التأمين الصحى فى مفترق الطرق

علاء غنام
علاء غنام

آخر تحديث: الأربعاء 29 يوليو 2015 - 7:50 ص بتوقيت القاهرة

أسست عديد من دول العالم أو توسعت فى نظم التأمين الصحى الشامل اﻹلزامى، برغم اختلاف اﻷساليب التى اتبعتها فى ذلك أو النتائج التى ترتبت عليها.

وصنفت هذه اﻵليات التأمينية غالبًا تحت مسمى التأمين الصحى اﻻجتماعى «النظام البسماركى فى ألمانيا فى عام 1883»، واعتبرت وسيلة لتمويل النظم الصحية، لتحقيق هدف التغطية الصحية الشاملة الذى يتضمن إتاحة الخدمات الصحية بجودة لجميع المواطنين دون أن يعانوا من أية صعوبات مالية، بسبب تكلفة العلاج ما جعل هدف التغطية الصحية الشاملة محورًا أساسيًا لتحقيق العدالة اﻻجتماعية لكل مواطن دون تمييز.

ومنذ سنوات بعيدة، وضعت مصر هدف التغطية الصحية الشاملة بوضوح، كهدف استراتيجى ﻹصلاح النظام الصحى فيها، كما جاءت المادة 18 فى الدستور اﻷخير «2013 ــ 2014»، كرافعة دستورية تمهد الطريق للوصول إلى التغطية الصحية الشاملة إضافة إلى الورقة البيضاء التى وضعتها وزارة الصحة بالمشاركة مع منظمات المجتمع المدنى وشركاء التنمية، التى أكدت على أن التغطية الصحية الشاملة، هى رؤية استراتيجية للقطاع الصحى المصرى، وأن أعمدة خطة الدولة للتنمية المستدامة «20ـ30» تضم اﻷهداف المتعلقة بالتنمية الصحية الشاملة كرؤية كلية للتنمية فى مصر حتى عام 2030.

***

فى هذا السياق، نجد أن التأمين الصحى اﻻجتماعى المصرى له تاريخ ممتد، بدأ فى منتصف الستينيات «1964» حين صدرت عدة قوانين منظمة للتأمينات اﻻجتماعية والصحية وكان هدفها المعلن وقتها هو كفالة الحق فى الحماية الصحية التأمينية تدريجيا لجميع المواطنين فى عشر سنوات، وهذا ما لم يتحقق حتى يومنا هذا.

ومنذ منتصف التسعينيات «1996» جرت محاولات متكررة ﻹصلاح النظام الصحى هيكليا والذى كان يتعرض ﻻنهيار مستمر وانتقادات شديدة بسبب ضعف أدائه وغياب رؤية تطويره باتجاه اﻹنصاف والعدالة فى توفير وتوزيع الموارد اللازمة له، حيث انخفض اﻹنفاق الحكومى على الصحة حتى حدود غير مقبولة، وارتفع إنفاق اﻷسر من جيوبهم إلى مستويات خطرة «60% من اﻹنفاق الكلى» ما هدد الكثير من المواطنين بمزيد من الفقر العوز من جراء الحصول على الخدمة الصحية.

كما كان التأمين الصحى القائم يعانى أيضًا من تعدد قوانينه وضعف موارده وتردى جودة خدماته ما جعله فى مقدمة المحاور التى تتطلب إصلاحا وإعادة هيكلة من خلال تأسيس نظام جديد وصياغة قانون موحد، يضمن الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة، سكانيا وجغرافيا وخدميا ليحقق هدف العدالة اﻻجتماعية فى الرعاية الصحية. وﻷن جوهر مفهوم التأمين الصحى باعتباره آلية ووسيلة لتمويل الخدمات الصحية قائما على المشاركة فى تحمل وتوزيع أعباء ومخاطر المرض المتصاعدة والعمل كطرف ثالث مستقل (صندوق مالى تأميني) بين مقدم الخدمات ومتلقيها، برزت الحاجة إليه بشدة فى العشرية اﻷخيرة من تفاقم اﻷزمة الصحية.

وقبيل ثورة يناير كثفت الحكومة جهودها فى ثلاث محاولات متكررة ﻹصدار قانون جديد موحد للتأمين الصحى، وقد باءت جميعها بالفشل لغياب اﻹرادة السياسية لتحقيق العدالة اﻻجتماعية فى الصحة بسبب هيمنة «بناءات القوة» التى كانت تتحكم فى النظام وتدفع باتجاه معاكس نحو تشجيع خصخصة وتسليع القطاع الصحى وتخلى الدولة عن دورها اﻷساسى فى التنمية وكفالة الحق فى الصحة والتعليم.

يناير علامة فارقة

ومع يناير من عام 2011 بزغت شمس جديدة على إرادة ورؤية مجتمعية بأهمية الملف الصحى والتأمين الصحى وتشكلت لجنة جديدة فى وزارة الصحة لصياغة ومراجعة قانون التأمين الصحى الشامل، ضمت ممثلين وخبراء من مختلف اﻻتجاهات، بما فيهم منظمات الحق فى الصحة واﻷكاديميين لوضع قانون وتجهيزه للتنفيذ فى ظل التطورات الثورية التى شهدتها البلاد.

وفى أغسطس من عام 2014 كانت اللجنة المنوط بها وضع قانون قد انتهت من مسودته اﻷساسية وطرحتها للحوار المجتمعى على مختلف اﻷطراف من كيانات أكاديمية ومنظمات أهلية ونقابات وأحزاب مختلفة لضمان أكبر مساحة من المشاركة المجتمعية حول المشروع الذى يعتبر عمودا أساسيا فى إصلاح المنظومة الصحية لتحقيق التغطية الصحية الشاملة والعدالة فى الصحة تمهيدا لوضع خطة تنفيذه اﻷكثر تفصيلا فنيا وماليا لعرضها على مجلس النواب القادم.

وفى نفس الفترة الزمنية الممتدة من عام 2011 إلى 2015 صدرت عدة قوانين تأمينية (بقرارات جمهورية سيادية) لتلبية احتياجات عاجلة من وجهة نظر الحكومة للوصول بالحماية الصحية إلى بعض الفئات والشرائح المحرومة مثل المرأة المعيلة واﻷطفال تحت السن الدراسى وأخيرا الفلاحين فى ظل آليات النظام القديم القائم المثقل باﻷعباء والمشكلات.

وهى قوانين تبدو محملة بالكثير من النيات الحسنة وإن كانت ذات طبيعة سياسية تفتقد آليات التنفيذ الفعلية كما أنها تعمق من تفتت وأعباء النظام القائم أكثر من اعتمادها على دراسات واقعية متأنية تضمن اﻹصلاح الحقيقى الهيكلى واستدامة الموارد واستفادة الفئات المستهدفة منها. ما أثار العديد من التساؤلات بشأن مستقبل المشروع التأمينى اﻷساسى الذى يستهدف الشمول سكانيا وخدميا وجغرافيا ويحتاج إلى إرادة سياسية قوية ورؤية واضحة للبدء فى تنفيذه بتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة له، الذى يستلزم تطويرا سريعا فى جميع المنشآت الصحية العامة المملوكة للدولة لتكون قاعدة اﻷساس لتحقيق التغطية الصحية الشاملة والعادلة لكافة المواطنين والتى تضمن تنظيم ودمج القطاع الصحى الخاص العشوائى الذى يهيمن على تقديم الخدمات الصحية كليا.

وذلك فى مجمله ما يجعل قضية التأمين الصحى وتحدياتها قضية ساخنة ومحلا للصراع والجدل وما يضع حلم التأمين الصحى والتغطية الصحية الشاملة والعدالة اﻻجتماعية فى الصحية فى مفترق الطرق، بعضها ﻻ يدعو إلى اﻻرتياح واﻻطمئنان بل إنه يثير الكثير من الغموض واﻻلتباس فى مواجهة سعى العديد من اﻷطراف اللاعبة على رقعة الصراع، الذين ﻻ يرون فى التأمين الصحى إلا تهديدا لمصالحهم الخاصة المتنامية فى قطاع الصحة وفى تسليع الخدمات الصحية، وتحقيق مزيد من اﻷرباح من عشوائية السوق الطبية.

ذلك ما يجعلنا نتساءل بقلق فى اللحظة الراهنة: هل تنجح القوى التى دفعت إلى التغيير ووضع الرؤية اﻹستراتيجية للتغطية الصحية الشاملة والتأمين الصحى فى اﻻستمرار فى دفع مسار اﻹصلاح الصحى الحقيقى لتحقيق العدالة واﻹنصاف فى الصحة كحق إنسانى كفله الدستور، أم تفشل وتعود قوى تسليع الصحة وآليات السوق فى فرض هيمنتها على مستقبل نظامنا الصحي؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved