الأحد 23 سبتمبر 2018 1:22 م القاهرة القاهرة 30.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الرجل الذى خذل قضيته

نشر فى : الإثنين 1 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 1 أبريل 2013 - 8:00 ص

كان صوته مسموعا فى الحياة العامة وهيبته تسبقه إلى محافلها، فهو «العقل المدبر» لما يسمى بـ«تيار استقلال القضاء» وشجاعته تذكيه عند الأجيال الجديدة من القضاة.. بدا امتدادا لرجلين كبيرين، هما: المستشار «ممتاز نصار» رئيس نادى القضاة الذى تعرض لمحنة (١٩٦٨) والمستشار «يحيى الرفاعى» الذى حمل راية فكرة استقلال القضاء من بعده.

 

كانت لديه نفس الفكرة التى تبناها أستاذه «الرفاعى» من أن وزير العدل الأشهر على عهد «حسنى مبارك» المستشار «فاروق سيف النصر» أخطر من سلفه المستشار «محمد نصير» الذى تنسب إليه وقائع «مذبحة القضاة» عام (١٩٦٨).. غير أن تجربته على ذات المقعد أخذت من الأول وسائله فى تمكين «المقربين» من مؤسسة العدالة وجوائزها وأخذت من الثانى خشونة الصدام.

 

التجربة بذاتها صادمة ونالت من تاريخه وصدقيته واحترام التيار الذى انتسب إليه.. وبدأ كثيرون يسألون: «هل تعرضنا لخديعة؟».

 

السؤال فى محله تماما، فما كان يعرف بتيار استقلال القضاء ناقض قضيته وخسر تاريخه.. والمستشار «أحمد مكى» نفسه دخل من موقعه الوزارى طرفا مباشرا فى أزمات تغول السلطة التنفيذية على أعمال القضاء، التى وصلت إلى انقلابات رئاسية على الأحكام القضائية والتحرش المنهجى بمؤسسة العدالة بما استدعى اضرابا عاما لا مثيل له فى التاريخ القضائى المصرى شاركت فيه محكمة النقض نفسها.

 

تبدت ذروة الصدام فى حصار المحكمة الدستورية العليا لمنعها من نظر دعاوى أمامها وإصدار إعلان دستورى قوض السلطة القضائية وأضفى صلاحيات شبه إلهية على رئيس يصف نفسه بأنه مدنى ومنتخب دون ان يحتج أو يعترض أو يستقيل احتراما لتاريخه الذى كان.. بل شارك بدور وافر فى قصة النائب العام وتعقيداتها والفوضى التى صاحبتها وما يمكن أن تسفر عنها من تداعيات تنال من سلامة النيابة العامة، فالمستشار «طلعت عبدالله» من مقربيه، وينتمى إلى ذات التيار، هو الذى ذكاه، وهو الذى أقنعه بالتراجع عن استقالته عندما قدمها تحت احتجاجات رجال النيابة العامة، وهو الذى دعاه إلى التمهل فى اتخاذ أى قرار قبل الطعن على الحكم امام محكمة النقض والبقاء فى منصبه.. ومسئوليته تنصرف إلى الخلل الفادح فى مؤسسة العدالة وسعى السلطة الحاكمة لتوظيفها فى صراعاتها السياسية، وفى التصرف على هذا النحو محنة عدالة تتفاقم ومذبحة قضاة تخيم.

 

المأساة هنا أنه انكب لسنوات طويلة على البحث فى وقائع «مذبحة القضاة» والتوثيق لها، فإذا به عند اختبار السلطة يرتكب أخطاء أخطر وأفدح على بنيان العدالة من التى ارتكبها أسلافه.

 

إن كلامه المتواتر عن طلب الإعفاء أو الرغبة فى الاستقالة ودعوته لإلغاء وزارة العدل نفسها ينطوى على أزمة يستشعرها تضغط على أعصابه، لكنه لا يتصرف بالطريقة التى تساعده على الخروج منها، ويغضب من موجات النقد التى يتعرض لها.. أو من أن الذين يقودون الحملة عليه هم أنفسهم الذين رفعوه فوق أعناقهم.

 

اختلفت التصورات وافترقت الطرق ولم يعد هو نفس الرجل.. لا «الأب الروحى» لفكرة استقلال القضاء.. ولا المدافع المأمول عن الحريات الصحفية.. والقضيتان كانتا متلازمتين عنده.. فاستقلال القضاء ضمانة لحرية الصحافة.. وحرية الصحافة ضمانة لاستقلال القضاء على ما كان يقول، وعباراته كانت بليغة وملهمة.

 

لم يكن يكتب مقالات فى الصحف، وله مقال وحيد منشور فى جريدة «العربى» قبل سبع سنوات بالضبط عنوانه: «القضاء والصحافة».. والمقال بنصوصه وثيقة دفاع مجيدة عن القضيتين معا: استقلال القضاء وحرية الصحافة.. وكانت شخصية الشيخ «محمد عبده» ماثلة أمام كاتبه، فهو عنده أول من نادى باستقلال القضاء وأول من أسس صحافة الرأى.

 

فى القضية الأولى كتب تقريرا عن إصلاح المحاكم عندما كان مستشارا فى محكمة الاستئناف الأهلية ومفتشا قضائيا قال فيه إن «زمام القاضى ينبغى أن يكون فى يد مجتمع إخوانه»، والإمام «محمد عبده» يقصد بإخوانه هنا «رجال المحاكم» لا «الأهل والعشيرة». العبارة بنصها تأثر بها «عبدالعزيز باشا فهمى» مؤسس محكمة النقض ووردت فى ديباجة مشروع قانون لاستقلال السلطة القضائية على عهد الرئيس السابق «حسنى مبارك»..

 

فى القضية الثانية شارك «جمال الدين الأفغانى» تحرير مجلة «العروة الوثقى» وبلغت حدة النقد فيها مدى غير مسبوق.. وفى تأثره بشخصية «محمد عبده» انفتاحا على الفقه الإسلامى والتجديد فيه، لديه لمحة من فلسفة فى رؤيته للتاريخ، يطالع «طه حسين» ويستمع إلى «أم كلثوم» و«عبدالوهاب»، لم يكن سقيم الوجدان ولا متزمتا دينيا، قريب فكريا من التيار الإسلامى، لكنه لم يكن جزءا منه أو من ضمن «خلية إخوانية نائمة» على ما تقول التكهنات فى تفسير التحولات.

 

ما الذى جرى إذن؟

 

فى مقدمة مقاله استخدم كلمة «الترويع» فى الإشارة إلى عودة حبس الصحفيين فى قضايا النشر بذلك الوقت، وهو الآن على مقعد وزير العدل يشهد أمامه أوسع عملية استدعاء للصحفيين والإعلاميين إلى جهات التحقيق بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، وبعض الاستدعاءات تجرى ضبطا وإحضارا، ويبدو أن النائب العام مستعد أن يرادف الاتهامات التى تلاحق الصحفيين بأنهم «سحرة فرعون» بالتنكيل المنهجى.

 

فى مقاله الذى تقادمت عليه السنوات: «إن حرية الكلمة هى المقدمة الأولى للديمقراطية وإن استقلال القضاء هو الضمان الأخير لها».. و«لا يوجد أخطر على الحقيقة ولا على وعى الناس من صحفى غير حر ولا يوجد أخطر على حريات الناس من قاض غير مستقل»، لكنه لم يلتزم بتلك المعايير عندما آلت إليه وزارة العدل، دخل فى تحرشات مع الصحافة، وخذلته عباراته، وبدا فيها فى غاية الضيق من النقد الموجه إليه كوزير مسئول فى لحظة تحولات وانقلابات سياسة، حتى لو تورط فى قضية الشهيد «محمد الجندى»، وما قاله بنفسه من أن وزير الداخلية طلب منه أن يعلن أنه لقى حتفه دهسا تحت سيارة لا تحت وطأة التعذيب على ما أكد تاليا تقرير للطب الشرعى.. وهذه مسألة ضمير قاض عليه أن يقول الحقيقة، وأن يبرئ ذمته من الدم، قبل أن يستقيل كاشفا حقيقة ما جرى فى فترة توليه وزارة العدل.

 

هو من كتب بخط يده أن «نقد الحكام واجب وطنى».. وأن «هذا الواجب له خصوصية فى بلاد العالم الثالث التى لا تعترف بتداول السلطة، والتى يعتقد فيها كل صاحب سلطة أنها أعطيت له ليمارسها على هواه، وليس لحساب الناس وتحت رقابتهم».. و«ما يضمن سلامة البناء الوطنى هو واجب حتى لو شابه بعض التجاوز» مستندا إلى عبارة بليغة للمستشار الجليل «وجدى عبدالصمد» فى كلمة ألقاها أمام الرئيس الأسبق «أنور السادات» فى (١١) أكتوبر (١٩٨٠): «إن النقد متى كان متصلا بالشئون العامة لا بأس من الشطط فيه أحيانا.. وإن الرجل العام يجب أن يسلم بأن التصدى للمسئولية الجسيمة معناه أن يحكم عليه بعض الناس وهم فى حدود حسن النية حكما مبناه إساءة الظن فيه نتيجة القلق الطبيعى على ما يعتقدون أنه حيوى بالنسبة لهم».. وبعباراته هو فإن: «إساءة الظن بالشخصيات العامة واجب وطنى».. وأن «الشطط فى النقد لا بأس به، فهو خدمة جليلة للوطن والحكام معا، تذكر أصحاب السلطة بأنهم بشر وأنهم يخضعون فى مباشرة مهامهم للرقابة والنقد». الشطط فى النقد هو من طبيعة الحرية ويستدعى بطبيعته الحوار والقبول بالخلاف فى الرأى لا الذهاب بالصحفيين إلى وراء أسوار السجون، ومشكلته أن تصريحاته ضد حبس الصحفيين فى قضايا النشر راحت أدراج الرياح عندما صعد لكرسى الوزارة.. وهو الذى كتب بخط يده أن «الصحفى هو عين الشعب التى يتابع من خلاله أحواله ومدى اتباع الإدارة التى اختارها لقيمه ومدى حرص هذه الإدارة على مصالحه».. و«يستحيل أن تتوافر الديمقراطية إلا إذا كان تغطية الصحافة للأخبار شاملة» مسجلا حكما تاريخيا لمحكمة النقض صدر عام (١٩٤٦) يقضى باحترام حق الصحافة فى النشر «فالصحفى حين يقوم بهذا العمل فإنما هو مكلف بخدمة عامة فحكمه حكم الموظف لا يسأل إلا إذا ثبت سوء نيته».. و«يكفى أن يكون الصحفى معتقدا فى ضميره صحة الخبر حتى يعد صادرا عن سلامة نية وأن يكون قد قدر الأمور تقديرا كافيا شأنه شأن الموظف الذى يدرأ عنه المسئولية أن يرتكب جرما وهو يعتقد مشروعية فعله متى كان اعتقاده هذا مبنيا على أسباب معقولة».. وفى دفاعه المتصل عن حرية الصحافة فى مقاله النادر يكتب أن محكمة النقض تعلمنا فى حكم صادر عام (١٩٤٢) «أن من واجب القاضى عندما يصدر حكمه أن يتخيل أنه حل محل المتهم فيقدر الظروف والملابسات، التى ارتكب فيها المتهم خطأه، فإذا كان فى حالة انفعال وثورة نفسانية فجمح لسانه.. أو زل بيانه وأنزلق إلى عبارة تتضمن عيبا فى الذات الملكية فإنه لا يعاقب». فى عهده وزيرا للعدل تجاوزت تهمة «العيب فى الذات الملكية» بصيغتها الجمهورية كل حد وتصور وأفلت العيار بصورة تسىء إلى أى معنى أو قيمة، وبدأت المسألة تأخذ شكل عقدا مستحكمة من حرية الصحافة تحيل مسئولية الفشل الذريع إلى الإعلام وانتقاداته لا إلى السياسة وإخفاقاتها، فالفاشلون لا يبدون استعدادا لتحمل مسئولية فشلهم، كأنه إن اختفى الإعلام الحر فإن الأحوال سوف تتحسن لوحدها، هذه الرؤية تناقض ما كتبه بخط يده من أنه «بالنظر إلى الظروف العامة للبلاد التى لا يسمح فيها بتداول السلطة وتختزل سلطات الدولة فى فرد يستخف برأى كل من يعارضونه فإنه تقوم الحاجة إلى الشطط فى النقد الذى يذكر أصحاب السلطان أنهم بشر».

 

أين هو الآن من حرية الصحافة؟.. يشكو ويهجو ويضيق صدره بها ويحرض عليها فى بعض الحالات، كأنه لم يقل قبل أحد عشر عاما بصوته الجهورى متقدما إلى منصة عليها صحفيون وقضاة: «إذا رأيتم فى إعوجاجا فقومونى بأقلامكم».

 

أين هو الآن من استقلال القضاء؟.. ينتقد ويهجو ويضيق صدره بغضبات نواديهم، كأنه لم يكن يوما على رأس الغاضبين، وكأنه لم يكن يوما هو صاحب تلك الدعوة إلى كل قاض: «حرية التعبير فى مصر ليست هى مقدمة الديمقراطية، بل إنها فى بلادنا هى كل الديمقراطية.. وأن يدرك الصحفيون أن استقلال القضاء ليس هو الضمان الأخير للحرية بل هو الضمان الوحيد».

 

إنه حقا رجل خذل نفسه وتاريخه وقضيته.