بدء تاريخ عالمي جديد


صحافة عربية

آخر تحديث: الإثنين 30 يناير 2017 - 10:05 ص بتوقيت القاهرة

إعادةُ اعتبار «ثورة أكتوبر» في روسيا بمناسبة مرور مائة عام عليها، وتعميدُها (بعد ربع قرن من انهيار الاتحاد السوفييتي) باسم «الثورة الروسية العظمى»، والعودة العاصفة للتاريخ إلى أميركا (التي كان فلاسفتها قد أعلنوا قبل أعوام قليلة نهاية التاريخ عند عتبة ليبراليتهم الديموقراطية)، وانتخاب رئيس من خارج «طغمة واشنطن»، وحديث الإدارة الأميركية الجديدة عن انتفاء ضرورة الحلف العسكري الغربي «الناتو»، والانتفاضات ضد الوحدة الأوروبية، وعودة الدولة الوطنية (حتى في بريطانيا الإمبريالية)، ودعوة الزعيم الصيني «شي» (في مؤتمر «دافوس») إلى اللحاق بالقطار الصيني الصاعد.. أحداث متلاحقة، تبدو وكأنها انبثقت من العدم.


«كانت أفضل الأوقات، وكانت أسوأ الأوقات»، عبارة الأديب الإنجليزي «تشارلز ديكنز» التي استشهد بها الزعيم الصيني في مقدمة خطابه المكرس للعولمة، والتي تَرتَدُّ عنها دول الغرب التي أطلقتها، فيما تحتضنها الصين التي ناهضتها. «شي» اعتبر العولمة كنز «علي بابا» في «حكايات ألف ليلة وليلة»، وفي خطابه، يبدو الفارق بين العولمتين، كالفارق بين الإمبريالية الرأسمالية والأممية الاشتراكية. وخطاب الزعيم الصيني، الذي كتبه بنفسه في نحو خمسة آلاف كلمة، يضاهي «البيان الشيوعي» حجماً وإحاطة، وعمقه الفلسفي كبيان «ماركس»، الذي تاهت فيه لاحقاً الأحزاب الشيوعية، فاعتبرته ضد الرأسمالية، كالنور ضد الظلمة، فيما اعتبر «ماركس» الرأسمالية خطوة ناقصة لا تكتمل إلّا بالاشتراكية. وتَجّنَب «شي» كُلّيةً المصطلحات العقائدية، في خطابه الذي مثل مزيجاً فريداً بين الاشتراكية العلمية والحكمة الصينية العريقة. في وصف تعقيد «العولمة»، استخدم الحكمة الصينية «البطيخ السُكّري يتدلى من عرائش مُرّة، والبَلَحُ الحلو ينمو في نباتات شائكة».

***
كما كان لثورة أكتوبر الروسية فلاسفتها الألمان والروس، فللثورة العالمية الجديدة فيلسوفها «هايدجر» الذي دشّنَ تاريخاً جديداً للفلسفة يمتدُّ إلى ما قبل «أرسطو» و«أفلاطون»، إلى «هيراقليطس» المشهور بقوله: «لا شيء يدوم كالتغيُّر». فلسفة بدء تاريخ جديد، حسب فيلسوفها الروسي «ألكساندر دوغين» المولود عام 1962، لا ترفض عبادة الفرد فحسب، بل عبادة العقائد أيضاً، ليس الروحية القديمة، بل الحديثة (الشيوعية والليبرالية الديموقراطية). ودراسة «هايدغر»، وبعدها قراءة «دوغين»، تجعلنا نفهم، حسب الفيلسوف الأميركي «بول غوتفريد»، الرابط الضروري بين الاثنين. «فلتحسين حيواتنا الثقافية والروحية يطلب كلا المفكرين العظيمين، لا شيء أقلّ من الفحص المفصّل لتقاليدنا التي تمتد حتى القِدَمْ، ولا وجود للتقاطعات المختصرة في الطريق لتصحيح أخطاء حداثتنا المتأخرة». (ألكساندر دوغين، مارتين هايدغر، فلسفة بداية أخرى).
بداية تاريخ عالمي جديد، لا تتنافس فيه الدول والأمم باحثة عن الحقائق، بل تتنافس الحقائق باحثة عن الدول والأمم. و«فيما الفكرُ الروسي مُستلقٍ على الأرض المحروثة ينضح بعصائره الدموية، محاولاً في غمغمة منامه أن يقول شيئاً مؤكداً، لكنه يفشل في تحديد أيّ كلمات، أو صور أو علامات». يذكر ذلك «دوغين» في خاتمة الكتاب عن «الأفكار الروسية التي كانت تنتظر باحثة عن الوقت الملائم، غير راغبة بالمشاركة في نهاية الفلسفة الأوروبية الغربية، ولا تبدي تضامناً معها، ولا تنخرط بحيوية في تطوير ميتافيزياء أوروبية غربية».
***
وفيما الليبرالية الغربية الهالكة تُدمّرُ العراق، وأفغانستان، وليبيا، وسوريا، وتتلّهفُ للفتك بالعالم الإسلامي، من شمال أفريقيا حتى آسيا الوسطى، والصين، والمحيط الهادئ، وتحيط روسيا على امتداد حدودها الغربية بالقواعد العسكرية، وتشحذ بريقِها لالتهامها، معتبرة حتى الارتجافة الغريزية للجسد المذبوح عدواناً. ونظرة واحدة لمائة عام الأخيرة كافية لمعرفة أن روسيا البلد الأكبر مساحة وموارد وثروات طبيعية في العالم، بطيئة الحركة كالدب الروسي، ومثله لطمتها الفتاكة عندما تهوي لا ينبت تحتها شيء، من ستالينغراد عام 1942 حتى شبه جزيرة القرم عام 2014.

الاتحاد – الإمارات
محمد عارف

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved