الأربعاء 19 سبتمبر 2018 8:15 ص القاهرة القاهرة 25°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

في رأيك من الأحق بلقب أفضل لاعب في العالم؟

رئيس مصر ومسئولياته فى منظور العرب خارج المحروسة

نشر فى : الأربعاء 1 أغسطس 2012 - 9:35 ص | آخر تحديث : الأربعاء 1 أغسطس 2012 - 9:35 ص

يعيش الوطن العربى، مشرقا ومغربا، حالة من الاضطراب تقارب الفوضى، فكريا وسياسيا.. فالكل يحاول أن يغادر الأمس وموروثاته من دون أن يتبين فيحدد الطريق إلى المستقبل وموجباته: القوى السياسية، بالأحزاب والتنظيمات الدينية فيها، والحركات الجديدة التى كانت نواتها قيد التكوين ثم أجبرتها التطورات على تسريع الولادة لتكون «حاضرة» وتتخذ موقعها على الخريطة السياسية الجديدة.

 

لا القديم مقبول بصيغته وشعاراته القديمة، ولا هو مؤهل أو قادر على تجديد موروثاته والخروج إلى الناس بالصورة الملائمة لطموحاتهم، كما بلورها «الميدان» وزكاها. ولا الجديد جاهز لتولى المسئولية أو هو مؤهل للمهمات الخطيرة التى يتطلبها التغيير كما كان يتمثله ويصوغ شعاراته بما يلبى احتياجات الناس وتطلعاتها.

 

•••

 

وهكذا جاء «القديم» بديلا للطغيان الذى كان قائما، ونتيجة لان ذلك «القديم» كان يملك برنامجا قد يحتاج شيئا من التعديل يمكن ارتجاله بسرعة، (الإخوان مثالا) فى حين أن القوى الجديدة التى أعطت «الميدان» إشعاعه لا تملك أكثر من أفكار ومشاريع برامج نظرية فى الغالب الأعم، لا هى تشكل مشروعا للحكم ولا هى مؤهلة لان تكون خطة للمعارضة.. خصوصا أن ظروف الميدان لم تيسر الظروف الملائمة لقيام جبهة ائتلافية على قاعدة مشروع سياسى محدد، بين القوى الآتية من الماضى (كالإخوان واليساريين عموما والشيوعيين خصوصا) وبين القوى الجديدة التى تختلط فى برامجها الأحلام والطوباوية ومنجزات التجربة الأمريكية ذات الواجهة الديمقراطية البراقة.

 

ومع التقدير للإنجازات التى حققتها ثورة الميدان فى كل من تونس ومصر، على وجه الخصوص، فان عملية التغيير تبدو مهددة بأن تغرق فى التفاصيل وتتوه فى سراديب البيروقراطية، وهى تواجه مسؤولية إعادة بناء الدولة، بدءا بالدستور الجديد، وصولا إلى برنامج الحكم وقواعده السياسية، بما يحقق الوحدة الوطنية ويمكن من إنجاز التغيير المطلوب.

 

وإذا كان الاضطراب فى تونس يتبدى واضحا فى مجال التمكين للحكم عبر «جبهة وطنية عريضة» تضم القوى التى شاركت فى الانتفاضة، بغض النظر عن نسبة مشاركتها أو فعاليتها، فإن صيغة الحكم الجديد فى مصر تبدو عرضة لكثير من المخاطر التى قد تقلل من احتمال اعتباره «عهدا جديدا» استولده الميدان بالثورة.

 

•••

 

وبالنسبة للعربى خارج مصر فان وصول الإخوان المسلمين إلى سدة السلطة فى القاهرة ليس امرا مفرحا، بالتأكيد.. ولربما كان يمكن التغاضى عن هذا «الأمر الواقع» لو أن الرئيس الإخوانى انتبه فى مجمل خطبه وتصرفاته ولقاءاته، مع الزوار الأجانب خصوصا ومعهم بعض المسئولين العرب وبغض النظر عن مستوياتهم ومدى تمثيلهم مركز القرار، إلى أنه قد غدا رئيس أكبر دولة عربية، وإن وجوده فى موقعه فاتحة لعهد جديد يفترض أن يقدم نفسه باعتباره «قطيعة» مع العهد السابق، ونقيضا له فى الموقف السياسى، لا سيما فى القضايا ذات الأهمية الاستثنائية.

 

وبالتأكيد فإن ما يسمعه هذا العربى خارج مصر من المفكرين والكتاب والسياسيين المصريين، لا سيما الجيل الجديد الآتى من الميدان، يزيد من نقص حماسته فى الترحيب بالرئيس الجديد الذى لم ينجح ــ حتى اللحظة ــ فى تقديم صورة مصر إلى العالم (وضمنهم العرب) بحجمها الحقيقى وقدرتها على التأثير فى محيطها العربى ــ الأفريقى ــ الإسلامى، ومن ثم الدولى.

 

ثم إن الجدل الفقهى الذى لا ينتهى حول شرعية أو عدم شرعية مجلس الشعب، وهذا اللجوء المتكرر إلى القضاء حوله، كما حول اللجنة المكلفة بإعداد الدستور الجديد، يُضعف من موقع المجلس ومن خطورة مرجعية الدستور، وينال من هيبة الحكم وهو الشرط الأساسى لقيام الدولة الجديدة.

 

ومفهوم أن يعيش الرئيس الجديد حالة من الاضطراب بين تقاليد حياته وما آمن به مما تتلمذ عليه كحزبى له انتماؤه الصريح إلى تنظيم سياسى واضح الشعار الإسلامى، وبين موجبات موقعه الجديد التى تجعله مرجعا أعلى لك المصريين على اختلاف انتماءاتهم.. والأخطر: أن يكون فى موقع المرجع العربى الأول وصاحب الرأى الأخير فى الشئون العربية، وجلها مواجع وهموم ثقيلة تضع أكثر من قطر عربى على حافة الحرب الأهلية.

 

•••

 

ويصعب على المواطن العربى، خارج مصر، أن يقبل من المسئول المصرى الأول، وهو المرجعية العربية الأولى، من حيث المبدأ، هذا التجاهل للشئون العربية، ومحاولة النأى بالنفس عنها، وان تنحصر لقاءاته بمن لهم مواقف ثابتة تعتبر «العروبة» بدعة، وترى ان الإسلام هو الحل.

 

كذلك يصعب على هذا المواطن العربى، خارج مصر، أن يرى المسئولين الأمريكيين الكبار يتهافتون على زيارة القاهرة، فيتلقاهم الرئيس بالترحاب، ثم يكملون رحلتهم إلى مقصدهم الفعلى، إسرائيل، ليطمئنوا قادتها إلى ثبات مصر على نهج الصلح المنفرد، أى الخروج من دائرة الصراع العربى الإسرائيلى، امتدادا لما اعتمد فى عهد أنور السادات ثم بلغ ذروة التعاون الاقتصادى والأمنى فى عهد حسنى مبارك.

 

كل هذا فى حين تمضى إسرائيل قدما فى تهويد القدس وفى بناء سور يقطع الضفة الغربية إلى جزيرتين منعزلة كل منهما عن الأخرى، فى حين تنعزل الضفة جميعا عن غزة، وينفصل «الداخل» أو «فلسطين 1948» عن الفلسطينات المستحدثة كأرخبيل من الجزر مقطعة الأوصال وغير القابلة للحياة.

 

يعرف العربى خارج مصر أن القاهرة مشغولة بهمومها الثقيلة، وأن التغيير عملية تاريخية لا يمكن إنجازها فى بضعة أسابيع أو شهور.. لكنه يستغرب أن يكون «الرئيس» قد استقل بنفسه (وتنظيمه) عن رفاق السلاح فى الميدان، وأنه لا يبذل المجهود الكافى لتأكيد هوية الحكم الجديد، كجبهة وطنية مؤهلة وقادرة على قيادة المرحلة الانتقالية.

 

ومثل هذه الجبهة ليست ضرورة مصرية فحسب، بل إنها فى نظر العرب خارج مصر، خطوة حاسمة فى اتجاه تقديم صورة الحكم الوطنى المؤهل والقادر على إحداث التغيير المطلوب، داخل مصر، وتقديم النموذج المرتجى للحكم فى البلاد العربية الأخرى التى تكاد «انتفاضاتها الشعبية» تضيع فى متاهات المناضلة بين «الدكتاتورية الوطنية» الحاكمة أو التدخل الأجنبى لاغى الهوية والوطن والدولة ووحدة شعبها.

 

•••

 

وفى نظر العربى خارج مصر فإن رئيس جمهورية مصر العربية هو المرجع العربى الأول، من حيث المبدأ، وهو لا يستطيع «الاستقالة» من هذا الدور، حتى لو صعب عليه أن يؤمن بالعروبة. إنه دوره وواجبه ومسئوليته، حتى لو تقبلها كارها.

 

ولا يتأكد هذا الدور عبر تخصيص السعودية بالزيارة الأولى، ولا عبر تواتر زيارات الموفدين الأمريكيين إلى القصر الجمهورى فى القاهرة.

 

ولا يقبل العربى خارج مصر مقولة إن «المحروسة» مشغولة الآن بنفسها، وبعد أن ترتاح داخليا فلسوف تهتم بأهلها من حولها.. فالقضية واحدة، والنجاح فى الداخل نجاح فى الخارج، والعكس صحيح.

 

 

 

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات