا لنفس الهدف. انتبهت القيادة الصينية فى وقت مبكر حتى وصل مجمل ما أنفقته على طرق النقل الموصلة من مقاطعة سينكيانج إلى ميناء جوادر على المحيط الهندى إلى 56 مليار دولار، ويتضح من الترتيبات المصاحبة لهذه العملية حرص الحكومة الصينية على حماية الطرق بوسائل كثيرة ممكنة. بمعنى آخر يمكن أن نتوقع سلوكا سياسيا من جانب الصين فى باكستان نعهد مثيله منذ بدأ تنفيذ مشاريع الحلم التى أطلقها الرئيس شى فى إفريقيا. تكشف متابعات غربية غير جيدة التوثيق أن الصين يمكن أن تمارس ضغوطا على الدول التى تمر فيها الطرق الصينية فى حال أهملت حكوماتها حماية عمال الصين واستثماراتها فيها. لا أشك فى أنه لو استمرت الفتنة الداخلية مشتعلة فى باكستان فإن الصين لن تتورع عن التدخل. يبقى لغزا مثيرا طبيعة ونوع هذا التدخل، وتبقى ألغازا لا تقل إثارة ردود فعل الهند تحديدا التى تنشغل بدرجة قصوى بالأوضاع فى جارتيها منذ انفصال توأمها الباكستانى عن الوطن الأم ووصول الشيوعيين إلى الحكم فى بكين. ألغاز أخرى تستحق التفكير فى حلها لغز يتعلق أحدها بالسلوك المتوقع من جانب روسيا الإمبراطورية العائدة من الصقيع والإهمال والتخريب إلى موفور الصحة والطموح، ويتعلق لغز آخر بسلوك إيران والقوى الداخلية فى باكستان المتعاطفة معها. اللغز الأصعب يتعلق بردود فعل دول الخليج أخذا فى الاعتبار نزاع بعضها مع إيران ونزاعاتها فيما بينها واعتيادها التركيز على مصالحها وخطوط دفاعاتها فى بلاد الشام وصولا إلى تركيا فى الشمال ومصر فى الغرب.
***
لا يغيب عن البال أن باكستان دولة الفتن الداخلية والحكم العسكرى كيان سياسى مهدد منذ نشأته بالفشل وفشل فعلا فى حماية وحدته والمحافظة على الجزء البنغالى فى الدولة الباكستانية دولة فى الوقت نفسه تمتلك السلاح النووى. سمعت من عسكريين غربيين أنهم والهنود أيضا مرتاحون إلى وجود العسكريين الباكستانيين فى الحكم يحمون هذا السلاح ويمنعون السياسيين المدنيين من المساس به أو معرفة أسراره ومكانه. هم ضمانة الحد الأدنى فى دولة تهدد وجودها حروب الطوائف وميليشيات الإرهاب ومنظمات الجريمة والفساد. أخشى أن يكون الحد الأدنى ذاته صار مهددا.

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved