عبدالناصر الأفريقى

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: السبت 29 مايو 2010 - 9:49 ص بتوقيت القاهرة

 عندما جاء الزعيم الأفريقى الكبير نيلسون مانديلا لزيارة القاهرة عقب انتصار الثورة واندحار النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا، أذكر أنه زار الجمعية الأفريقية ومقرها فى الزمالك، ويومها أصر على مقابلة محمد فائق أحد الضباط الأحرار ووزير الإعلام الأسبق فى عهد عبدالناصر لكى يقول له «شكرا لكم على الدعم الذى قدتموه لنا».

محمد فائق عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان حاليا كان مكلفا وقتها بمتابعة حركات التحرر الأفريقية والتنسيق معها، وليس غريبا أن يكون كثير من وزراء ومسئولى القارة تلاميذ أو أصدقاء لفائق، وبقية الفريق الذى كان مسئولا عن الملف الأفريقى.

والأهم أنهم يشعرون بأنهم مدينون لمصر، كما قال صادقا رايلا أودينجا رئيس وزراء كينيا فى القاهرة الأسبوق الماضى حينما تحدث عن فضل مصر وعبدالناصر عليه وعلى والده وأسرته وبلده.
تختلف أو تتفق مع ثورة يوليو 1952، وزعيمها الراحل جمال عبدالناصر، فهذا حقك، لكن الموضوعية تقتضى منا الآن أن نشيد بعمق نظرة مصر الناصرية تجاه ملف القارة الأفريقية عموما وملف حوض النيل خصوصا.
ليس هذا وقتا للتفاخر أو التنابز، لكن العقلاء فى السياسة هم القادرون على الاستفادة من التجارب السابقة خصوصا إذا ثبت أنها ما تزال صالحة حتى وقتنا هذا.منذ بداية الثورة، والدائرة الأفريقية كانت واحدة من دوائر رئيسية ثلاث تتحرك فيها الدولة المصرية مع الدائرة الإسلامية وعدم الانحياز، إضافة بالطبع إلى التوجه العربى المحورى.

الدائرة الأفريقية لم تكن مجرد شعار وكفى، مثل شعارات كثيرة ترفع الآن.. لكنها كانت توجها أصيلا، وبذلا، وتضحيات، وتحركات.. والنتيجة النهائية أن معظم رصيدنا فى القاهرة الأفريقية ــ إذا كان قد بقى لنا رصيد ــ مستمد من هذه الفترة.
قدمت مصر مساعدات كثيرة لبلدان أفريقية كثيرة كى تنال استقلالها، قدمت أموالا وأسلحة وذخائر، ومقارات للاستضافة، غالبية قادة وزعماء التحرر فى القاهرة الأفريقية عاشوا فى القاهرة أو مروا منها أو تدربوا فيها.

فى المقابل فإن المأزق الذى نواجهه الآن بشأن الأزمة مع بلدان حوض النيل هو أيضا نتيجة طبيعية للسياسة التى تكرست بعد زيارة السادات للقدس واتفاقيات كامب ديفيد والانقلاب الكامل على كثير من الثوابت ومنها العلاقة مع أفريقيا.

يروى أن دبلوماسيا مصريا وجه لوما لمسئول من زائير ــ التى صارت تسمى بالكونغو الآن ــ عن سبب علاقتهم الحميمة بإسرائيل؟ فرد الرجل مستغربا، كيف تلومونا وأنتم تقيمون معها علاقات رغم حالة الحرب واحتلالها للأراضى العربية.

صار لدينا توجه دبلوماسى يفضل الانطلاق نحو العواصم الغربية خصوصا إذا كانت أوروبية، ويكره السيرة الأفريقية، صار لدينا تجار يفضلون استيراد اللحوم من أوروجواى والهند بدلا من أثيوبيا والسودان.
باختصار صرنا أكثر استعلاء مع الأفارقة رغم أننا لا نملك حتى مقومات الاستعلاء.

فى الماضى كانت معظم البلدان الأفريقية تأتى للقاهرة ترجوها أن تتوسط فى مشاكلها الداخلية وتقنع فصائل المعارضة فيها بالتهدئة، كنا نملك أوراقا مهمة مع الحكومات والمعارضة فى معظم القارة.. الآن نطلب وساطات الصين وفرنسا وأمريكا وأخيرا إيطاليا كى تقنع بلدان حوض النيل بعدم التأثير على حصة مصر من مياه النيل.

السؤال الآن: ألم يحن الوقت بعد كى نتوقف عن النهج الذى ثبت فشله، ونبدأ من جديد، ونقول للذين قادونا إلى هذا الفشل: شكرا لكم.. عليكم أن تستريحوا فى منازلكم!




هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved