حصاد 2009: من فلسطين إلى اليمن مرورًا بالعراق: سنة عربية جديدة مكتوبة بدمائهم!

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الأربعاء 30 ديسمبر 2009 - 9:39 ص بتوقيت القاهرة

 هى سنة إسرائيلية بامتياز، تلك التى عشنا أيامها الأولى مطرزة بدماء أهلنا فى غزة هاشم بفلسطين، ونعيش أيامها الأخيرة وقد ساهمنا فى تبرئة الإسرائيليين من جريمة إبادة أسباب الحياة فيها، ثم منحناها حق الفيتو على المشروع الأمريكى الذى اعترف ــ مبدئيا ــ بحق هذا الشعب «بدولة» من غير أرض تقريبا فى المسافة الفاصلة بين مستوطنتين قائمتين فعلا وثالثة قيد الإنجاز ورابعة مرجأ العمل فى إقامتها ريثما يتم تدجين الرئيس الأمريكى باراك أوباما فيتخلى عن دور «المنقذ» متراجعا إلى دور «المبشر» العاجز عن تنفيذ تعهداته إلا.. بالصلاة من أجل الضحايا!

(1)

هى سنة إسرائيلية بامتياز.. وقد باتت إسرائيل الدولة العظمى فى منطقة سكانها عرب، لكنهم لا يملكون قرارهم، لا فى السلم ولا فى الحرب.. فالسلم أمريكى والحرب إسرائيلية، وهم ــ بمئات الملايين من أعدادهم ــ أقوام من المتخلفين الذين لا يعرفون لغة العصر، وهى القوة (اللهم إلا فيما بينهم!).

فأصحاب القرار فى شئون العالم اثنان لا ثالث لهما: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.. كل حرب أمريكية يقاد إليها العالم صاغرا، من العراق إلى أفغانستان، وبالعكس. وكل حرب إسرائيلية يشارك فى خوضها العالم أجمع، بشهادة حرب 1973، ثم ــ أخيرا ــ الحرب على غزة، وقد شارك فيها العالم أجمع، ليس فقط بصمت التواطؤ على المذبحة فى غزة فى مثل هذه الأيام من العام الماضى، بل كذلك بالمؤتمر الدولى فى شرم الشيخ الذى مسح الدم عن أيدى السفاح الإسرائيلى، بأوراق مشاريع الإنقاذ والتعويض وإعادة البناء، التى لم ينفذ منها حرف واحد، بل التى كتبت لحفظ ماء الوجه، ولتبرير الجريمة، اعتمادا على ضعف الذاكرة العربية وانعدام القدرة على القرار.

ولأنها سنة إسرائيلية بامتياز، فهى تشهد على النظام العربى، وهو يكتب بدماء رعاياه سيرة خروج العرب من الجغرافيا والتاريخ: يذهب إلى حروب أعدائه ضد أهله، فيمتنع عليه أن يكون شريكا فى الانتصار عليهم، وتفرض عليه ضريبة الهزيمة مضاعفة فيدفعها ثم ينظم القصائد فى تمجيد قراره الحكيم بابتداع الدور الجديد، الذى يحرمه من أن يكون حيا فيرجى أو ميتا فينعى.

صار الكبر عبئا على أصحابه من أهل النظام العربى فقرروا أن يتصاغروا ليعيشوا!

وصار النفط أقدس من القضية.. ومن أجمل حماية النفط تهون التضحية بالقدس وسائر فلسطين: «غدا نشتريها جميعا، ومعها القرار الأمريكى والأسطورة الإسرائيلية».. يقولون!

(2)

وهى سنة «عربية» أخرى تولد وقد غطى شهورها وأيامها الدم العربى مشرقا ومغربا وبين بين، وها هو يكتب، مع فلسطين وأهلها، بدماء الضحايا الكثر فى العراق والضحايا المكتومين فى السودان، والضحايا الأكثر فى اليمن السعيد ــ بجهاته جميعا، شمالا وجنوبا فتتجاوز الحدود مع النظام الذى تختلط فى قمته الجمهورية مع الإمامة، والديمقراطية مع المشيخة القبلية، وتتهاوى العصبية الكيانية لدى النظام الجمهورى ليشرك فى حربه على المعارضة المتهمة بإحياء الخلافة المملكة، التى لم تستخدم فى علاقتها مع اليمن، تاريخيا، إلا السيف.

هى سنة عربية ولدت قيصريا بالحرب الإسرائيلية على غزة، وقد اكتسبت شيئا من التوهج بقداسة الدم المراق غيلة فى المدينة التى يشكل اللاجئون من أهل الأرض الفلسطينية غالبيتها المطلقة، فأسقطت أكثر من خمسة آلاف شهيد وجريح، فيهم نسبة عظمى من الأطفال والنساء والشيوخ والمستشفيات والمدارس والجامعات تتقدمها مكاتب وكالة الغوث الدولية، شريان الحياة الوحيد الذى ما زال يربط هذا القطاع الذى معظم سكانه من اللاجئين لمرتين أو ثلاث بأهلهم فى الجوار والمحرم عليهم التواصل معه.

هى سنة «عربية» من سنوات النكبة الجديدة، بعد فلسطين ومعها، ممثلة بتمزق المزيد من الكيانات السياسية، التى كانت دولا قوية واعدة بمستقبل أفضل.. فيها العراق الذى باتت جنسيته قيد الدرس الآن! وفيها اليمن التى تتوالد فيه الأزمات السياسية المنذرة بالتحول إلى حركات انفصالية تدمر «النموذج»، الذى تحقق بالتضحيات الغوالى لدولة عربية تمكنت من استعادة وحدتها بالدم.. وها هى مهددة بأن تخسرها بالقتل الجماعى المجانى فى فتح مختلف جهاتها، على أيدى أهل نظامها وحلفائه الطارئين الذين طالما قاتلوه ولم يسلموا بوجوده إلا بعدما طمأنهم إلى أنه سيكون خليطا من الجمهورية الملكية والإمامة الديمقراطية والإمارة القبلية المرتبطة بحبل السرة مع مملكة العائلة المذهبة.

هى سنة عربية استثنائية حقا، وإن استمرت فلسطين عنوانها المتوهج، بل وسياقها المكتوب بدماء هذا الشعب المقهور بقيادته كما بمجموع الأنظمة العربية التى أضاعت قضيته فى لعبة الأمم التى تدخلها متباعدة، متباغضة، متآمر بعضها على البعض الآخر، وتخرج منها فى كل مرة بنكبة جديدة.

لا يكفى التنصل من العروبة والخروج عليها مبررا لاضطهاد الفلسطينى ومحاصرته بهويته التى باتت حملا ثقيلا على النظام العربى عموما، يريد شطبها بأى ثمن، بيديه تارة، وبالتواطؤ مع إسرائيل غالبا، وبفتح أبواب ديار اللجوء فى أقصى الأرض (النرويج ــ الدانمارك)، وبتسهيل انتشار الشتات فى أربع رياح الأرض (أمريكا، بشمالها وجنوبها، استراليا، أفريقيا).

المهم أن تنتهى القضية الفلسطينية ثقيلة الوطأة على النظام العربى.

لا يهم أن يشارك النظام العربى إسرائيل والدول العربية بالقيادة الأمريكية فى تصفية القضية بل لابد أيضا من تصفية الشعب، باعتماد هذا التوزيع للفلسطينيين كمجاميع بشرية وليس كشعب له أرضه الوطنية المحتلة، وله قضيته المقدسة، بحيث يصبح ثمة كثير من الفلسطينيين وليس من شعب فلسطين واحد أو موحد بقوة قضيته إن لم يكن بقوة انتمائه إلى أرضه المقدسة برغم توزعه أشتاتا فى أربع رياح الدنيا.

(3)

وبديهى أن تستمر فلسطين العنوان ومتن القضية، فهى تستعصى على الطمس أو التذويب، وإن كانت تتعرض لحروب عربية كثيرة غالبا ما فاقت الحرب الإسرائيلية شراسة وقسوة، خصوصا أن ظلم ذوى القربى اشد مضاضة.

ففى لبنان يطارد هذا الفلسطينى بشبح «التوطين».. فقد انتبه المتشددون فى حماية العرق فى لبنان، الذى يتكون شعبه ــ وبقرار دولى كان بين مبررات استيلاد دولته ثم بات من ركائز نظامه الفريد ــ من مجموعات من الأقليات العربية والدولية، متنوعة الدين والطائفة، متعددة العرق، إذ اتخذ ملجأ لكل من ضاقت به الأنظمة الحاكمة أو استهدفته الفتن الطائفية أو العرقية فى بلاده.

فأما الوضع فى الضفة الغربية فمعروف، وله مواصفاته الإسرائيلية الخاصة، بتواطؤ عربى ــ دولى معلن يضفى شرعية متوهمة على سلطة عاجزة وأسيرة وهذا من بين شروط أسرها فى الداخل.

وأما الوضع فى غزة فهو الجرح المفتوح الذى عجز الطب العربى عن معالجته.

غزة أرض محروقة، يعيش فيها أكثر من مليون ونصف المليون بائس فلسطينى، هم بأكثريتهم الساحقة من اللاجئين، الذين طردتهم إسرائيل من أرضهم الوطنية، مرة فى عام 1948 فصاروا تحت السلطة المصرية فى القطاع، ومرة ثانية فى عام 1967، فصارت أرضهم محتلة، وصاروا جميعهم أسرى.

فى لحظة قدرية محددة.. وضمن ظروف معلومة أفلت الخيط من «السلطة» ومن يدعمها فإذا حماس تفوز فى الانتخابات الشرعية، ويضطر أهل السلطة من فتح إلى تشكيل حكومة ائتلافية تحتل فيها حماس رئاستها والعديد من الوزارات إضافة إلى غالبيتها فى المجلس التشريعى.. وكان الصدام حتميا بين حماس التنظيم الذى يتقدم لوراثة فتح مسلحا بإيديولوجيتها ذاتها وبكونه ابنا شرعيا لمنطلقاتها الأصلية عند التأسيس (الشعار الإسلامى والارتباط التنظيمى بالإخوان المسلمين).. وكانت فتح، التزاما بشروط السلطة، حتى من قبل أن «تدخل» إلى الأرض المحتلة، قد تخلت عن الأيديولوجية، وعن التنظيم وصارت خليطا من الأفكار والمناهج والمصالح فيها شىء من أفكار الماركسيين المرتدين وشىء من القوميين العرب والبعثيين المتقاعدين، وبعض اللاجئين السياسيين الفلسطينيين من المنتمين إلى أديان ومذاهب أخرى.
لم تظهر مشكلة مع إسلاميى فلسطين فى سوريا، لأن نظامها قد استوعب من قبل الإخوان المسلمين فيها، ومن باب أولى أن يستخدم الإسلاميين الوافدين، خصوصا أن مصدر دعمهم الأساسى كان إيران (التى حلت محل السعودية الراعية الأصلية) وهى حليف لسوريا.

(4)

تبقى المشكلة مع مصر، وهى شديدة التعقيد، وشديدة الحساسية.. فالنظام المصرى ينظر إلى غزة على أنها موقع متقدم فى خط المواجهة مع الإخوان المسلمين، مما يجعله لا يقيم كبير الاعتبار لكونهم فلسطينيين. ثم إن أهل السلطة فيها على تحالف مع إيران. وإيران فى نظر النظام المصرى عدو. كما أنهم على صلة طيبة مع سوريا. وأهل النظام فى سوريا خصوم.. وعلى هذا فإن للنظام المصرى أسبابه الخاصة لمحاصرة هذه الفئة الخارجة عليه فى غزة. أنه يعتبر أنه يواجه مشروعا انقلابيا، ويواجه شعب فلسطين المفقر، المحاصر، الذى يحتاج إلى الخبز والدواء والكتاب والمياه والنور وسائر أسباب الحياة، مع السلاح وقبله، ومع السلطة وقبلها.

النظام المصرى يعتبر نفسه فى حالة حرب مع السلطة فى غزة ومن يدعمها. ولذلك فله أسبابه لحصارها، بمنطقه الأمنى الذى يغلب، فى هذه الحالة، على مشاعر الإخوة والتاريخ. وبالمنطق ذاته تصبح إسرائيل موضوعيا فى موقع الحليف.. وتصبح سلطة عباس ضرورة حيوية.. المهم منع الإخوان المسلمين من التمدد من قاعدتهم المسلحة فى غزة إلى مصر (عبر الصحراء، التى لا عمران فيها ولا حياة والممتدة لأكثر من أربعمائة كيلومتر).

على فلسطين أن تنتظر ما لن يكون..

أما إسرائيل فلها الأرض والبحر والفضاء، لها التفوق المطلق بالسلاح نوويا وتقليديا، وبالاقتصاد، حديثا وتقليديا، ولها المدى المفتوح بالسيف كما بالذهب والنفوذ الأمريكى والولاء العربى، المكين.

من أين يأتى السلام،إذن؟!

فلنستعد لسنة أخرى من سنوات الدم العربى المهدور، ولنكتب مرئيات المستقبل العربى الذى نغتاله بأيدينا،

وكل عام وأنتم بخير.. (مع الاعتذار عن هذه التهنئة البائسة بالعام الجديد!)

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved