حرب .. الكل فيها خاسر

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الأربعاء 29 يونيو 2011 - 8:38 ص بتوقيت القاهرة

 حتى مساء الجمعة الحادى عشر من فبراير الماضى كان الإخوانى والشيوعى، والسلفى والعلمانى، والليبرالى والمحافظ، والناصرى والوفدى والمسلم والمسيحى يأكلون ويشربون وينامون معا على قلب رجل واحد فى ميدان التحرير، وسائر ميادين مصر حتى سقوط حسنى مبارك.

رأينا فى الميدان المسيحى يصب الماء للمسلم كى يتوضأ ويحرسه أثناء الصلاة، رأينا سلفيا بلحية طويلة يكتشف أن العلمانى أو حتى البوهيمى ذا اللحية الطويلة أيضا والشعر المنكوش هو إنسان عادى يحب مصر ويريدها أفضل، رأينا المتدين يكتشف أن الفتاة التى لا ترتدى حجابا أو نقابا مثقفة وقلبها يفيض بحب مصر، وأنها ليست مجرد جسد كما زرعوا فى دماغه.

فى المقابل رأينا معظم اليساريين والليبراليين يعيدون اكتشاف المنتمين لتيار الإسلام السياسى وأن نظرة غالبيتهم للحياة أكثر تقدما مما كانوا يعتقدون.

الآن للآسف اختلف كل ذلك، وعدنا إلى حياة الجاهلية، حياة ما قبل 25 يناير التى زرعها ورواها نظام مبارك.. وخلاصتها تقسيم المجتمع إلى جزر وكانتونات، وإشعال الحروب بين الجميع. ويعلم الجميع أنها حرب كل أطرافها خاسرون.. المنتصر فيها هم أعداء مصر ونظام مبارك.

لو تأمل أحدكم الحروب الأهلية الطاحنة على الإنترنت الآن، لن يصدق أن هؤلاء المتقاتلين هم الذين أسقطوا مبارك، وحلموا معا بمستقبل مشرق لهذا الوطن.

أكثر ما يحزن المرء هو الأحكام القاطعة التى يطلقها كل فريق على الآخر، الليبرالى يرى فى الإسلامى خطرا ينبغى استئصاله فورا، والإسلامى ينظر للعلمانى باعتباره كافرا يفضل أن يدخل نار الدنيا إلى أن تأتى نار الآخرة، السلفى يريد من كل منافسيه الهجرة إلى أمريكا وكندا، وصبحى صالح يريد من الإخوانى أن يتزوج فقط من إخوانية، وبعض اليساريين والليبراليين يعتقدون أن نظام مبارك كان أقرب إليهم بمسافة من علاقتهم مع الإسلاميين.

المأساة أن هذا التفكير يسيطر على قطاع واسع من أنصار كل فريق سياسى فى مصر الآن، وهو مأساة لأن كل المتنافسين مصريون، وعلى حد علمى فإنهم لم يقرروا الهجرة خارج مصر، وبالتالى سوف نظل جميعا على هذه الأرض معا.

والخلاصة أنه من دون البحث عن قواعد تنظم وجودنا معا، فإن المستقبل يحمل نذرا خطيرة.

عل كل حزب وجماعة أن يؤمن بأنه لا يحتكر الحقيقة، وأن كل شىء فى السياسة نسبى وليس مطلقا، والحكم على الأفكار والبرامج يكون فى صناديق الانتخاب، التى يمكن تبديلها فى أى انتخابات تالية.

حتى هذه اللحظة لا أصدق أن الشباب الذى خاطر بحياته فى الثورة هو الذى يقود هذه الفتن المتحركة على أرض السياسة المصرية الرخوة. لدى شكوك عميقة بأن قوى ظلامية و«فلولية» مدعومة بأفكار متخلفة لبعض القيادات فى الأحزاب والقوى التقليدية هى التى تشعل المعارك «الدون كيشوتية» لمنع التغيير الكبير القادم أو تأخيره بكل السبل.

الذين يصبون الزيت على نار المعارك بين كل القوى السياسية، هم الذى لا يريدون للتغيير أن يتحقق.

ليس عيبا أن نختلف فى السياسة حول أى شىء لكن العيب كله أن نتناحر ونكفر بعضنا بعضا، وأن يسعى كل فريق إلى إقصاء واستئصال الآخر.

يحلم المرء أن يتمكن الشباب الشرفاء من تكوين تيار عام واسع ومؤثر يجرف فى طريقه كل المياه والأشخاص والأفكار الآسنة التى ماتزال للأسف قادرة على التأثير فى نفوس البسطاء و«العشعشة» فى رؤوسهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved