قرن على الحرب العالمية الأولى


صحافة عربية

آخر تحديث: الأحد 31 ديسمبر 2017 - 9:05 م بتوقيت القاهرة

نشرت صحيفة الاتحاد الإماراتية مقالا للكاتب «حازم صاغية» جاء فيه، سوف ندخل بعد أيام قليلة فى عام 2018، وهو العام الذى ستحل فيه الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى بعد أربع سنوات من القتل والدمار اللذين أوديا بقرابة 10 ملايين إنسان.
تلك الحرب كانت فعلا الأولى لجهة اتساعها الجغرافى الذى منحها تسمية «العالمية»، وكذلك لجهة الاستخدام الموسع والمتطور للأسلحة التى أنتجها العصر الصناعى. لكنْ بما أن الضد بالضد يُذكر، فهى افتتحت، لأول مرة فى التاريخ، تحول العالم إلى جسم عضوى واحد ومتماسك، انطلاقا من بؤرته الصناعية الأوروبية. وهذا ما كان بالضرورة من نتائج الاستعمار بإيجابياته وسلبياته فى آن واحد. فإذا كان العنف، وصولا إلى الحروب على السكان «الأصليين» أو حروب التنافس بين المستعمرين على المستعمرات، أولى السلبيات وأفدحها، فإن الإيجابيات تشمل امتداد أوروبا، بإنتاجها الاقتصادى والتقنى الأدائى، كما بأفكارها، إلى أقصى زوايا كوكبنا.
بيد أن الحقبة التى افتتحها نشوب الحرب العالمية الأولى، ومن ثم نهايتها، يمكن وصفها بنهاية الإمبراطوريات وعصرها. فلم يكن من الصدف أن الإمبراطورية الهبسبورجية النمساوية المجرية ولت إلى غير رجعة لتحل محلها الدول ــ الأمم الصغرى التى تفرعت عنها فى أوروبا الوسطى. إلى ذلك، ففى الجنوب انهارت الإمبراطورية العثمانية بعد عقود من عيشها المترنح بوصفها «رجل أوروبا المريض». وهنا أيضا، بدأت تنشأ الدول ــ الأمم برعاية الانتدابين البريطانى والفرنسى بديلا عن سلطنة بنى عثمان. أما إلى الشرق فتداعت إمبراطورية عريقة أخرى هى دولة آل رومانوف فى روسيا، إلا أن الثورة البلشفية التى كانت قد انتصرت قبل عام واحد، ما لبثت أن أعادت إنتاج تلك الإمبراطورية بقالب مختلف هو الذى عُرف بالاتحاد السوفييتى. وبسبب ذلك تم تجميد التاريخ فى هذه الإمبراطورية الأخيرة إلى أن تفكك الاتحاد السوفييتى، فى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، فتفجرت تباعا الولادات المتأخرة للدول والقوميات المكبوتة.
لكن التاريخ ــ على ما تعلمنا التجارب الكثيرة ــ يخلق المشكلات فيما هو يحلها. وفى هذا المعنى، أتت نهاية الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من صلح فرساى لتؤسس لانفجارات كبيرة لاحقة. ففى أوروبا كان التعاطى مع ألمانيا التى هُزمت فى الحرب الأولى مثلها مثل الإمبراطورية الهبسبورجية، حادا ومهينا، على النحو الذى سمح لهتلر وحزبه النازى بالاستثمار فى الشعور الألمانى بالمهانة والإذلال مع ما رافقهما من انهيار اقتصادى مريع.
وفى الشرق الأوسط أنشئت كيانات بدا لاحقا أنها لا تتناسب مع الرغبات التى حاصرتها من موقعين: موقع الانشداد إلى التكوينات القرابية الصغرى (طوائف، إثنيات.. إلخ)، وموقع التعلق بالروابط الإمبراطورية القديمة التى تكنت مرة بالإسلام ومرة بالعروبة. ولئن نشأت أنظمة توسع الفوارق الموروثة عن التاريخ وعلاقاته بدل أن تعمل على تضييقها، كان لإنشاء دولة إسرائيل فى عام 1948 أن فاقم التناقضات جميعا فى منطقة حديثة النشأة بالمعنى السياسى.
لقد استدعت المشكلة الألمانية نشوب حرب عالمية أخرى (1939 ــ 1944) بلغت كلفتها هذه المرة 50 مليون قتيل ودمارا من نوع فلكى. أما منطقتنا، بحروبها ونزاعاتها الكثيرة والمتقطعة، فلم تستقر حتى اليوم على قرار. وربما كان لظاهرات كتكاثر أنظمة الاستبداد العسكرى ونشأة «داعش» فى العراق وسوريا، واستعصاء التغلب على النزاع الإسرائيلى الفلسطينى (وجزئيا العربى)، «فضل» تنبيهنا إلى المسافة التى لا تزال تفصلنا عن الاستقرار فى الدول الأمم الحديثة والقابلة للحياة.
لقد انقضى قرن على انتهاء الحرب العالمية الأولى حُلت خلاله مشاكل كثيرة فيما بقيت وتعاظمت مشاكل أخرى. وقد يكون من المستبعد اليوم أن تنشب حرب «عالمية»، لكنْ من شبه المؤكد أننا نعيش، وسوف نعيش، حروبا متفاوتة الطبيعة والحجم، بينما يبدو العالم أضعف من أى وقت سابق فى قدرته على وقفها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2018 ShoroukNews. All rights reserved