التعاطف أقوى غرائزنا

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 31 مارس 2010 - 9:35 ص بتوقيت القاهرة

 أحب كثيرا كلمة «أحسنت» التى يعبر بها الفرد فى تونس والمغرب عن شكره لجميل قدمته إليه أو كرم أفضت به عليه.

ولا أحب إطلاقا كلمات من نوع «ماشى» أو «وماله» التى نسمعها من أفراد فى مصر أكرمتهم أو أغدقت عليهم أو تعاطفت معهم وتوددت. أنت، عندما تشارك ببعض ما عندك من حب أو مال للتخفيف عن معاناة آخرين، فأنت لا تنتظر بالضرورة كلمة شكر. ولكنك تنتظر على الأقل «شهادة استلام».

بمعنى آخر تريد أن تتأكد أن ما تبرعت به عن رضاء وبنية طيبة وصل إلى الشخص المناسب وأن هذا الشخص يقدر أن ما فعلته ليس تأدية واجب أو أداء فرض. أما أن يأتيك الرد بكلمة ماشى أو وماله فهذا معناه أن الشخص الآخر لا يعرف معنى الخير أو الحب أو العطف وغير مستعد لممارسة التعاطف والتعاون. ستخرج، فى غالب الأمر، مثقلا بالذنب ظنا أنك لم تكن كريما بالقدر الكافى أو أنك أعطيت لمن لا يستحق.

لاشك عندى فى أن أطفالنا ينشأون معرضين لكثير من الضرر إذا لم يركز الأهل فى تربيتهم لهم على غرس ثقافة الاعتناء بالآخرين الاهتمام بشئونهم والتعاطف معهم إن ألم بهم شر أو مرض. هم أيضا معرضون لمشكلات عاطفية، بل ومهنية عديدة، إذا لم نكثر الأحضان والتدليل والتقبيل وتبادل اللمس كلما حانت الفرصة. أتصور أن أول واجبات الأهل خلق روح التعاون فى نفوس الأطفال ليشبوا مدركين أن نجاحهم فى الحياة يتوقف على قدر حبهم للمشاركة ورفع الظلم عن الآخرين ومساعدتهم على تجاوز الآلام والإحباطات. واجب الأهل أن يحثوا الأطفال على أن يشبوا «طيبين»..

****

عشت مطمئنا إلى هذه القناعة باعتبارها جزءا من منظومة قيم سعى الكثيرون من قدامى المربين ومن أجيال تندثر لنشرها، زاد اطمئنانى حين نمى إلى علمى أن «الطيبة» صارت موضوع علم من العلوم الحديثة. وأن بعض الجامعات الأمريكية اهتم به إلى درجة رفعه إلى مستوى تخصص تنشأ له مراكز بحثية رفيعة المستوى.

بحثت حتى عرفت أن المتخصصين فى هذا العلم يرفعون شعار «البقاء للأطيب» بديلا لشعار داروين «البقاء للأصلح»، وإن اعترفوا أن لا خلاف بينهم ونظريات داروين. بل يعلنون أنهم انطلقوا فى مشروعهم استنادا إلى مقولة داروين الشهيرة «التعاطف أقوى غرائزنا»، ويقررون إن الجنس البشرى نجح فى أن يتفادى المصير الذى توقعته نظرية التطور الداروينى عندما اختار سلوكيات تختلف جذريا عن سلوكيات أنواع أخرى من الكائنات حين احتفظ لنفسه بالطيبة والتعاطف والتعاون.

هؤلاء المبشرون بعلم الطيبة أقاموا فى جامعة بيركلى بكاليفورنيا «مركز علوم الطيبة الأعظم»، وانكبوا على دراسة المواقع فى مخ الإنسان وجهازه العصبى التى تختص بمشاعر الاعتناء بالآخرين والتعاطف معهم. وشجعهم على المضى قدما أن متخصصين من الشباب هما لاورا ساسلو وسارينا رودريجيز من جامعة ولاية أوريجون نشرتا دراسة أثبتا فيها مجددا أننا كبشر مؤهلون جينيا، أى بالوراثة، للتعاطف مع الآخرين، على عكس ما ذهب إليه عبر التاريخ علماء الصراع وبعض علماء الفقه الدينى، بينما اهتم باحثون آخرون بالتعمق فى فهم وظائف هورمون oxylocin الذى يفرزه مخ الانسان ومنها وظيفة تشجيع إقامة العلاقات الاجتماعية والعاطفية ولذلك استحق صفة هورمون التحاضن Cuddle Hormone.

وكانت دراسات أخرى نشرت تثبت أن إقامة علاقات اجتماعية وعاطفية أوفر تصنع حياة غنية بالصحة والعافية وفى الوقت نفسه حياة ذات معنى. كلنا نعرف ونقابل أفرادا «ناجحين» بالمعنى المادى للنجاح، ولكن قليلا منهم يعيش حياة لها معنى، وأكثرهم يكتشف هذا الأمر بعد فوات الأوان أو يكتشفه أقرباء لهم وأصدقاء من بعدهم.

ينتهى روب ويللر أستاذ علم الاجتماع فى جامعة بيركلى فى دراسته التى نشرت مؤخرا فى مجلة علم الاجتماع الأمريكى إلى أننا «كلما زدنا كرما زدنا نفوذا واحتراما». وأعتقد أن أغلبنا يتفق مع ويللر فيما توصل إليه، لأننا عندما كنا تلاميذ فى المدرسة الابتدائية كنا نلاحظ أن الطفل الذى يتقاسم غذاءه وحلواه مع زملائه فى الدراسة أو فى النادى أو فى الحى يحظى بشعبية كبيرة، وأن الطفل البخيل كالطفل الأنانى هو الأكثر انعزالا، وأن الطفل الذى ينشأ فى عائلة يأكل فيها الكبير نصيب الصغير ينتهى به الأمر شابا حقودا وعنيفا.

****

كتبت، من قبل فى هذا المكان عن علماء النفس الذين تخلوا عن دراسة الاكتئاب وأمراض عقلية أخرى وانكبوا، تحت عنوان، علم النفس الإيجابى، على دراسة مصادر التفاؤل وأسباب صمود الفرد ورفضه الاستسلام فى مواجهة الأزمات والمشكلات، وها أنا أراهم ينتقلون الآن إلى دراسة انعكاسات تفاؤل الفرد وحسن سجيته وطيبة طباعه على المجتمع الذى يعيش فيه، وينصحون بضرورة العمل على نشر الوعى بأهمية الاعتناء بالآخرين والتعاطف معهم، وإقناع الآباء والأمهات بالتوقف عن تنشئة أطفالهم على ثقافة التعلق بالماديات وأساليب العدوان والتنافس.

تقول كريستين كارتر مديرة مركز علم «الطيبة الأعظم» فى كتابها الصادر منذ أسابيع قليلة تحت عنوان «تنشئة السعادة: خطوات بسيطة من أجل أطفال أكثر ابتهاجا وأهالى أكثر سعادة»، إنها كلفت مئات الأشخاص بأن يقف كل اثنين منهما وبينهما جدار فاصل، وطلبت من كل منهما أن يدخل إصبعه فى ثقب فى الجدار ويلمس به جسد الشخص الآخر الواقف على الناحية الأخرى من الجدار، ثم طلبت منهما الاستمرار فى تبادل اللمس من خلال الثقب.

أما هى فكانت تقوم فى أعقاب كل تجربة بالقياس الطبى لتتأكد من أن ما يسمى بالعصب التائه ينشط نتيجة هذا اللمس المتبادل ويزيد ما يفرزه من هرمون التعاطف. اكتشفت أيضا أن النساء المشتركات فى التجربة أبدين فى البداية قلقا زال بعد قليل وحل محله تعاطف مع الشخص الآخر المختفى وراء الجدار. وقد أجريت تجارب أخرى أكدت النتائج نفسها، إذ لوحظ أنه عندما تقوم الفأرة بتدليل صغيرها وتلعقه بلسانها، تنخفض درجة هياج الصغير لانخفاض إفرازات الهرمونات الخلاقة للتوتر مثل هرمون الكورتيزول، وثبت أيضا أن المناعة ضد المرض لدى الفئران الصغيرة المتمتعة بالتدليل والاعتناء أقوى من مناعة فئران أخرى لا تحظى بالتدليل.

****

أطفال حرمتهم الظروف من الحنان والحب فلم يجدوا من يلقنهم الطيبة وواجب الاعتراف بالجميل والتعاون وتجنب العنف والأنانية وتقديس الذات، هم الآن، وقد شبوا، صاروا أكثرية تزدحم بهم دوائر الحكم والسياسة ومع أطفالهم وأطفال غيرهم ازدحمت بهم شوارع مصر، مصر التى تظهر أمامنا حزينة حينا ومتشائمة حينا وغاضبة فى معظم الأحيان.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved