نحو إنسان مُحَسَّن

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 29 سبتمبر 2009 - 9:27 ص بتوقيت القاهرة

 ليست كل الفئران أوفياء لشركاء حياتها، والبشر كذلك. نعرف عن وفاء البشر وإخلاصهم الكثير، أما الفئران فلم نكن نعرف عن وفائها وإخلاصها إلا القليل، حتى أعلن لارى يانج الأستاذ بجامعة إيمورى بولاية أطلانطا الأمريكية، أنه اكتشف بالمراقبة الدقيقة والبحث، أن الذكور من فئران الحقول أوفياء لشريكات حياتها، على عكس الذكور من فئران الماء الذين وجد أنها تفتقر إلى خاصية الوفاء والإخلاص.

يقول الأستاذ يانج: إنه بعد طول دراسة، استطاع أن يتعرف على الجين Gene الذى يؤثر فى نشاط الهرمون القابض للشرايين فى مخ ذكر فأر الماء، وبعملية بسيطة نجح الأستاذ فى غرس الجين المنشط لهذا الهرمون فى مخ الفأر، ولاحظ أنه أصبح وفيا لشريكته، فلم يعاشر غيرها منذ ذلك الحين.

أستطيع أن أتخيل ضخامة عدد الاحتمالات والخيارات التى أصبحت متاحة منذ وقع هذا الاكتشاف العلمى المهم. بعض هذه الاحتمالات والخيارات يتعلق بالتقدم العلمى فى حد ذاته، والآفاق الواسعة التى يمكن أن يقتحمها العلماء فى المستقبل فى مضمار هذا النوع من البحوث. بعض آخر يتعلق بأخلاقيات البحث العلمى وخاصة الأخلاقيات المترتبة على تقدمه. والبعض الثالث أو الغالب فيثير، وأثار بالفعل، زوابع حول السؤال الشهير: من أعطى العلماء الحق فى وضع مواصفات لإنسان المستقبل تختلف عن مواصفاته الراهنة.

***

نسمع عن الحلم الكبير للعديد من العلماء بأن تتحقق الظروف التى بفضلها تفلح الهندسة البيولوجية فى تغيير صفة أو أكثر من صفات الإنسان. ونسمع فى الوقت نفسه أصواتا صارخة تحذر من الانسياق وراء هذا الحلم، بحجة أن النجاح فى «تحسين» صفة عاطفية كانت أم غريزية من صفات إنسان قد يتسبب فى إلحاق الضرر بصفة أخرى تعتمد فى وجودها على الصفة التى جرى «تحسينها». ثم من هذا الذى منح نفسه الحق فى أن يقرر ما هو «الأحسن»، وما هو الذى يجب تغييره.

ومع ذلك دعونا نفترض أن العلم نجح فى «تحسين» مجتمع حسب فهم جماعة أو طبقة معينة للأحسن والأسوأ. نفترض أن العلماء تدخلوا فى «أمخاخ» الناس فجعلوهم أذكى، أو ضاعفوا مهاراتهم، وعززوا قدراتهم على الاختيار بين بدائل متعددة، ونفترض أنه نتيجة هذا التدخل «العلمى» زادت إنتاجية هذا المجتمع إلى حدود لم يكن من المتصور أن تصل إليها بدون هذا التدخل، وغمرت «السعادة» جميع أفراده، ذكورا وإناثا وشيوخا وشبانا، وساد الوفاء والإخلاص علاقات الناس بعضهم ببعض.

إذا تحقق كل هذا.. هل نطمئن إلى أن هذا المجتمع «المحسّن» قابل للبقاء فى سلام ووفاق على النحو الذى خطط له العلماء؟ لا توجد إجابة واحدة مشجعة، ولكن تعددت التحذيرات.

***

يحذر الدكتور بيوكانان الأستاذ بجامعة ديوك الأمريكية من «اللعب بالإنسان» وخاصة الصفات التى تجعل البشر بشرا، فالطبيعة تعتمد على التوازن بين جميع مكوناتها، والتدخل من جانب الإنسان فى تعديل جانب فيها يتسبب حتما فى الإخلال بتوازنها الدقيق وقد يلحق الضرر بجوانب أخرى، وهو ما يطلق عليه أحيانا الإخلال غير المقصود بمنظومة الاعتماد المتبادل بين الأشياء. ويقول بيوكانان، «تعالوا نفترض أننا نجحنا فى التدخل بالجراحة أو بغيرها للتأثير على عواطف الناس وجعلناهم يعيشون حالة دائمة لا تعرف الكره والحقد والحسد، حالة تعرف فقط الحب والوفاء والإخلاص. وتعالوا نسأل عن شكل النظام السياسى الذى سيختاره هؤلاء الأفراد «المُحسّنون»، ونسأل أيضا سؤالا منطقيا، أين سيجد أبناء هذا المجتمع وبناته سياسيين لا يكرهون ولا يحقدون ولا يحسدون؟ أم أنهم سيقررون العيش فى مجتمع يخلو من السياسيين والسياسة؟ أين سيجدون سياسيين لا يتآمرون ضد بعضهم البعض، ولا يكذبون على الشعب «المُحسّن» الذى اختارهم أو فرضوا نفسهم عليه؟

أين سيجدون رجال أعمال كلهم شرفاء لا يتلاعبون بمصالح الناس وحياتهم وأرزاقهم، ولا يخرقون القوانين ولا يهربون أموالهم، ولا يرشون موظفى الدولة وسياسييها، ولا يفعلون باقتصاد بلادهم ما فعله مادوف وأباطرة مصارف ليمان وغيرهم باقتصاد أمريكا والعالم؟

***

فى مثل هذا المجتمع «المُحسّن»، هل سيكون لرجال الدين دور ووظيفة ويكون للإسلاميين حزب وجماعة ويكون للشيوعيين تنظيم ودعوة؟ أتصور أن مجتمعا «كامل الصفات الحسنة»، حيث الناس لا تخطئ فى حق بعضها البعض، ولا تكره ولا تحقد ولا تحسد، هذا المجتمع لن يكون فى حاجة إلى هؤلاء، فالناس فى مثل هذا المجتمع «المُحسّن» «أحسن» من كل السياسيين والدعاة والمبشرين بالدين والأيديولوجيات. هذا لا يعنى أن الهندسة البيولوجية ستكون كافية وحدها لتحسين المجتمع أو تضمن منفردة أن يستمر مجتمعا فاضلا، لأنها فى أحسن الأحوال لن تحل محل «العرق والمعاناة». خذ الرياضة مثالا، حيث للمنشطات «الحيوية» والكيماوية دور كبير وأهمية بالغة ومع ذلك كلنا على يقين من أنه مهما بلغت كفاءة المنشطات التى يتزود بها اللاعب، فإنه بدون التدريب والتأهيل والجهد المتميز لن يحقق فوزا مبهرا.

أخشى أن يكون البعض منا فى انتظار انطلاقة علمية تحقق صلاح الإنسان وتحسن مواصفاته وسلوكياته، بينما مازال فى إمكاننا أن نحقق صلاح هذا الفرد وتحسين مواصفاته وسلوكياته عن طريق تحسين المجتمع، بمعنى تحسين أداء المسئولين عن إدارته وتوجيه شئونه، فى وقت وفى ظل أوضاع ومعدلات تدهور لا تحتمل رفاهة انتظار اكتشافات علمية جديدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved