عهد التميمى تقاتل إسرائيل والنظام العربى يقاتل فلسطين والعروبة

طلال سلمان
طلال سلمان

آخر تحديث: الثلاثاء 31 يوليو 2018 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

يكفينا شرفا أننا نعيش فى عصر عهد التميمى..
ولكن «أزمة المصير العربى» تتجاوز قدرات «عهد» وإمكاناتها..
ذلك أن النظام العربى، يجهد بالتواطؤ مع العدو الإسرائيلى، وتحت غطاء الهيمنة الأمريكية، لطمس القضية الفلسطينية، «قضية العرب المقدسة»، بالخديعة أو بالتآمر أو بالتوجه نحو الاستسلام المريح.
ولقد باتت هذه «الخطة» سياسية عربية رسمية، لا يهزها فيخلخل أركانها إلا الدم الفلسطينى الذى لا يكف عن تأكيد قداسة الأرض، بصمود الجيل الجديد فى فلسطين، ولو بلا سلاح فى وجه بطش العدو الإسرائيلى ووحشيته فى قمع أبسط مظاهر الاعتراض والاحتجاج، ولو من خلف «الحدود» فى غزه، وبالأسلحة البسيطة التى يمتلكها، أى الحجارة والطائرات الورقية التى تخترق فضاء الأرض المقدسة لتؤكد أن الأرض كانت لأهلها وستبقى مهما طال الزمن وطال معه غياب العرب بأنظمتهم.
المعادلة بسيطة أساسا: إذا التزم النظام العربى بشروط الهوية القومية فإن المواجهة الحتمية تغدو ممكنة والنصر فيها أكيد، أما إذا ذهب كل «قطر» عربى إلى حيث تقوده مصالح نظامه، فإن الكيان الإسرائيلى سيتحول إلى إمبراطورية عظمى تبتلع الدول العربية واحدة بعد الأخرى، وتحول رعاياها إلى عبيد وخدم يعملون لمصلحة مشروعها «الإمبريالى» فى الهيمنة على المشرق العربى والتحكم بقرار المغرب العربى.
وشروط المقاومة والصمود لتحقيق مثل هذا النصر التاريخى بسيطة بساطة «عهد التميمى» بدر المقاومة الفلسطينية وشمس الصمود العربى الممكن بالإرادة والإيمان ومواجهة العدو الإسرائيلى بقوة حقها فى أرضها التى كانت دائما أرضها..
***
لم يحرر أى شعب، فى أى مكان من العالم، أرضه بالخطابات الحماسية، مشفوعة باللقاءات السرية مع العدو والمساومات والتنازلات المتوالية عبر الوساطات الدولية التى تكون لصالح الأقوى.. مع شىء من الإشفاق على الأضعف.
ويحفظ التاريخ فى صفحاته الذهبية حكايات البطولة التى بذلتها مجاهدات لا يمكن نسيانهن وتجاهل دورهن فى تاريخ التحرر والاستقلال، لاسيما فى العقود الأخيرة من القرن العشرين وأشهرهن جزائريات بعنوان جميلة بوحيرد..
ولطالما افتدت المجاهدات وحدة الشعب ورصت الصفوف حول مطالبه المحقة فى الحرية والاستقلال وتوكيد الهوية الوطنية والمصير القومى تثبيتا لمصالح الأمة ومناعة موقفها فى مواجهة أعدائها والطامعين بأرضها وثرواتها والسيطرة على قرارها الوطنى.
المفجع أن الأنظمة العربية التى هجرت هويتها القومية منذ زمن طويل، والتى اندفعت تبيع القرار الوطنى لبلادها فى بازار المساومات الدولية، قد اندفعت إلى الاقتتال بعيدا عن الميدان الأصلى.
بالمقابل فإن إسرائيل التى زرعت بالقوة والخديعة، دوليا، والخيانة عربيا، تعلن نفسها اليوم «الدولة القومية ليهود العالم» بينما يهجر العرب قوميتهم التى يؤكدها التاريخ المشترك واللغة القومية والدين (بالغالبية الإسلامية والوجود المسيحى الفاعل والثابت فى التراث العربى، قديمه والحديث.. مع عدم إنكار الوجود اليهودى، فى المشرق والمغرب وصولا إلى الأندلس) وإسهام الأطياف جميعا فى هذه الحضارة العربية ــ الإسلامية، علوما وفنونا وشعرا وثقافة..
ولقد أغرت التنازلات العربية المتوالية والمتسارعة دولة مثل تركيا لأن تتقدم إحدى شركاتها الكبرى بعرض لبناء السفارة الأمريكية الجديدة فى القدس المحتلة، بينما لم تتوقف إسرائيل عن إهانتها (وكلنا يذكر صورة السفير التركى فى تل أبيب يجلس على كرسى منخفض فى مكتب بوزارة الخارجية الإسرائيلية، يستمع إلى تأنيب رسمى على موقف مؤيد لغزة، ذات يوم..).
باتت الوحدة العربية فى الأحلام..
***
وتبخر التضامن العربى، وحل محله الاقتتال بين العرب: من اليمن إلى سوريا، ومن العراق إلى ليبيا.. واندثرت جامعة الدول العربية بعدما تحكمت الدول الصغيرة (بقوة غازها) بقرارها، قافزة من فوق، أو مستهينة بقرار الدول المؤسسة لهذه الجامعة أو متحكمة به..
على هذا فقد بات مشروعا أن تسخر الدول الكبرى، بعنوان واشنطن، من تعابير مثل: المصالح العربية المشتركة، أو «القرار العربى» أو «الموقف العربى الموحد»..
من هنا، فإن الأيقونة «عهد التميمى» قد تثير الإعجاب والحماسة على الصعيد الشعبى، ولكنها بالمقابل تثير المخاوف لدى أهل النظام العربى، وقد تدفعهم إلى تسريع الخطوات نحو الخضوع بالكامل لدولة العدو الإسرائيلى، مثل الاعتراف بها وتبادل السفارات (التى يجرى العمل لإتمامها فى القريب العاجل).
***
ماذا تستطيع أن تفعل الأيقونة عهد التميمى فى هكذا مناخ عربى؟
ومع أن شعب فلسطين يقدم، فى كل يوم، نماذج جديدة، وغالبا غير مسبوقة فى التضحية والفداء والتشبث بالأرض والمقاومة باللحم الحى، إلا أن أهل النظام العربى يقدمون، كل يوم، المزيد من التنازلات للعدو الإسرائيلى مباشرة، أو عن طريق أمريكا دونالد ترامب.
لقد غرق النظام العربى فى التنازلات حتى لم يعد باستطاعته التوقف، وهو سوف يمضى قدما فى تقديمها للعدو الإسرائيلى المتمتع بالإسناد الأمريكى المفتوح، مقابل حماية هذا النظام ودوام استمراره.
إن النظام يشترى عمره بالأرض وكرامتها، والسيادة الوطنية وجلالها..
وعهد التميمى تميمة، وحافز، وجرس إنذار، ومنشد نداء الثورة، وأرغل فلسطين، والرمز المضىء أمام الأجيال العربية الجديدة..
والخوف أن ينجح أهل النظام العربى، بدءا بالسلطة الفلسطينية، فى توسل صورة المصافحة مع عهد التميمى للاندفاع أسرع فأسرع على طريق تصفية القضية الفلسطينية مشعلها العظيم الذى كان يسمى «العروبة» وسيبقى اسمه «العروبة»، وستبقى هذه «العروبة» أقوى من النظام العربى وأبقى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved