الخميس 15 نوفمبر 2018 3:00 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

من الخارج إلى «الدواخل» العربية

نشر فى : الخميس 1 يونيو 2017 - 8:45 م | آخر تحديث : الخميس 1 يونيو 2017 - 8:45 م
لم يكن قد مضى وقت طويل على تولى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب منصبه رسميا، حتى أصبحت مقولة «من الداخل إلى الخارج» هى المبدأ الحاكم للدبلوماسية الأمريكية فى الشرق الأوسط، وكانت تعنى فى البداية بناء علاقات أقوى بين إسرائيل والدول العربية، كخطوة أولى، أو كمدخل لتسوية القضية الفلسطينية، بغض النظر عن مضمون هذه التسوية، لكن البادى – الآن ــ أن مبدأ من الخارج إلى الداخل سوف يطبق على «دواخل أخرى كثيرة »، بما فيها الداخل الإسرائيلى، وليس على القضية الفلسطينية وحدها، وذلك تأهيلا لكافة الأطراف للانخراط فى صفقة القرن.
مصادر تل أبيب مثلا تتحدث عن تعهد أخذه ترامب على اسحق هيرتزوج زعيم حزب العمل وحلفائه الحزبيين فى المعسكر الصهيونى المعارض بتأييد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، فى حالة مضى الأخير قدما فى التفاوض على اتفاق سلام نهائى مع الفلسطينيين.
وحسب المصادر نفسها فقط، فإن ترامب جعل هيرتزوج يكرر هذا التعهد أمام نتنياهو فى لقاء مباشر، استمر بضع دقائق، عقب اللقاء الرئيس الأمريكى لخطابه يوم الثلاثاء (قبل الماضى) فى أثناء زيارته لإسرائيل.
المقصود هنا هو انضمام هيرتزوجو معسكره إلى حكومة وحدة وطنية إسرائيلية برئاسة نتنياهو، بحيث لا يسقط هو ولا تسقط حكومته بانسحاب حزبى إسرائيل بيتنا، والبيت اليهودى من الحكومة، رفضا لأى اتفاق يسفر عن قيام دولة فلسطينية على أى شبر من الضفة الغربية.
من المفترض أن تطورات الداخل الإسرائيلى لا تهمنا، إلا من ناحية دلالتها على المجرى الرئيسى الذى تشقه الدبلوماسية الأمريكية فى الشرق الأوسط فى عهد ترامب، خاصة وأن كل شىء يحدث فى إسرائيل علنا، وبالوسائل الديمقراطية، ولكن ما يهم حقا هو «االدواخل العربية »، المحاطة بالغموض، والحافلة بالأسرار.
كانت المؤشرات على تحرك أطراف عربية لترتيب أوضاعها الداخلية للتكيف مع الدبلوماسية الأمريكية الجديدة قد بدأت بوثيقة حركة حماس الفلسطينية، التى قبلت لأول مرة مبدأ إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وبانتخاب مكتب سياسى جديد على رأسه إسماعيل هنية من قيادات الداخل فى قطاع غزة.
كلا التطورين (الوثيقة وانتخاب هنية) يعنيان تغليب رؤية الداخل الغزاوى المحاصر، وهى رؤية عملية مستمدة من معاناة الحياة اليومية لسكان القطاع، على رؤية قيادات الخارج، ممثلة فى خالد مشعل، ونائبه موسى أبو مرزوق، وهى رؤية ملتصقة بأدبيات تأسيس الحركة، والعموميات النظرية لتيار الاسلام السياسى، الذى تنتمى إليه حماس، لذا لم يكن مفاجئا تماما أن أسامة حمدان أحد القيادات الحمساوية المهمة لم ينف إمكانية قبول الحركة لحل إقليمى يتضمن توسع قطاع غزة فى سيناء، إذا كان ذلك هو ما ستتفق عليه كل الأطراف، بما فيها حركة فتح، ومنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية.
(جاء هذا التصريح لأسامة حمدان فى برنامج السلطة الخامسة على تليفزيون دويتش فيلا الألمانى، الذى يقدمه الأستاذ يسرى فودة).
حركة فتح من جانبها أعادت تأهيل نفسها لاستعادة زمام القيادة للشعب الفلسطينى من خلال التسوية الناجحة التى تفاوضت عليها مع إسرائيل لإنهاء إضراب أسراها وأسرى حركات فلسطينية أخرى فى السجون الإسرائيلية عن الطعام، وفى مقدمتهم المناضل مروان البرغوثى أمين سر الحركة فى الضفة الغربية قبل الحكم عليه بالسجن، هنا – ودون أى مزايدة على نضال وصمود البرغوثى المستحق لكل الاحترام – تجدر الإشارة إلى أن أغلبية الشعب الفلسطينى فى الضفة وفى الشتات تعتبره الخليفة الطبيعى لمحمود عباس فى قيادة فتح والمنظمة، ومن ثم الدولة الفلسطينية فى حالة قيامها، بل إن الإسرائيليين أنفسهم يقرون بهذه الحقيقة، كما يقرون «بكاريزما» الرجل، إلى حد أن أحد زعماء معسكر السلام الإسرائيلى نصح البرغوثى عندما كان الأخير عضوا فى الحزب الشيوعى االفلسطينى، بترك هذا الحزب، والانضمام إلى حركة فتح، لأنه يرى فيه القائد المستقبلى، الذى ستقوم على يديه الدولة الفلسطينية.
وبما أننا لا نعرف معظم ما يجرى إلا من المصادر الإسرائيلية، فقد تحدثت هذه المصادر عن استعداد أبداه رئيس السلطة الفلسطينية (محمود عباس) للرئيس الأمريكى بمضاعفة مساحة الأراضى المتبادلة مع إسرائيل فى الضفة الغربية إلى نسبة 6%.
ماذا عن بقية الدواخل العربية؟
ما يهم هنا هو مصر والسعودية والأردن.
لا خلاف على أن الأردن جاهزة دائما، فالسلطة فيها مستقرة إلى حد كبير، ومكاسبها مؤكدة فى ترتيب علاقة خاصة مع «الدولة الفلسطينية» عندما يعلن قيامها، وتذهب غالب التوقعات إلى أن تأخذ هذه الترتيبات شكل الاتحاد الكونفيدرالى، مع احتفاظ المملكة بحق الإشراف على المقدسات الاسلامية فى القدس.
أما السعودية، فمن الواضح أن نتائج زيارة الرئيس ترامب الأخيرة لها، وإعلان التحالف الاسلامى / الأمريكى ضد إيران، يحقق لها مصلحتين داخليتين حيويتين، الأولى هى ردع الشيعة المحليين عن محاولة زعزعة الأوضاع الداخلية، وفى الوقت نفسه ردع إيران عن التدخل فى الشأن الشيعى الداخلى فى البلاد، والثانية: الوقاية من أية معارضة محلية محتملة من العلماء والجماعات السنية للصفقات القادمة مع إسرئيل، ما دام الغطاء هو مكافحة التمدد الإيرانى الشيعى.
إلا أنه يتبقى من شئون أو مشكلات الداخل السعودى مسألة خلافة الملك سلمان.
وفى غيبة أية معلومات أمريكية أو سعودية المصدر موثوق بها، فإن ما تجمع عليه التقارير الصحفية الأجنبية هو أن زيارة ترامب، والصفقات المالية التى عقدها فى الرياض، قد رجحت كفة الأمير محمد بن سلمان ولى ولى العهد، ووزير الدفاع، خاصة وأن الأمير الشاب من مهندسى صفقة القرن (تحت الاعداد)، منذ تبنيه شخصيا للاتفاق مع مصر على الاقرار بالسيادة السعودية على جزيرتى تيران وصنافير، بما يعنيه ذلك من الدخول رسميا وعلنا كطرف فى ترتيبات أمنية مع إسرائيل.
فإذا انتقلنا إلى الداخل المصرى، فلا شك أن مجمل ما سبق عرضه يفسر مبادرة مجلس النواب أخيرا ــ بعد تباطؤ استمر أشهرا – إلى مناقشة اتفاقية تيران وصنافير مع السعودية، تمهيدا لإقرارها، ليس فقط وفاء بالتزام الحكومة نحو السعودية، وإنما أيضا إثباتا للقدرة على تمرير أية ترتيبات جديدة تلتزم بها القاهرة فى صفقة القرن، وإثباتا كذلك لجدارة النظام المصرى باستمرار ثقة حلفائه الاقليميين والدوليين، واستمرار الحاجة لدوره الاقليمى، بعد الحديث أخيرا فى الكونجرس عن انحسار هذا الدور، إذ كيف ينحسر الدور المصرى فى الاقليم أو فى القضية الفلسطينية، ما دامت الأنظار تتجه إلى سيناء؟!
ربما يفسر ما سبق أيضا قرار إغلاق مجموعة المواقع الصحفية الالكترونية الذى صدر هذا الاسبوع، بذريعة أنها تحرض على الإرهاب، فى حين أن بينها مواقع مستقلة، قد تنشر روايات ورؤى أخرى عن صفقة القرن لا تتفق مع رواية ورؤية الحكومة.
..................................
المراسلون الذين رافقوا الرئيس الأمريكى فى رحلة العودة من زيارته الشرق أوسطية نقلوا عنه أنه لن يترك المنطقة فى حالة فراغ دبلوماسى طويلة، وأن مبعوثه جيسون جرينبلات سيعود إليها فى الأسبوع المقبل، بهدف محدد هو إخراج علاقات دافئة وقوية من وراء الكواليس، وجعلها أكثر علانية، ووضع مجموعة مشتركة من المبادئ يلتزم بها الجميع. ثم أضاف مصدر آخر أن ترامب تحدث مع الرئيس المصرى حول عقد لقاء قمة سلام يشارك فيه السعوديون.
إذن لن ننتظر طويلا، إلا إذا أيقن نتنياهو أن نهاية رئاسة ترامب قريبة، بسبب فضيحة الاتصالات الروسية، فعندها سيلجأ إلى المناورة المألوفة فى إسرائيل، وهى الدعوة إلى انتخابات مبكرة، حتى لا يضطر إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، تعيد الروح لحزب العمل، الذى هو المنافس الحقيقى لحزب الليكود (حزب نتنياهو)، ولكن هل سيعرف العرب والمصريون بما يجرى فى الوقت المناسب، ليعلموا أى منقلب ينقلبون؟!

 

عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات