المول

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

سلط الاعتداء على «مول» وست جيت فى نيروبى الأضواء على ظاهرة انتشار المولات فى دول أفريقيا وغيرها من دول العالم الفقير. لفت الانتباه إلى أن «المول» لم يعد مجرد سوق تجارية. صار أقرب ما يكون إلى مدينة صغيرة تحكمها يد خفية. صار أيضا «معبدا» تمارس فيه بانتظام وتفانٍ طقوس عقيدة الاستهلاك كما لم تمارس من قبل.

•••

رأيت مولات عديدة وتجولت فى بعضها. وفى كل زيارة لأحدها كانت تخطر لى أفكار متنوعة. فكرة معينة من هذه الأفكار هيمنت أكثر من غيرها. فكرت أن المول إنما هو تجسيد مبالغ فيه لمفهوم «المبالغة»، ليس فقط فى الشكل والهندسة وإنما أيضا فى المضمون والأسلوب. المبالغة صفة تلحق بكل «تفصيلة» من تفاصيل أى مول رأيته أو تجولت فيه. ومن فرط انبهارى بالمفهوم وتطبيقاته كثيرا ما كنت انتقى مكانا قصيا فى المول الذى يحظى بزيارة منى أطل منه على طابق بأكمله. أجلس هناك، إن وجدت مقعدا، فالمولات لم تؤسس لراحة الزائر، أجلس لأراقب الناس، متبضعين أو متسكعين، صغارا أو كبارا. متعة ما بعدها متعة مقارنة انطباعات حشود المارين أمام «الفاترينات»، عيون تشع منها الرغبة المحمومة، وأخرى الأسى الشديد، وثالثة الغضب وجلد الذات فالحسد، وعيون تطل منها السخرية وخفة الظل.

مثير أيضا أن تراقب إنسانا منبهرا. ينبهر لحظة دخوله من بوابة المول، وينبهر ببرودة تلسعه فور أن تطأ قدمه صالة الدخول، وهو القادم لتوه من لهيب صيف قائظ ورطب، وينبهر بدفء المكان وفى الخارج صقيع إن كان الموسم شتاء. ثم ينبهر بضخامة الثريات والزينات وأناقة المحلات ونظافة الممرات. وتتوالى الانبهارات. انبهار المراقب لا يقل عن انبهار الزبائن. هو أيضا ينبهر بكل ما ينبهر به الزبون ولكنه ينبهر أيضا باستسلام ووداعة ورضا الزبائن وهم يسددون ببطاقة ائتمان وينبهر بعبقرية وجشع من لن يرحمهم عند التحصيل.

•••

ظهرت مؤخرا كتابات تحمّل المولات جانبا من مسئولية التوتر الاجتماعى المتزايد فى العالم الرأسمالى. تصورت إحدى هذه الدراسات أن «المول» يضاعف من شعور الناس، والعملاء أكثر من غيرهم، بعدم المساواة وبالفجوة الرهيبة فى الدخول. لاحظوا أن عميل المول يشترى بسخاء ويشترى غالبا ما لا يحتاج ويتباهى بما اشترى. تساعده على التباهى المحلات التى تتعمد وضع البضاعة المشتراة فى أكياس مبالغ فى حجمها وألوانها، هدفها إذكاء شهوة الشراء لدى زوار المول والمارة خارجه. أكثرية هؤلاء، ككل أكثرية فى أى مكان، لا تستطيع مجاراة هذا السخاء فى الشراء.

لذلك، وحسب الدراسة، يتمكن الغضب من البعض، وبعض آخر يتملكه الشعور باليأس حتى صار الانتحار فى المولات ظاهرة. بعض ثالث يرتبك. تختلط فى داخله الرغبات والأدوار. هو موجود ولكنه غير مشارك، يلاحظ ويتجول. يرغب كما يرغب الآخرون ولكنه يعرف ان المول، بل والعقيدة الاستهلاكية بكل إغراءاتها، لن تحقق رغباته.

•••

هذا الزائر غير المشارك كان بين القتلى الستين الذين سقطوا برصاص الإرهابيين وقنابلهم فى مول وست جيت فى نيروبى. عرف الإرهابيون انه موجود فى المول، فمثله الملايين تذهب إلى المولات فى شتى أنحاء العالم. عدوهم اللدود هو هذا الانسان العادى. يتعمدون إيذاءه وتعظيم آلامه وتعقيد حياته، التى هى أصلا حياة معقدة وصعبة ومؤلمة. إنها لغة التشدد والتطرف والاستبداد فى كل العصور وكل المجتمعات. يعرفون أين يجدون هذا الإنسان العادى، يجدونه فى الشوارع المزدحمة وفى الأسواق وفى مراكز النقل والمواصلات، ويجدونه، كما وجدوه فى نيروبى، داخل المولات. أهميته الكبرى تكمن فى أنه رقم والرقم مهم فى حساباتهم.

•••

عمائر زجاجية أو حجرية لا يدخلها الهواء الطبيعى، حتى قيل عنها إنها مثل كل الأبنية محكمة الغلق، حضانات ممتازة للفيروسات والميكروبات. ومع ذلك نراها تتوسع وتتنوع وظائفها. زرت صديقا مصريا يعمل فى دولة خليجية. نزلت بفندق وصفه الصديق فى رسالته بأنه قريب جدا من موقع عمله. اكتشفت عند وصولى أن الفندق جزء من مول أو ملحق به، وأن الصديق يسكن فى عمارة سكنية ملحقة بالمول، ومكتبه فى شركة تؤجر طابقا فى بناية ثالثة ملحقة أيضا بالمول. المهم أننى قضيت ثلاثين ساعة أو أكثر فى قفص زجاجى، قضيتها فى غرفتى نائما، وفى مكتب صديقى متباحثا، وفى مطعم أو آخر فى الطابق الأعلى من المول.

•••

المولات امتداد لظاهرة قديمة قدم نشأة المدن. كانت أول سوق تجارية تلك التى أقيمت فى ساحة واسعة من ساحات روما قبل الميلاد. أنا نفسى تعرفت على أسواق رائعة. تعرفت على سوق أسطنبول الذى يعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر، ويمتد عرضا وطولا بامتداد 58 شارعا يطل عليها أكثر من 4000 محل تجارى. سمعت عن سوق طهران وطوله عشر كيلومترات وسوق اصفهان صاحب الشهرة الأوسع. وتعرفت على جاليرى فيتوريو إمانويل فى ميلانو كواحدة من أهم الأسواق التجارية المغطاة وأقدمها، وقد اقيمت عام 1860، ولعلها أقرب شىء ممكن إلى المول الحديث. وزرت أسواق فاس والدار البيضاء وتونس وقضيت ساعات وساعات فى سوق الحميدية بدمشق وأسواق أخرى فى حلب وحمص وأياما من طفولتى فى الغورية وخان الخليلى. قرأت أيضا عن مول فى بكين أنشئ على مساحة تقارب المليون كيلومتر مربع، ولا ينافسه إلا مول أوف آرابيا فى مدينة دبى.

•••

قيل عن زائر المول إنه انسان اختار بإرادته مكانا يمارس فيه الحزن منفردا، ينعم فيه أو يعانى الوحدة ووحشتها. قيل كذلك إن الفخامة والأناقة اللتين يقابلهما فى المول يضاعفان ولا يخففان من الشعور بالفراغ. هناك فى المول يدرك الإنسان مدى قوة هذا العقل الذى فرض عليه نظاما محكما وسلوكا منضبطا ورقابة صارمة من بصاصين وكاميرات وكلاب حراسة، وحشدا متواصلا لشهوات متعددة ومتنوعة، عقل يحكم «مدينة صغيرة جدا» بدون دستور أو أحزاب أو قوى قمعية، وبدون استبداد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved