مناقشة أولية لاتفاق الخرطوم

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الخميس 31 ديسمبر 2015 - 8:12 ص بتوقيت القاهرة

هل الاتفاق المبدئى الذى تم التوصل إليه فى الخرطوم بين مصر وإثيوبيا والسودان ــ عصر يوم الثلاثاء الماضى ــ بشأن سد النهضة الإثيوبى جيد أم سئ لنا؟.

المتوقع أن نشهد تهليلا واسعا للاتفاق من البعض، وتهوينا وانتقادا أوسع له من البعض الآخر، وكل طرف سيدعى أن رأيه هو الصواب الكامل.

هذا الاتفاق يشبه إلى حد كبير وثيقة المبادئ التى تم توقيعها بين البلدان الثلاثة فى 23 مارس الماضى فى الخرطوم .

وبالتالى يمكن القول، إن بنود الاتفاق الخمسة هى استمرار لنهج علاقة مصر وإثيوبيا المعقدة جدا. الوثيقة ليست جيدة جدا، وليست سيئة تماما، لكنها فى منزلة بين المنزلتين.

المؤكد أن هذا الكلام لن يعجب كثيرين من أنصار الحلول الكلية والجذرية وأصحاب نظرية « إما أن نأخذ كل شىء أو لا شئ».

أهم بنود اجتماع وزراء الخارجية والمياه بمصر والسودان وإثيوبيا هى الالتزام باحترام تنفيذ اتفاق المبادئ الموحد من جانب الدول الثلاث، ودفع مسار الدراسات من خلال اختيار مكتب شركة فرنسية جديدة هى «أرتيليا» بنسبة 30%، مقابل 70% لمكتب شركة ««BRL» الفرنسى أيضا ممثلا للجانب الإثيوبى. والتزام إثيوبيا بأن يتم الملء الأول والتشغيل للسد، بناء على الدراسات وليس قبلها.

وكذلك تشكيل لجنة فنية جديدة لبحث إمكانية زيادة عدد الفتحات فى السد، إضافة إلى استمرار عمل آلية اللجنة السداسية بين الدول الثلاث، وتكريس بناء الثقة عبر الدبلوماسية الشعبية.

مرة أخرى، هناك أوهام لدى البعض فى مصر بأن إثيوبيا يجب أن توقف بناء السد فورا وتعتذر لنا عما فعلته، مقابل أوهام أخرى لدى بعض الإثيوبيين بضرورة قطع وحجز المياه بالكامل عن مصر، لأنها لا تملك الحق فيها، وتستخدمها لحمامات السباحة فقط!.

عند مناقشة أى موضوع جاد لا يمكن الالتفات إلى هذه الآراء المتطرفة هنا أو هناك، كما لا يمكن استبعاد الظروف وموازين القوى الموجودة على الأرض، وكذلك أوراق الضغط لدى كل طرف، والقوة الشاملة التى يملكها.

وإذا طبقنا هذه المعايير على أرض الواقع، فسنكتشف أن التفاوض بين مصر وإثيوبيا بشأن السد، بل وملف المياه إجمالا، لن يقود إلى فائز أو خاسر بالضربة القاضية، لكن إلى ما يشبه الحل الوسط، وهو أمر لن يعجب المتطرفين والغوغائيين فى الجانبين.

لكن المهم فى كل الأحوال بالنسبة لمصر أن تبدأ من الآن فى فتح أوسع وأشمل حوار قومى ممكن فى كيفية تعظيم أوراقنا التفاوضية فى هذه المفاوضات، باعتبارها القضية الأهم لمصر الآن وفى كل وقت.

السد صار أمرا واقعا، ولم يكن ممكنا بالفعل منع بنائه لأسباب متعددة، لكن المهم أن نناقش بجدية الخطوات التى تمنع أن يضر بنا.

البداية هى زيادة وتعظيم علاقتنا مع إثيوبيا ودول حوض النيل فى سائر المجالات، على أن تكون لدينا مجموعة متنوعة من الخطط والبدائل والسيناريوهات فى حالة فشل التفاوض، لا قدر الله.

وفى كل الأحوال، علينا ألا نخسر السودان مهما كانت الظروف، وألا ننجر إلى معارك جانبية تبدو أحيانا شديدة التفاهة، لا يستفيد منها إلا أعداء البلدين.

علينا أن نشن أوسع حملة عربية وإقليمية ودولية تقول للجميع نحن نريد السلام والتفاوض للحفاظ على حصتنا من المياه التى لا نملك بديلا لها، لكننا لن نفرط فيها مهما كانت العواقب.

سوف تراعى إثيوبيا مصالحنا وحقوقنا عندما تدرك أن جبهتنا الداخلية متماسكة، والرأى العام مع الحكومة وليس ضدها فى هذه القضية، وكذلك معظم الدول العربية المؤثرة مثل السعودية والإمارات والكويت والجزائر، وكذلك الدول الكبرى، ومؤسسات التمويل الدولية.

خلاصة الأمر، المشوار طويل، ولن تحسمه جولة واتفاق هنا أو اجتماع ووثيقة هناك، بل هو نضال طويل يحتاج لتكاتف الجميع، لأن القضية لا تتحمل المناكفات والمزايدات الصغيرة والرخيصة، والفشل فيها ــ لا قدر الله ــ لن يضر الحكومة وحدها، بل الجميع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved