المستقبل العربى «قضية دولية» لا تعنى أهله!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 30 أغسطس 2016 - 9:40 م بتوقيت القاهرة

عاد المستقبل العربى «قضية دولية» يقرر فيها الآخرون فى غياب أهلها الذين يجدون أنفسهم، وهــم فــى حالتــهم الراهنــة من الضعــف والــتمزق والضـياع، أعـــجز من أن يــرفضـوا، فيستسلمون «للإرادة الدولية» وكأنها القدر.

من هنا أن قضية فلسطين، وهى جوهر الصراع العربى ضد الاستعمار الأجنبى، سرعان ما أسقطت هويتها، وتم تزوير حقيقتها لطمس هوية «العدو الإسرائيلى»، وأطلق على الصراع تسمية «أزمة الشرق الأوسط».

حذف بالقصد اسم «فلسطين» وشطبت هويتها العربية، وطمست هوية «العدو الإسرائيلى» فإذا هى «أزمة»، مجرد أزمة، وإذا المنطقة مساحة جغرافية، مجرد مساحة جغرافية لا اسم لها ولا هوية إلا من خلال موقعها بالنسبة لغيرها.

كأن هذا «الشرق الأوسط» بلا أهل لهم هويتهم المؤكدة عبر التاريخ، أرض مشاع يعطيه وجوده فى هذه المنطقة الجغرافية، إلى الشرق من المتوسط تسميته المستولدة من البحر وموقعهم منه.

شُطب التاريخ بالجغرافيا، وصارت الشعوب فى شرقى المتوسط أقواما، أو جماعات، أو قبائل لا اسم لها ولا هوية جامعة، لم يكن لها عبر الزمان ما يميزها عن غيرها ويؤكد ارتباطها بأرضها التى قسَّمها الأجنبى دولا شتى، وليس لها مستقبل مشترك إن لم يكن واحدا موحدا كما تفرض حقائق التاريخ والجغرافيا.

لم يسأل أحد لماذا ليس للمتوسط غرب، مثلا، وجنوب، وشمال؟! ولماذا تخصيص العرب بهذا الامتياز «الجغرافى» العظيم؟!

***

الطريف أن « قادة العرب» والعديد من مفكريه ومثقفيه، فضلا عن سياسييه، اندفعوا يستخدمون التسمية ــ المبتدعة ــ التى تستهدف هويتهم الجامعة وكأنها اسمهم منذ أن رمتهم المصادفة التاريخية فى هذا الموقع الجغرافى... كما أنهم تجاهلوا إسقاط حقيقة أن هذه الجهة من المتوسط هى ــ بالمصادفة ــ بلادهم التى كانت بلادهم منذ مئات السنين.. لم تبدل من هويتها الحروب الصليبية ولا الاستعمار التركى بالشعار الإسلامى، ولا حقبة الاحتلال الغربى فى القرن العشرين..

من المغرب إلى سوريا، كانت لهذه البلاد هويتها الجامعة.. وكانت فلسطين فى موقع القلب. ثم إن العراق والجزيرة العربية وخليجها، ضمنا، وصولا إلى اليمن، كانت «عربية» بقوة الانتماء إلى الأرض، فضلا عن كونها ذات تاريخ واحد، وإن استدخلت فيه حقبات استعمارية احتلت بعض الأرض لكنها لم تستطع تغيير الهوية العربية الجامعة لأهلها ولا رابطة الدين الحنيف الذى تنتمى إليه أكثريتها الساحقة، والتى عاشت على مر السنين مع «أقليات» دينية أبرزها المسيحيون واليهود وصولا إلى الإيزيديين والصابئة وبقايا أديان سابقة على الأديان السماوية الثلاث.

طبعا لم يكن تغيير التسمية من «البلاد العربية» إلى «الشرق الأوسط» مصادفة أو خطأ ناجما عن الجهل بالجغرافيا أو التاريخ، بل كان شرطا لإظهار هذه البلاد وكأنها مجرد مساحة جغرافية تكون لمن يأخذها بالسيف... فكيف إذا كان خلف السيف قرار دولى يعتمده مجلس الأمن الدولى فيستولد ــ لأول مرة فى التاريخ والأرجح لآخر مرة ــ دولة باسم إسرائيل التى سوف يكون لها وحدها هوية محددة فى هده المنطقة المجهلة أسماء شعوبها ذات الهوية الواحدة! تصير المعادلة واضحة: إسرائيل هى الدولة المجسدة للإرادة الدولية، فى حين أن الأقوام الأخرى (أى العرب) جاءت بهم الصدف التاريخية إلى هذه الأرض التى قامت عليها الدولةــ الأسطورة: مملكة لقبيلة يهودية فى أورشليم، فى زمن كانت فيه كل مدينة أو كل جهة من بلاد يمكن أن تصير «مملكة» بسيف شيخها أو أميرها.

المهم أن تسمية منطقتنا (المشرق العربى) التى هى بعض الوطن العربى الكبير، قد أسقطت عنها هويتها، فعليا، عند الغرب، بعد إقامة الكيان الإسرائيلى بالقوة على أرض فلسطين ليصير اسمها الرسمى «الشرق الأوسط»... ثم تكرس اعتماد هذا الاسم دوليا بعد هزيمة الخامس من يونيو 1967. وهكذا اختفى اسم «فلسطين» من التداول، واحتفى معه علاقة العرب بأرضهم، ببلادهم. حلت أسماء الدول التى تقاسمها مستعمرو ما بعد الحرب العالمية الأولـــى (وأساسا البريطانيون والفرنسيون) محل التسمية الجامعة. استنبت كيان فى بعض الأرض السورية فأعطته الجغرافيا اسمه (إمارة شرقى الأردن)، وتم تعديل الكيان اللبنانى الذى كان منذ فتنة 1860 «متصرفية» لها شبه استقلال ذاتى داخل السلطنة العثمانية وبمتصرف مسيحى من رعايا السلطان، وربما لهذا السبب تناوب على هذا الموقع مجموعة من «المتصرفين» الأرمن، أما كيانا سوريا والعراق فقد رسما بما يتناسب مع الاكتشافات النفطية والمطامع التركية... وهكذا رسمت على الأرض السورية تحت الانتداب الفرنسى أربع دول، مع تعليق مصير منطقتى كيليكيا واسكندرون لتقدما مع تفجر الحرب العالمية الثانية هدية مجانية لتركيا كى لا تنضم إلى «المحور» بقيادة ألمانيا النازية. أما العراق فقد تم اللعب بموضوع السلطة، ثم كان الحل باستيراد الأمير فيصل بن الشريف حسين، (الذى كان نصَّب نفسه ملكا على العرب، بتشجيع بريطانى، ثم خلع مع تأكد انتصار الحلفاء على المحور فى الحرب العالمية الأولى) لجعله ملكا على أرض الرافدين، تعميقا لخلل سياسى يمهد لفتنة طائفية مدمرة، ستظل منومة أو مغيّبة حتى الاحتلال الأمريكى للعراق وإسقاط صدام حسين بطغيانه فيتم تسليمه إلى «الشيعة» لكى يعدموه بطريقة بشعة بينما هو يهتف بحياة الأمة العربية... وهكذا يظهر الطاغية عربيا وحدويا، وتظهر أكثرية الشعب طائفية حاقدة معادية للعرب ووحدتهم وليس للطاغية الذى لم يميز فى طغيانه بين الطوائف والأعراق العناصر..

كان التمهيد مع الحرب العالمية الأولى 1914ــ 1918.. فتم تقسيم عرب المشرق فى دول شتى مع ترك فلسطين معلقة بوعد بلفور لليهود (1917).. أما التنفيذ فقد تم مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وهكذا، وعبر حرب خاضها العالم كله مع اليهود، بذريعة المذبحة النازية، ضد العرب لإنشاء الكيان الإسرائيلى على أرض فلسطين.
صار تعبير «الشرق الأوسط» هو هوية جامعة لهذه المنطقة الجغرافية بعد نزع هويتها الطبيعية، تاريخيا، عنها: أى إن إلغاء الهوية العربية كان شرطا لإقامة دولة تضم مجاميع من شعوب أخرى، بعضها لم تصلها الحرب العالمية الثانية، ولم يضطهد اليهود فيها (غرب أوروبا ومعها بريطانيا التى لعبت دور المسلح، ثم الولايات المتحدة الأمريكية التى لعبت دور الراعى والممول عن طريق الحركة الصهيونية).

***

ظهر «الشرق الأوسط» وقد نزعت عنه هوية أهله فصار مشاعا يستطيع الأقوى أن يقرر له مصيره. وكان الغرب والشرق يختلفان على حدود نفوذ كل منهما فى العالم أجمع ولا يتفقان إلا على المشروع الصهيونى، أى إقامة الكيان الإسرائيلى فوق أرض فلسطين التى كانت (بشعبها العربى من المسلمين والمسيحيين واليهود) مشروع دولة تحت الانتداب البريطانى..

هكذا صار للعرب من أهل هذه الأرض، بمسلميهم ومسيحييهم والمنتمين إلى الإيزيدية والصائبة وأديان أخرى سابقة على اليهودية والمسيحية والإسلام، وبالاشتراك مع اليهود الوافدين إلى الأرض المقدسة فى فلسطين، بالسلاح والدعم الدولى المفتوح، هوية جغرافية مبتدعة هى «الشرق الأوسط».

كان لابد من طمس الهوية الأصلية والحقيقية للأرض وأهلها، حتى يمكن زراعة هذا الجسم الغريب الوافد إليها بقوة السلاح، والتأييد الدولى العارم الذى انشأ دولة إسرائيل بقرار فريد من نوعه فى مجلس الأمن الدولى... الذى لم يكن فيه أى ممثل للدول العربية التى كانت قائمة آنذاك.

وها هى «الدول» تتواصل وترتب اللقاءات مع «الأطراف المعنية» للبحث فى مستقبل هذه الدول العربية أو تلك، وهل تبقى موحدة بنظامها السياسى القائم، أم يُفرض عليها التقسيم بذريعة الخلاص من نظامها الذى يسهل الآن اتهامه بمختلف الأوصاف: الطائفى، المذهبى، السفّاح، الأقلوى، الديكتاتورى... إلخ..

مرة أخرى يُفرَض على العرب أن يُكتب لهم، وبدمائهم، تاريخ غير تاريخهم الأصلى، ومن خارج إرادتهم، يلغى تاريخهم ويهدد وجودهم ذاته..

إلا إذا حضر «العرب».. بعد غياب عن الذات قبل أن يكون غيابا عن الدنيا جميعا!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved