بالسكين.. راحت تمزق الألم

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 31 أكتوبر 2012 - 8:10 ص بتوقيت القاهرة

«شعبى يبحث عن السعادة مثله مثل  أى أمة مستقلة. لا يريد الرجل الأبيض لنا  أن نكون سعداء. استعدت من أراضينا هكتارا وزرعته، وقبل أيام من حلول موعد الحصاد فى أغسطس عام 2000 غطت السماء حوامات وسدت الطرق سيارات SUV تحمل عملاء الحكومة الفيدرالية، جاءوا  ليحرقوا الزرع ولم يغادروا إلا بعد أن تأكدوا أن الهكتار المزروع صار حقلا للنيران. تلك كانت تجربتى القصيرة مع الرأسمالية وامتحانا لسيادتنا».

 

 كان هذا بعض ما  ورد فى لقاء أجرته مجلة ناشيونال جيوجرافيك مع أحد شيوخ قبائل السيوكس فى كاليفورنيا. حكى الرجل  قصة شعب عاش على هذه الأرض مئات السنين قبل أن يغزوها الرجل الأبيض  ويحدد له مساحة لا يتجاوزها ويفرض عليه اتفاقية «فورت لارامى» الشهيرة. لم يهدأ شعب السيوكس. لم يستخدم القوة لاستعادة حقوقه، بل القانون. وفى عام 1980 حصل على حكم من المحكمة العليا بالتعويض (18 مليونا من الدولارات) وفائدة عن 133 عاما. رفض الشعب. يقول «الريشة البيضاء» شيخ القبيلة، كيف نقبل بالتعويض عن فقداننا «التلال السوداء»، وهى  أراض مقدسة لا تقوم بالمال. ألا يكفيهم وقاحة ان نحتوا وجوه عظمائهم على جبل رشمور Mount Rushmore، أقدس جبالنا».

 

●●●

 يستطرد الكاتب الذى سجل اللقاء قائلا: «جلست فى ظلال شجرة اسمع من الشيخ تاريخ كل غصن من أغصانها، فالغصن فى هذه الشجرة المقدسة يرمز إلى عشيرة، وكل عشيرة لها رواية. عرفت منه أن الشعب، شبابا وشيوخا، يعود إلى الأرض. هناك أمامى على سطح الهضبة يمارس الشعب رقصاته الدينية، وبخاصة رقصة الأشباح.. بعدها يشعر الناس جميعا أنهم صاروا أقرب إلى أرواح أجدادهم.. هناك وعند الفجر يشعرون جميعا شعور الهائمين فى الهواء، يمدون يدهم ليلمسوا نجم الصباح».

 

قال الشيخ: «جربوا معنا الإبادة والاندماج القسرى وخرقوا كل اتفاقية وقعناها معهم. أخذوا الأحصنة. حرموا علينا النطق بلغتنا. منعونا من إقامة شعائرنا واحتفالاتنا الدينية.  ولكن عدنا. وفى ديسمبر 2009 اعتذر أوباما لنا رسميا.. أنقذتنا لغتنا. لولاها لتحولنا جميعا، جميع الهنود الحمر، إلى قتلة. ولكن لغتنا الجميلة والرقيقة والسلمية لغة تخلو من الكره والحقد».

 

سأله الكاتب: لماذا تنتحر الفتيات الهنديات أكثر من الرجال. أجاب: كلنا فى خطر دائم، خطر أن نفقد ذواتنا. نناضل  للحفاظ على الهوية. أيامنا نضال  نخسره أحيانا، وحين نخسر يسقط الرجال شعورهم بالفشل والعجز على النساء، فينتقل إليهن الشعور بأنهن لا يساوين شيئا، و يسقطنه بدورهن على الأطفال. لذلك ينتحر الأطفال وبخاصة الفتيات. المرأة فى مجتمعنا ضحية كالرجل ولكن أكثر.

 

●●●

 

 ودع الكاتب شيخ القبيلة، «الريشة البيضاء»  ليتحدث مع مارتينيز، إحدى السيدات اللاتى حاولن الانتحار وهن فى عمر الزهور.  قالت «نعم حاولت الانتحار لأننى أردت أن أمزق بالسكين آلامى الفظيعة». ما أروع العبارة وأقساها. استطردت بعدها  قائلة: «هناك فى سجن الرجل الأبيض قتلت الهندية المقهورة التى عاشت فى داخلى، وخرجت  من السجن امرأة هندية حرة. الآن، نعيش على أرضنا أحرارا.. نرفض التعويض، ولكن نذهب إلى الهضبة  لنرقص مع الأشباح ونتواصل مع أرواح أجدادنا». يسجل الكاتب أنه لاحظ أن مارتينيز رفعت على باب بيتها العلم الأمريكى ولكن مقلوبا. المعروف فى أمريكا  أن العلم لا يرفع مقلوبا  إلا فى حالات الخطر الداهم أو الكارثة المحققة. «رفعته مقلوبا لأؤكد أننا سنستمر فى النضال لمواجهة خطر سرقة هويتنا».

 

  ●●●

 

 استوقفت الكاتب على شرفة مدخل البيت وهى تودعه لتقول له بلغة اللاكوتا الناعمة:  «أكتب ما يلى: أكتب أنه عندما تطفأ جميع الأنوار إلى الأبد، سيكون شعبى هنا يستخدم أساليبه العتيقة  ليحيا. نحن هنا باقون».

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved