الأربعاء 21 نوفمبر 2018 11:14 م القاهرة القاهرة 22.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

رجل تحت الصدمة

نشر فى : السبت 1 مارس 2014 - 9:05 ص | آخر تحديث : السبت 1 مارس 2014 - 9:05 ص

فاجأته الرئاسة بغير قدرة على تحمل مسئوليتها ونزعت عنه بغير تحسب لتداعيات فشله فيها.

فى الحالتين بدا رجلا تحت الصدمة.

صدمة السلطة أسلمته إلى الاستغراق فى مظاهرها وأسلم هو مهامه إلى الجماعة التى ينتسب إليها.

وصدمة الخروج أفقدته اتزانه النفسى وبدت مشاهده فى المحاكمات داعية لمشاعر متداخلة من السخرية والشفقة.

لا يستوعب الوضع الذى بات عليه محبوسا خلف قضبان. ينكر الحقائق حوله لكنها تصدمه من وقت لآخر. يتذكر صور سلفه «حسنى مبارك» ويطلب ألا يكون نفس الرجل راقدا على سرير طبى مطيعا لإجراءات محاكمته لكن انفعالاته العصبية تخذله وتنال منه بقسوة، يحاول أن يؤكد زعامته لأنصاره فتفضى مبالغاته إلى ما يسىء إليه.

تحت الصدمة خاطب قاضيه: «أنت مين يا عم؟». وفى العبارة حالة إنكار كاملة لرجل لا يصدق أنه فى محاكمة نقلته إليها طائرة خاصة من سجنه تحت حراسة مشددة، ولا أن الإدعاء العام يوجه إليه اتهامات خطيرة. هو «الرئيس» لكنه يفاجأ بأن القاضى يخاطبه باسمه دون صفته. شىء من الانفصال المؤقت عن الواقع لكنه سرعان ما يعود إليه وتبدو على وجهه مشاعر متضاربة لرجل معذب لا يقدر على قراءة ما حوله.

هاجس المشير «عبدالفتاح السيسى» ماثل أمامه فى المحاكمات قائدا لـ«انقلاب» أطاحه ورئيسا قادما إلى مكتبه فى «الاتحادية».

قال إنه هو الذى صنعه وإنه سيحاكمه بلا رحمه.

كأن القصة كلها تتلخص فى صراع شخصى مع رجل آخر دون استيعاب للأسباب الحقيقية التى أفضت إلى ما وصل إليه.

وكأنه يمكن أن يعود لـ«الاتحادية» من جديد رئيسا صلاحياته تخوله عزل وزير الدفاع ووضعه فى المكان الذى هو فيه الآن.

قصة الرجلين ليست على ما توحى به عبارات رجل تحت الصدمة.

بعد تنحية الرئيس الأسبق «مبارك» عن السلطة وإمساك المجلس العسكرى بمقاليدها اتسعت دائرة الاتصالات مع جماعة الإخوان المسلمين اعتقادا أن التفاهمات معها تساعد على عودة الاستقرار إلى الشارع والاقتصاد إلى حركته والدولة إلى وظائفها. الإدارة الأمريكية دعمت التفاهمات وما تبقى من مؤسسات دولة رأتها وسيلة ضرورية لوقف تدهورها على ما كان يعتقد رئيس المخابرات العامة اللواء الراحل «عمر سليمان».

الاتصالات مضت على مستويين، أحدهما علنى والآخر سرى. كان «محمد مرسى» عضو مكتب إرشادها وممثلها السياسى فى الحوار مع المجلس العسكرى.

بهذه الصفة حاور اللواء «عبدالفتاح السيسى» مدير المخابرات الحربية فى مكتبه بضاحية مصر الجديدة هو وشخصيات قيادية أخرى من الجماعة أبرزهم رجلها القوى «خيرت الشاطر» ورئيس مجلس الشعب السابق «محمد سعد الكتاتنى» والمرشد العام نفسه «محمد بديع».

قبل الإعلان الرسمى عن نتائج الانتخابات الرئاسية خيمت أجواء ريبة وتساؤلات مستقبل لدى الأطراف كلها. وفى محاولة لاستكشاف المواقف الأخيرة جرى اجتماع استثنائى بتوقيته وموضوعه وشخوصه فى مكتب مدير المخابرات الحربية. ضم «مرسى» الرجل الذى يوشك أن يعلن رئيسا والثلاثة الكبار الآخرين «بديع» و«الشاطر» و«الكتاتنى» إلى خمس قيادات عسكرية هم الفريق «سامى عنان» رئيس أركان القوات المسلحة والفريق «عبدالعزيز سيف الدين» قائد الدفاع الجوى والشخصية الثالثة فى المجلس العسكرى واللواء «محمود نصر» مساعد وزير الدفاع للشئون المالية واللواء «عباس كامل» أقرب معاونى مدير المخابرات الحربية واللواء «السيسى» نفسه.

فوجئ العسكريون أثناء الاجتماع برئيس أركان الجيش والرئيس القادم من صفوف الإخوان المسلمين يقرآن الفاتحة على الوفاء والإخلاص.

بعد أسابيع قليلة أطاح الرئيس الجديد بالمشير «محمد حسين طنطاوى» الذى كان يصفه بـ«أخويا الكبير» وبنائبه الذى قرأ الفاتحة معه!

لم تكن الجماعة ولا رجلها فى «الاتحادية» على ثقة فى «عنان». تعاملوا معه عن قرب ووظفوا طموحه قبل أن يطيحوه. اللعبة ذاتها يحاولون تكرارها الآن فى توظيف طموح رجل للسلطة.

باليقين فإن الرئيس السابق «مرسى» هو الذى اختار اللواء «السيسى» أصغر أعضاء المجلس العسكرى سنا لوزارة الدفاع. لم تكن مسألة شخصية بقدر ما كانت رهانا على حقائق المؤسسة العسكرية فقد كان اسمه مرشحا بقوة لخلافة المشير «طنطاوى» من داخلها.

صعود «السيسى» يعود موضوعيا للمؤسسة العسكرية ورسميا لـ«مرسى» الذى أصدر القرار.

كان اختياره دون غيره رهانا على تجنب أى صدام محتمل مع المؤسسة العسكرية عند إزاحة قائديها الكبيرين غير أن رهانات أخرى تبدت فى المشهد، فالوزير الجديد اسم أسرته «السيسى» له رنين خاص فى تاريخ الجماعة وتدينه لفت الانتباه إليه وربما لاحظت قيادات الجماعة فى ترددها على مكتبه أنه يكاد لا يشرب «الشاى» أو «القهوة» ويمسك «شوكة الطعام» بيده اليمنى.

الحقائق الناقصة أفضت إلى رهانات خاطئة. نظرت الجماعة إلى تدينه واسم عائلته وغضت البصر عن قوميته وتأثره بـ«جمال عبدالناصر».

فى عشاء ضم رجال أعمال فى بيت «حسن مالك» على شرف «خيرت الشاطر» فى الربع الأول من عام (٢٠١٣) تحدث الأخير مسهبا عن المجموعة القيادية الجديدة فى الجيش.

قال إنها «أكثر تماسكا من المجموعة السابقة»، وأن وزير الدفاع معجب بـ«جمال عبدالناصر» لكنه لا يمثل تحديا للجماعة والأمور سوف تستقر بالوقت.

قراءة «الشاطر» انتزعت الرجال من السياقات، فمن اليوم الأول لتولى «السيسى» وزارة الدفاع وجد نفسه أمام سلسلة لا تتوقف من المشكلات المتداخلة، بعضها يتعلق بالأمن القومى الذى أهدر على نحو خطير فى سيناء ومنطقة قناة السويس وعلى الحدود فى حلايب وشلاتين وفى المعالجة العشوائية لقضية مياه النيل، وبعضها الآخر يتعلق بالمؤسسة العسكرية والتحرش المنتظم بها واحتمالات تقويض مؤسسات الدولة كلها.

بـ«السيسى» أو بدونه فإن التدخل كان اضطراريا ويحسب له أنه تحمل مسئولية إنقاذ البلد لمنع احتراب أهلى يفضى أن تكون المؤسسة العسكرية جزءا من الفوضى وطرفا فيها لا مدخلا إلى مستقبل يحفظ البلد ويصونها.

فى يومه الأول على رأس وزارة الدفاع وجد نفسه فى حرج بالغ أمام الجيش وأمام نفسه واحتفالات الجماعة بإطاحة المشير «طنطاوى» تبالغ فى التعريض وتسوق «مرسى» كأنه «سادات جديد».

بعد يومين وجد نفسه مرة أخرى فى مسرح الجلاء و(١٢٠٠) ضابط الدموع فى عيونهم والتساؤلات المكتومة تخيم على المكان.

فى اليوم الأول طلب من «مرسى» وقف التظاهرات الاحتفالية لأن مردودها سلبى على الجيش وفى اليوم الثالث استقر فى وجدانه أن واجبه يحتم عليه الحفاظ على أمانة الجيش مهما كانت العواقب والمخاطر.

لم يكن موقفه سلبيا من «مرسى»، حاول أن يساعده، غير أن التحرشات المنتظمة بالجيش بدأت تقلقه وتطرح سؤالها عما إذا كان بوسعها أن تصمت على انهيار محتمل فى الدولة.

فى أزمة الإعلان الدستورى حاول أن يساعد فى حلحلتها وأقنع الرئيس السابق بحوار مع قيادات «الإنقاذ» للتوصل إلى حلول سياسية، وافق «مرسى» على استضافة القوات المسلحة للحوار غير أن «الشاطر» أوقف قراره، وبدا الرئيس أمام جيشه رجلا لا يملك قراره.

كانت أحداث بورسعيد ذروة افتراق الطرق، فرض الجيش الأمن دون صدام مع الأهالى وتصرف على غير النحو الذى طلبه «مرسى». بدت صورة الرئاسة مهزوزة وتعززت مكانة الجيش مرة أخرى بعد تجربة المرحلة الانتقالية المريرة وأخذت قطاعات واسعة من الرأى العام تراهن على قائده الذى لم يسبق لها أن استمعت إليه.

حاول بقدر ما يستطيع أن يضبط التفاعلات داخل الجيش غير أن «مرسى» خذلته قدراته، لم يستوعب الموقف ولا خطورته ولا حاول أن يتصرف كرئيس للمصريين جميعهم وراهن على سلاح جماعته وتأكيد الإدارة الأمريكية أن الجيش لن يتدخل مهما بلغت تظاهرات (٣٠) يونيو وامتنع عن اتخاذ أية خطوة تحلحل الأزمة وفتح المجال واسعا لإطاحته وأن يكون حيث هو الآن خلف القضبان يقول «أنا الرئيس»!