الجمعة 21 سبتمبر 2018 6:53 م القاهرة القاهرة 30°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الفكر الجديد

نشر فى : الثلاثاء 2 فبراير 2010 - 10:22 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 2 فبراير 2010 - 10:22 ص

«أمريكا تبدو هذه الأيام كشخص متمدد على أريكة فى عيادة دكتور نفسانى يشكو همومه وقلة ثقته بنفسه. تقول الإحصائيات إن الأمريكيين يستهلكون ثلثى إنتاج العالم من مضادات الاكتئاب ويبدأون يومهم بابتلاع ملايين الأقراص المهدئة». جاءت هذه السطور فى كتاب صدر حديثا بعنوان «ابتسم أو مت». تتابع فيه الكاتبة بربارة إهدينرايش التغيرات، التى طرأت فى السنوات الأخيرة على الشخصية الأمريكية وتناقش الأساليب التى يستخدمها أهل النصح والسياسة والاستشارات النفسية لمواجهة التردى المتسارع نحو حالة من تشاؤم عام لم تعرفه أمريكا من قبل.

تقول الكاتبة، ويقول آخرون، إن أمريكا الجديدة تختلف عن أمريكا التى رسمنا جميعا لها خطوطا واضحة فى مخيلتنا. كثيرون من أبناء جيلى كانوا يتصورون، قبل أن تتاح لهم فرصة السفر إلى أمريكا، أن كل رجال أمريكا نسخة طبق الأصل من جون واين، الممثل ذو الجسم الضخم والمنكبين العريضين والعينان الزرقاويان والأسنان البيضاء المرصوصة فى اتساق وانسجام. كان جون واين يلعب فى معظم أفلامه دور راعى البقر المتخصص فى تطهير البرارى الأمريكية من قطاع الطرق والأشرار عموما، وأحيانا دور «الشريف» المنتخب لتحقيق هذا الغرض. كان يقتلهم وعلى شفتيه ابتسامة عريضة تشع بالسعادة ومفعمة بالتفاؤل، فبفضله وفضل رجال مثله كانت أمريكا التى نراها فى تلك الأفلام والأيام تتوسع وتتقدم، حتى صارت إمبراطورية توارت بجانبها أقدم إمبراطوريات العالم وأعظمها اتساعا. تسأل الكاتبة وعدد غير قليل من أبناء وبنات جيلها من المؤلفين: أين الرجل الأمريكى الآن من رجال ذلك الزمن، أين هم من نموذج جون واين أو حتى من صورة «رجل ماليورو»؟. أين راح التفاؤل وأين ثقة أمريكا بنفسها وثقة أهلها فى أنفسهم؟ ولماذا كل هذا القلق بالنسبة للمستقبل، بينما يعرف الأمريكيون جيدا أن أسوأ أحوالهم إذا قورنت بأحوال شعوب أخرى تظل أفضل مما تحلم به هذه الشعوب.

****

عادت إلى صدارة الإعلانات عن الكتب الجديدة وواجهات محلات بيعها كتب عديدة تحمل عناوين السعادة والابتسامة والتفاؤل وتشرح للمتقلبة أهواءهم والمكتئبين والمتشائمين خطورة الاستسلام لهذه الحالات وتنصحهم بما يفعلون للتخلص منها، ولوحظ أن النشاط الموجه ضد موجة التشاؤم بلغ ذروته فى عيادات الأطباء النفسانيين، وعادت تنشط بدرجة مذهلة الحركات والمنظمات التى تدعو المواطنين كافة إلى نبذ التشاؤم وبذل الجهد للاقتناع بممارسة التفاؤل. كثيرون، أطباء وبرامج تليفزيونية وكتب ومقالات ومدرسون، صاروا يطلبون من الفرد العادى الأمريكى أن يمارس تمرينات نفسية كأن يقف أمام المرآة وأصدقائه وعائلته، كلما جاءت فرصة مناسبة ويردد بصوت عال العبارة التالية «أنا ناجح، أنا جميل، أنا معجب بنفسى وأحبها». ليس المهم، فى نظر أصحاب النصيحة من أطباء نفسيين أو من جماعات نشر التفاؤل أن يرى الشخص نفسه كاذبا وهو يردد أمام نفسه فى المرآة أو أمام آخرين أوصافا غير حقيقية أو واقعية. المهم جدا أن يجبر نفسه والآخرين على اعتناق التفاؤل ولو جاء هذا الاقتناع على حساب إنكار الحقيقة. بل إن بعض قادة تيار نشر التفاؤل يبالغ إلى حد أن أطباء ورجال كنيسة وناشطين من الكتاب صاروا يحثون مرضى السرطان على أن يرددوا على مسامع زوارهم من الأقرباء والأصدقاء «أنهم يعيشون أجمل أيام حياتهم»، وذهب أحدهم ويدعى برنى سيجيل فى كتابه بعنوان «الحب والطب والمعجزات» إلى الزعم بأن التشاؤم و«التفكير السلبى» هما من أهم أسباب مرض»السرطان». وللتغلب على المرض يجب أن يعتبر المريض نفسه قدوة، ويعتبر تجربته طريقا إلى السعادة.

بالغت روندا بيرن وهى من الكاتبات المتحمسات لنشر فكر التفاؤل فراحت تضرب المثل بالنموذج إلى صنعه ضحايا زلزال تسونامى فى جنوب آسيا فتقول إن هؤلاء سقطوا «لأن، موجاتهم الحسية توافقت مع موجات الحدث ذاته» بمعنى آخر تريد إقناعنا بأن الصدفة هى التى جمعت فى لحظة معينة بين تشاؤم هؤلاء الناس ووقوع الزلزال، وأنه لو كان سكان المناطق المصابة متفائلين لما وجد الزلزال بيئة صالحة لوقوعه!. ونصح معلق تليفزيونى مشاهديه بتفادى قراءة الأخبار المحزنة التى تأتى من خارج أمريكا،» فشعوب العالم فى آلام متواصلة وتصدر عنهم تموجات سلبية تصل إلى المواطن الأمريكى عبر وكالات الأنباء والمراسلين فتؤثر على صحة هذا المواطن. أنصح المواطنين الأمريكيين ألا يفكروا فى أهل دارفور أو الكونغو، فالتفكير فيهم مزعج وغير محبب».

فى هذا المجال تنشط حركات أغلبها دينية الأصل والتوجه مستخدمة قنوات فضائية ممولة تمويلا هائلا. ومن خلال هذه القنوات ينصح الدعاة المشاهدين كل صباح «بالصلاة والدعاء إلى الله ليجعلهم أغنياء، فالثروة قرين التفاؤل ولايفترقان ومن الخير عدم ذكر كلمة الفقر، فالحديث عنه يسئ إلى «عظمة أمريكا». وينقل كاتب عن داعية نصيحته إلى المشاهدين كل صباح بأن يتوجهوا بالدعاء قبل الخروج من المنزل ليحجز لهم الله مكانا فى ساحة انتظار السيارات، فيبدأون يومهم سعداء ومتفائلين.

لم يعد يوجد شك فى أنه حلت بالفرد الأمريكى العادى تغيرات لأسباب كثيرة ليس أقلها شأنا شعوره بانكماش مكانة أمريكا وفشلها فى تحقيق نصر حاسم فى حرب من حروبها وإن كان السبب الأهم حاليا هو الأزمة الاقتصادية وبخاصة تفاقم حالة البطالة المتوقع لها أن تستمر سنوات طويلة. كانت التغيرات فيما يبدو أصعب من أن يتحملها المواطن الأمريكى العادى حتى إنه عادت إلى الظهور اتجاهات وحركات روحانية تقف وراءها مؤسسات ومصالح قوية، بغرض التصدى للتشاؤم ونشر التفاؤل. فى الوقت نفسه خرج مفكرون عديدون يتهمون أساتذة مدرسة علم النفس الإيجابى بأنهم تسببوا بطريق غير مباشر فى تعميق الأزمة الاقتصادية حين ركزوا نشاطهم منذ نهاية عقد التسعينيات على كبار رجال الأعمال والمصارف. أقنعوهم بأنهم عباقرة وأنصاف آلهة وأن كل ما يفعلونه مبرر. وبالفعل كشفت تصرفات الكثيرين منهم خلال سنوات حكم الرئيس بوش على أنهم تأثروا بحملة تفخيمهم إلى حد أنهم نفذوا إملاءات أو إيحاءات علماء النفس الإيجابى وقادة التيارات الروحانية فصاروا يمجدون أنفسهم أمام كاميرات التليفزيون وأمام الجمعيات العمومية لشركاتهم وصوروا أنفسهم فى شكل صانعى المعجزات. وعندما وقعت الأزمة المالية وانكشف الكذب والمبالغة رفضوا الاعتراف بالواقع أو بمسئوليتهم عن الكارثة.

****

يعود أصل هذه الحملة وفروعها مثل علم النفس الإيجابى إلى حركة «الفكر الجديد». نشأت هذه الحركة فى منتصف القرن التاسع عشر على يد طبيب روحانى يدعى فيناس كويمبي. ويؤمن بعض مدارسها بأن من شروط التغير الإيجابى لدى الفرد أو المجتمع الانغماس فى إنكار الواقع والابتهاج بالمصائب والكوارث، وفى ظنى أن لها أتباعا فى كثير من الطبقات السياسية فى دول شتى، منها مصر. 

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.