الزمن الجميل

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 30 أغسطس 2016 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

هفت على غرفتى مع بعض نسائم الصباح الباكر أغنية للمغنية الأمريكية السمراء شيرلى باسى تقول فى مطلعها «بالأمس... عندما كنت صغيرة»، هفت ولم تغادر إلا بعد وقت وجهد. أغانٍ وألحان من هذا النوع تصر على البقاء معى حتى بعد أن تنتهى كلماتها وتتوقف الموسيقى. فما بالك بأغنية تستعيد بكلماتها أو بألحانها ذكريات حلوة.

***

كنت أسمع فى بيتنا كل يوم تقريبا بلسان أبى أو عمى الأكبر حكاية ثورة 1919، وأظن أن الحكاية نفسها كانت تروى لنا فى كل مرة مختلفة عن المرات السابقة. كنت أسمع أيضا وإن بتكرار أقل حكاية العشر بيضات لما كانوا بنص فرنك. كبرت وصرت أهلا لانطباق المثل القائل «إن كبر ابنك خاويه»، فكان أن سمعت من أبى عن جولات وصولات فى شبابه استقبلها عقلى الشاب بتحفظ واعٍ لا ينقصه الاحترام الواجب. لم يكن صعبا على مراهق يستمتع بكل دقيقة تمر عليه أن يتفهم حنين الأهل إلى الماضى بعد أن تخلى عنهم وخدعهم حاضر لئيم. لم يخرج الانجليز واستبد جلالة الملك وانهزمنا أمام عصابات يهودية فى فلسطين والبيضة الواحدة أصبح ثمنها مليما أحمر.

***

الآن أعترف بأننى وكثيرات وكثيرين أعرفهم نحن إلى الماضى، منهم من تجاوز فراح يلعن الحاضر الذى خدعه وخيب آماله ويغرق نفسه فى حنين إلى زمن حقيقى أو إلى زمن مصطنع يبتكره ابتكارا. ومنهم وأنا أحدهم من أدرك مبكرا أنه شريك فى صياغة أزمنته، ماضيها وحاضرها، يعرف متى وأين استيقظ سعيدا ومتى وأين رمى بنفسه على الفراش تعيسا. يحن الواحد منا إلى لحظة ولحن ووجه وقصيدة وحديث ورحلة حب ومشوار صداقة ولا يحن إلى زمن بأكمله. كم واحد فينا امتدت يده إلى بعض أوراقه وصفحات فى مذكراته فأحرقها أو مزقها. لو بقيت لعاشت تذكره بأن ليس كل الماضى زمنا جميلا.

***

عثروا فى الصين على نص يعود إلى آلاف السنين جاء فيه أن «الناس فى الزمن القديم كانوا يأكلون الخضراوات الطازجة ويشربون من القنوات ماءً رقراقا ويقطفون الثمار من الأشجار، ولكنهم فى الوقت نفسه كانوا يأكلون كائنات بحرية فاسدة وكانوا يتسممون وكانوا يمرضون ويتألمون». وفى كتاب لعالم الأجناس كلود ليفى شترواس أشار إلى أن الهنود الحمر فى أمريكا الجنوبية كانوا يحنون إلى زمن جميل حيث الحصول على الغذاء لا يحتاج إلى جهد، والجاموس لا يحتاج صيده إلى مطاردة، والشتاء لا يأتى بالبرد والصيف لا يأتى بالحر. ولكنهم يعترفون أن الناس لم تكن تعيش طويلا. أما فولتير فكتب فى عام 1764 تحت عنوان «الزمن القديم الجميل» يقول «لدينا أشياء نحن فيها أرقى من القدماء وأشياء هم أرقى منا».

***

الكلمة العلمية المعبرة عن عبارة الحنين إلى الماضى هى نوستالجيا. أصلها فى اللغة اليونانية القديمة كلمة nostos وترجمتها الحرفية «العودة إلى البيت». لم تتحول النوستالجيا من مجرد رغبة فى العودة إلى البيت أو الوطن إلى مرض عقلى إلا بعد أن دخل فى اختصاص علماء النفس وأطباء الأمراض العقلية. قيل إنه يمثل حالة متطرفة من الرغبة الفرويدية للعودة إلى رحم الأم. قيل أيضا إن النوستالجيا تجسد حالة إيمانية فريدة وهى «الإيمان بالأمس»، حتى إن هناك من يعتقد ان النوستالجيا ينبوع الشباب وسر قوته.

هناك ثلاثة أنواع من النوستالجيا أو الحنين إلى الماضى. هناك النوع «الشخصى» وتلخصه عبارة «أنا لم أعد الشخص الذى كان». ولتقريبه من ذهن القارئ أحيله على أغنية البيتلز وعنوانها «أمس». هكذا كنت، وهكذا عرفت الحب وهكذا عشت.

ثم هنا النوع التاريخى، وتمثله الكتابات التى تسقط الفرد وتقدم تعميمات عن ماضٍ بعيد «كنا نحتفل بشم النسيم فى حدائق قصر النيل، وكنا فى الليالى القمرية نسهر فى ساحة الهرم الكبير نلهو ونمرح ونأكل ونشرب حتى ما بعد منتصف الليل».

وهناك النوع الجمعى، ولعله الأهم وربما الأخطر. من بين وظائفه تأكيد الهوية وتثبيت أو دعم الانتماء الدينى والالتزام القومى. نؤكد ونردد مع المرددين أن الماضى البعيد كان رائعا.

استخدمه أدولف هتلر لتمجيد الجنس الآرى واختراع عصر ذهبى يجب أن يعود ولو على جثث ملايين الأوروبيين السلافيين وغيرهم. وفى كمبوديا استخدمه الزعيم المتوحش بول بوت فتولى بنفسه حرق كمبوديا ليبدأ كمبوديا جديدة بدون رأسمالية ولا أجانب. استخدمه ويستخدمه الرئيس فلاديمير بوتين ليقيم عليه، أى على حنين الروس للعصر الإمبراطورى امبراطورية روسية جديدة. نستخدمه أيضا وحاليا فى مصر ومنذ أن تولى المشير السيسى حكم البلاد، أى منذ أن رفع شعار مصر أم الدنيا أو مصر قد الدنيا، ولكنه على غير عادة الزعماء الآخرين لم يطرح مرحلة معينة من تاريخ مصر وماضيها البعيد أو القريب ليمارس من خلالهما الشعب والقوى السياسية الحنين الجمعى إلى ماضٍ كانت مصر فيه أم الدنيا.

المثال الأبرز على استخدام النوستالجيا هو مثال داعش التنظيم الذى يبشر بخلافة اسلامية تعيد للمسلمين العصر الذهبى للإسلام. هنا أكرر المداخلة التى تولى بها كاتب وصحفى قدير الرد على العقيد الراحل معمر القذافى حين دعانا فى اجتماع محدود إلى تبنى نظريته فى الحكم وكانت فى ذلك الحين تقضى بضرورة العودة إلى الأخذ بتعاليم وممارسات وأساليب الحكم خلال العصر الذهبى للاسلام. طلب صديقنا من القذافى تحديد ما يقصد بعبارة العصر الذهبى للإسلام، ودعاه بدوره إلى رحلة فى الزمن تبدأ بمرحلة الخلفاء الراشدين وهى الأقصر وانتهاء بالخلافة العثمانية. لا أحد فى القاعة عرض رغبة أو حنينا للانتماء إلى أى من هذه الحقب، وخرج العقيد مقتنعا بأن لا عربيا عاقلا يمكن أن ينتابه حنين إلى نماذج أكثرها بشع للغاية. تذكرت هذه الجلسة وأنا أتابع تمدد وانكماش تنظيم داعش وغيره من الحركات الدينية وحروب الحنين إلى عصور استبداد وظلم وأوهام قوة.

***

الحاضر السيئ يدفعنا إلى الحنين إلى الماضى، نريد أن نصدق أن الزمن القديم كان أفضل.

****

لا أحلى ولا أجمل فى التعبير عن حكاية الزمن الجميل من كلمات ولحن أغنية «جدى» للثنائى المعروف بالـ«جادس» The judds،

توجهتا بالحديث إلى جدهما فقالتا:

يا جدى... كل شيء يتغير بسرعة، نطلق عليه التقدم ولكننا فى الحقيقة لا نعرف.

يا جدى... خدنا معك نجوب الماضى... وارسم لنا لوحة زمن مضى

هل حقا كان العشاق يحبون بعضهم... وهل كان الناس يحفظون العهود

يا جدى.. هل كان الناس يحنون الرأس وهم يصلون

يا جدى... حدثنا عن الأيام الجميلة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved