المستقبل العربى بين الانتفاضة الشعبية و«عاصفة الحزم»

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 29 أبريل 2015 - 9:45 ص بتوقيت القاهرة

كشفت «عاصفة الحزم» انتقال مركز القرار العربى، ولو مؤقتا، إلى «الأغنى» من بين الدول العربية، الذى يتبدى فى هذه اللحظة وكأنه «الأقوى» بذهبه كما بالفراغ أو الضعف فى المراكز التقليدية للقرار العربى وهى القاهرة تليها دمشق ثم بغداد.

ولأول مرة، تجرأت المملكة العربية السعودية على إظهار نفسها، ومعها بهذا القدر أو ذاك إمارات منطقة الخليج العربى، كقوة عسكرية قادرة ومؤهلة على اتخاذ قرار بالحرب، ولو جوية ومن أعالى الفضاء ومن دون التورط فى مواجهة برية، على بلد «شقيق» و«جار أبدى» ولا مجال لمقارنة إمكاناته المحدودة بقدرات «الإخوة المذهّبين».

ولأول مرة، أيضا، تشن دولة عربية كبيرة، ومعها ـ بهذه النسبة أو تلك ـ دول الخليج الأخرى، حربا مدمرة على اليمن، مطمئنة إلى تأييد الدول العربية الأخرى، أو صمتها، متخلية عن حقها فى المشاركة بالقرار، رفضا أو قبولا، مفضلة اللجوء إلى موقف ملتبس قابل للتفسير على أنه «موافقة بالاضطرار» أو امتناع بالصمت أو الالتفات إلى الناحية الأخرى، بحيث يمكن التبرير فى ضوء النتائج.

وحده موقف مصر كان موضع مناقشة لا تخلو من الحدة بين معترض على إظهار التأييد للحرب (ولو بخجل) مفترضا أنه يسىء إلى دور مصر ووزنها، وبين موافق بالاضطرار وبذريعة أن «مصر اليوم هى غير مصر التى كانت صاحبة الدور القائد والرائد عربيا ومن ثم فى العالم الثالث أو معسكر عدم الانحياز الذى انتفت الحاجة إليه بعد سقوط الاتحاد السوفيتى».

***

ربما هو التاريخ، أو ربما هى الثروات الخرافية التى جاء أوان توظيفها فى السياسة فى مواجهة الإخوة الفقراء بالحرب، أو ربما هى شبكة العلاقات والصراعات الدولية وتأثيراتها على مسار الأحداث، وتحديدا غداة الإعلان عن قرب التوقيع على «تفاهم التخصيب النووى» بين إيران والغرب كله بالقيادة الأمريكية.. والتى ربما وجدت فيها المملكة العربية السعودية الفرصة المطلوبة لتسديد الحساب مع الجار المعدم والمشاغب فى جنوبها الشرقى، ووضع حد للطموح الإيرانى بتوسيع مدى نفوذه عربيا.

فى أى حال، فالمؤكد أن الوطن العربى قد تبعثر دولا ضعيفة ودولا فاشلة ودولا غنية، وهى لوحة تجسدها اللقاءات النقالة فى إطار جامعة الدول العربية، والتى صار لأقطار الخليج الموحدة فى وجه «أشقائها الفقراء» والمبعثرين الصوت المرجح فيها وبالتالى القدرة على فرض القرار المناسب لمصالحها (التى ليست بالضرورة مصالح الأشقاء الفقراء المتطلعين إلى مساعداتها ولو على شكل قروض ميسرة وطويلة الأجل..).

... وإذا كانت «دولة قطر» قد تمكنت ذات يوم من فرض إرادتها «فطردت» سوريا من جامعة الدول العربية، فى غفلة أو تغافل من سائر الأشقاء الفقراء، فمن باب أولى أن تتمكن السعودية ـ وهى الأكبر والأغنى والمتقدمة الآن إلى دور قيادى ـ من استتباع سائر الدول العربية ذات التأثير.. خصوصا وقد نجحت فى «تأديب» قطر وإرجاعها إلى حجمها الطبيعى، فى الخلف مع مساحة لحق الامتناع عن الإجابة بلا أو بنعم.

***

بالمقابل فإن الانتفاضات التى ملأت الميادين فى العديد من الأقطار العربية، وأساسا فى مصر، قد أخفقت فى إنتاج التغيير الثورى، خصوصا أنها كانت أقرب إلى هبّات الغضب تنقصها القيادة المؤهلة والبرنامج الجامع للقوى الشعبية مع خط سير واضح وعملى للتحرك نحو بناء النظام البديل محقق الطموحات والآمال.
والنقاش مفتوح على مداه فى مختلف العواصم العربية، ولعله أوضح ما يكون فى القاهرة حيث أُنجِز التغيير على مراحل، فعرفت مصر أربعة «رؤساء» خلال ثلاث سنوات، هى الفترة بين حكم حسنى مبارك الذى «ورثه» المجلس العسكرى فى المرحلة الانتقالية، ثم حكم الاخوان الذى لم يعمّر أكثر من سنة، فحكم الرئيس الانتقالى عدلى منصور الذى أدّى مهمته وسلم زمام القيادة إلى الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى تولى بوصفه ثمرة الانتفاضة التى أسقطت الإخوان فى الشارع.

***

فى القاهرة تستشعر غصة من تحاوره.. فهموم مصر ثقيلة إلى حد أنّها قد تمنعها من العودة إلى دورها القيادى الطبيعى (والطليعى)، أقله فى المدى المنظور.. بل إنها تعرّضها لما لا يليق بوزنها وقدراتها وحقها فى الريادة:

ذلك أن مصر محاصرة بتهالك مؤسساتها العتيقة وبحاجتها إلى إعادة بناء الدولة جميعا، بينما إمكاناتها قاصرة عن إنجاز «التغيير» بالسرعة المطلوبة بل الضرورية.. وهذا يُضعف موقفها أمام الدول العربية الغنية القادرة على مدّها بالمساعدات المؤثرة التى تحتاجها فى إعادة البناء. وقد اختفت من لغة السياسة كلمة «المساعدات» و«الهبات»، بقدر ما طمست معانى «الأخوة» و«النجدة» وبات لكل قرار ثمنه فى الموقف.

ثم إن مصر محاصرة بالفتن والعمليات الإرهابية فى جوارها القريب الذى لم يعد آمنا بل وليس مساعدا: ففى السودان حكم إسلامى برتبة جنرال لدولة متهالكة تمزق جنباتها معارك محتدمة تكاد تتكامل فى حرب أهلية. بينما تمزق ليبيا، مقطوعة الرأس، حرب أهلية مفتوحة تتصادم فيها تشكيلات من الإسلاميين، بعضها إخوانى (وبالتالى فهى معادية للحكم فى مصر وحاضنة لخصومه ومصدر دعم لطالبى الثأر من الإخوان، تمدهم بالسلاح والذخيرة)، فى حين أن بعضها الآخر يندفع فى تطرفه ليغدو داعشيا، ويقدم على «إعدام» العمال المصريين الذين جاءوا ليبيا يبيعون عرق جباههم.. بل ويتقصد أن يختارهم من الأقباط ويعمّم فيلما عن إعدامهم على شاطئ المتوسط فى ضواحى مدينة درنة، ليرهب نحو مليون عامل مصرى يكدحون طلبا للرزق فى ليبيا البلا دولة، والتى ترتع فيها تشكيلات «إسلامية» يتوزع ولاؤها بين بعض الخليج بعنوان قطر (حاضنة الإخوان) وتنظيم «القاعدة» فى حين أنها تهدد الأمن والاستقرار فى المحيط جميعا: تونس والجزائر، وتشاد فى العمق، حيث يمكنها التواصل مع «بوكو حرام» فى نيجيريا.

ثم إن مصر محاصرة ومغلولة اليدين بمعاهدة كامب ديفيد مع العدو الإسرائيلى.. والمعاهدة قيد من حديد ونفط وغاز، قبل العسكريين وبعده، يمنعها من التحرك بالقوة المطلوبة لتطهير سيناء من العصابات الإرهابية التى تستند إلى بيئة حاضنة من بعض البدو الذين احترفوا التهريب بأشكاله كافة: الرجال والسلاح والمخدرات والسيارات التى يسهل تفخيخها وتوجيهها إلى أهداف محددة عبر أنفاق لا تحصى، فى البعيد والقريب.. هل أفضل من هذه البيئة الحاضنة للإرهابيين سواء انحدروا من ليبيا عبر السودان، أم من السودان ذاته، أم انسلخوا عن فلسطين ونضالها ضد العدو الإسرائيلى ليعملوا فى خدمته عبر الإسهام فى إزعاج مصر وإظهارها ضعيفة مع عجزها عن تحريك جيشها بحرية وتوكيد تبعية سيناء للدولة المصرية من دون قيود أو شروط تحدّ من حرية حركتها فى أرضها؟!

***

لقد أصر العرب على قراءة الانتفاضة الشعبية العظيمة فى مصر، 25 يناير 2011، على أنها تعبّر عن إعلان بهدير الملايين عن انطلاقة جديدة للثورة العربية التى ستنهى عصر الموات السياسى وفراغ الشارع واستبداد السلطة والتيه بعيدا عن أهداف النضال الوطنى والقومى.

فهم العرب الانتفاضة على أنها عودة الروح إلى الأمة بعنوان مصر، وأنها إعلان بانتهاء حقبة سوداء فى التاريخ السياسى العربى، وبشارة بحضور «الشارع» أى الشعب فى «الميدان» ليملى إرادته بالتغيير وإقامة حكم ديمقراطى مؤهل وقادر على إنجاز المهمات الثقيلة للمرحلة الانتقالية، وإعادة بناء الدولة القادرة.

لكن الواقع غلب التمنى، فالانتفاضة، الأولى زمنيا، فى تونس، نجحت فى إسقاط الحكم العسكرى موفرة الفرصة لعودة «المدنيين» إلى السلطة ولو عبر أحزاب سياسية عتيقة.. ربما لأن «الجنرال» الذى استولى على الحكم بخلعها منه قدم نموذجا أسوأ مما سبق لها تقديمه! فهو كان أعظم فسادا وأكثر فردية بما لا يُقاس من «الرئيس المؤسس» الحبيب بورقيبة ذى التاريخ النضالى الطويل قبل توليه السلطة التى استنزفته ومع ذلك رفض مغادرتها حتى بعدما أعجزه الزمن وبقى متمسكا بالحكم برغم عجزه الجسدى واستيلاء مَن حوله على القرار باسمه، ومنهم الجنرال زين العابدين بن على الذى أزاحه تماما من طريق تفرّده..

أما بعد تفجّر الأوضاع فى سوريا واندلاع الحرب فيها وعليها فقد تبخّرت أحلام التغيير بالثورة... وأخذ الناس يراجعون تقديراتهم ومواقع الخطأ فيها، خصوصا أن «العدوى» وحدها لا تصطنع ثورات، والانتفاضة الشعبية بلا رأس وقوى سياسية مؤهلة لأن تنتج برنامجا للتغيير يلبى احتياجات الجماهير التى نزلت إلى «الميدان» بدل المرة مرات.

ثم لما انهارت جماهيرية معمر القذافى ليبيا وتمّ قتله بتلك الطريقة الوحشية التى لم تستطع إخفاء اليد الأجنبية فيها، انتبه الجمهور إلى أنه ليس كل «انتفاضة» مدخلا إلى الثورة.. وأن الغضب والشعور بالخيبة أو الضيق قد ينتهيان بفوضى دموية يحترق فى لظاها الشعب بينما تتهاوى دولة الرجل الواحد كتمثال من رمل.

***

هل تتمدد «عاصفة الحزم» فتلتهم مشاريع الانتفاضات الشعبية العربية مشرقا ومغربا، أم سترتد على قرار توسيع دائرة استخدام القوة بتجاوز الداخل إلى الجوار القريب، مع توقع أن يرتدع «الأشقاء والفقراء» فيسلموا قيادهم إلى «أهل الخير» فى حملة «إعادة الأمل» ليصنعوا لهم مستقبلهم بالقروض والهبات فضلا عن الشرهات الملكية؟
أم أن التاريخ سيتابع مساره.. إلى الأمام.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved