الجمعة 23 فبراير 2018 10:33 م القاهرة القاهرة 17.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد إقامة مناظرة بين المرشحين للانتخابات الرئاسية عبدالفتاح السيسي وموسى مصطفى موسى؟

حكاية كتاب

نشر فى : الجمعة 2 فبراير 2018 - 10:05 م | آخر تحديث : الجمعة 2 فبراير 2018 - 10:05 م

فى سوق أوروبية للكتب المستعملة وقعت يدى عليه. بدا قديما من غلافه الذى بهتت ألوانه. ظهرت على صفحاته آثار قراءة المقتنى السابق أو المقتنين السابقين. حمل عنوانا لافتا «رسائل حب مجرية من خمسة قرون» وزينت الغلاف صورة فوتوغرافية بديعة لسيدة متوسطة العمر ذات عينين حالمتين ورجل له ملامح بلقانية يقف وراءها وتميل رأسه قليلا باتجاهها. جذبنى الكتاب إليه، فلم يكن قد سبق لى قراءة رسائل حب مترجمة إلى اللغة الألمانية من لغات أخرى. واستوقفنى أن الترجمة كانت من المجرية إلى الألمانية وكنت حينها أهيم فى عشق محامية مجرية الأم وألمانية الأب، فتوقعت من «رسائل حب القرون الخمسة» مددا لفهم ولو القليل عن الثقافة المجرية التى كثرت إشارات معشوقتى إلى خصوصيتها وزادا إضافيا للقرب العقلى والوجدانى.

قلبت الصفحات الأولى، فعرفت أن الإصدار كان فى ١٩٨٩ فى برلين الشرقية عاصمة جمهورية ألمانيا الديمقراطية. هى، إذا، برامج وإجراءات «التآخى» بين بلدان المعسكر الاشتراكى السابق، ومنها كانت ألمانيا الديمقراطية والمجر، التى حتما جاءت بتلك الرسائل المترجمة من المجرية إلى الألمانية لتعميق «أواصر الصداقة» بين شعبين اشتراكيين وتشجيع «التبادل الثقافى» بينهما. ألم يكن ذلك لسان حال الرسميين فى بلدان المعسكر الاشتراكى إلى أن انهار فى ١٩٨٩ــ١٩٩٠، وألم تكن تلك مفردات المسئولين فى برلين وبودابست وعواصم أوروبية أخرى إلى أن اجتاحت بلدانهم انتفاضات ديمقراطية أسقطت حكومات قمعت باسم الاشتراكية؟ لم تذهب السياسة بانجذابى إلى الكتاب، فقد كانت سنوات عديدة قد مرت منذ ١٩٨٩ التحقت خلالها ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) بألمانيا الاتحادية (الغربية) ذات النظام الرأسمالى وسقطت الاشتراكية فى المجر، وتوقع طغيان الحسابات السياسية على كتاب موضوعه «رسائل الحب المجرية» أمر مبالغ به، وظل دافعى الشخصى لاقتناء الكتاب وقراءته قائما.

ذهبت إلى المقدمة لكى أطالعها كاملة قبل أن أقتنى الكتاب، فأدخلت على عقلى ووجدانى بهجة لم أتوقعها. «قضت الطبيعة أن يكون الرجال غريبى الأطوار، أيضا حين يكتبون الرسائل وبكل تأكيد حين يكتبون رسائل الحب. تصل السعادة إلى قلوبهم أو يطولها الحزن، فيفيضون غناء أو نواحا وكأن الحب يعود بهم إلى عفوية وأمان الارتباط الأول فى حياتهم، الارتباط بالأم. يغضب الرجال ويفقدون الصبر حين يتأخر الرد ولو قليلا، يريدون كل شىء ويريدونه الآن. بسبب ابتسامة توقعوها وغابت يهرعون إلى ريشة الكتابة وكأنها قشة الإنقاذ من الغرق، ونتنفس جميعا الصعداء لكونهم لم يعثروا على طاولاتهم على خناجر حامية. أما النساء فيتعاملن مع جميع هذه الأمور بتفهم حقيقى، ويدركن أن الحب ما هو إلا فرصة الرجال الوحيدة لإظهار مشاعرهم والتعبير العفوى عن مخاوفهم».

أعجبتنى مقدمة الكتاب التى خطها الشاعر والروائى المجرى جيولا إيلياس (١٩٠٢ــ١٩٨٣)، وأسرتنى صورة الرجل ــ الابن الباحث عن استعادة عفوية وأمان الارتباط بالأم وأفاضت بداخلى مشاعر الحب الجميل والمتجدد دوما لأمى رحمها الله. اقتنيت الكتاب، وأسرعت فى العودة إلى منزلى لكى أختلى به.

***

من القرن السادس عشر (١٥٢٨) قرأت رسالة نبيل مجرى اسمه «اليك تورزو» إلى زوجته. «زوجتى الحبيبة ماجدولينا، لا تظنى أن غيابى عنك هو عن رغبة فى الابتعاد، فلست براغب إلا فى رؤيتك. أخبرتك فى الرسالة التى كتبتها بالأمس بوجود سبب قهرى لعجزى عن القدوم إليك وستدركين كنه السبب هذا بمرور الوقت. حبيبتى، أرجو منك ألا تعصف بك الأفكار المريرة أو تعبث بك الظنون، فقلبى لا يتمنى غير رؤيتك. وحين يسمح المكان ويسمح الوقت، سيكون بيننا الكثير الذى سنتبادله عن سبب غيابى. يحفظك الله فى أفضل صحة، حبيبتى ماجدولينا. لا تنسينا».
ومن القرن السابع عشر (١٦٦٧) قرأت «كلمات للعروس» من «ميكلوس بيتلون» الذى كان دارسا للتاريخ والفلسفة والقانون ومدافعا عن استقلال «الأقاليم المجرية» عن الإمبراطورية النمساوية ــ المجرية وسجينا فى فيينا ومبعدا عن وطنه حتى موته. «عروسى الحبيبة، النبيلة ايلونا كون، يا حبيبتى، يا من أسكن إليها دون غيرها، أراد القدر الأعمى أو أراد حاكم هذه البلاد الذى نرفض نحن أن نخضع له أن تكون معيشتك فى ركن بعيد عن الركن المفروض على العيش به (...) غير أننى أثق أن مشيئة الرب العظيم ستجمعنا فى المكان والزمان المناسبين وستكونين عندها فى صحة تبهج القلب وستحملين من الأخبار ما يسعد الوجدان. أرسلت إليك القفازات التى أردت وأتمنى أن ترتدينها فى عافية بمشيئة الرب، وسأطلب سرعة الانتهاء من رداء حرير يعد لمهجة قلبى وسيرسل إليك على الفور. حبيبتى، أذكرك بضرورة قراءة الإنجيل بانتظام، وبكتابة كلماتك الجميلة لى، ولا تمتنعى عن إخبارى بحال صحتك (...) محبك المخلص لك، دون إخلاصه الموت.» ومن العروس، النبيلة ايلونا كون، طالعت الرد الذى بلغ حبيبها البعيد لأسباب سياسية. «أكتب للسيد النبيل ومستحق الإطراء ميكلوس بيتلون، سيدى الحبيب وموجهى. ليباركك الرب بموفور الصحة الجسدية والذهنية، فذلك هو أمل القلب (...) أما توصيتك بشأن تعلم القراءة والكتابة بقراءة الإنجيل، فأعلمك باجتهادى بشأنها وبعدم تجاهلى لما هو توصية كريمة من سيدى (...) أتمنى من كل قلبى أن تبلغك كلماتى هذه وأنت فى أتم صحة وأن يكون لها من الطالع الحسن نصيب المحبين. سأظل ما حييت ومن القلب طوع أمرك».

***

ومن القرن الثامن عشر (١٧٨٩) قرأت رسالة حب ضابط الحرس الإمبراطورى «أبراهام بارسساى» الذى عاش فى فيينا وتزوج من النبيلة سوزانا بيتلين التى كان عيشها فى المجر وإليها ذهبت رسالته. «حبيبتى، حمامتى الحبيبة، زوجتى الحبيبة، بلغتنى كلماتك الجميلة حال وصولى إلى معسكر الخدمة ولقد احتضنت رسالتك بقلب ولهان (...) تسألين يا حبيبتى، يا ملاكى الحبيب، عما أريد؟ أقول لك، لا أريد غير أن تضع الحرب أوزارها فى صيفنا هذا وأن أعود إلى الأقاليم المجرية، عودة ستكون إليك لكى نتوحد فى الحب. ليباركك الرب إلى أن يأتى ذلك اليوم، فعنده ستبدأ أوقاتنا الذهبية. صدقينى، سأظل لك رفيق الحياة الرقيق والمؤتمن والمخلص والمحب حتى الموت».
لم أتوقف لا عن قراءة رسائل الحب المجرية، ولا عن تدوين بعض عباراتها فى وريقات صغيرة علها تسعفنى حين ألتقى معشوقتى وتشرع فى حكاياتها الجميلة عن ثقافة وطن والدتها. من القرن التاسع عشر (١٨٤٩) طالعت كلمات «تيريز فالتر» لزوجها «فرنيتش بولسزكى»، كلمات الزوجة الكاتبة التى تواجدت فى لندن للزوج البرلمانى فى بودابست. « طفلى الحبيب، لتحافظ على نفسك فى أتم صحة وعافية ولتنتظر فى صبر لحظة اللقاء (...) لا يخالجك الشك فى أننى أيضا أحافظ على صحتى لك وللأولاد حتى يجمعنا المكان الواحد (...) لتعلم أن تبادل الرسائل صار صعبا، ولذلك لا أرغب فى إرهاقك بكتابة الكثير من الكلمات. فقط أريد أن أطمئن على صحتك، وأن تذكرنى بأنك لم تزل تحبنى وتتمنانى».

ومن القرن العشرين (١٩٢٥) رسالة الشاعر «زيجموند موريستش» لحبيبته الممثلة «ماريا سيموناى» التى ترك من أجلها نساء آخريات. «ماريا، تحبيننى. أشعر اليوم وللمرة الأولى منذ زمن طويل بسعادة حقيقية. تعلمين إننى كتبت لك فى رسالة من رسائل الأيام الماضية عن رفضى للزواج وأسبابه. غير أننى أدرك أن مجتمعنا يرفض جميع أشكال العلاقات الأخرى، وأن رباط الزواج يظل ضروريا للحفاظ على الحب ورعايته. لذلك فإننى أطلب يدك (...) ماريا، سأنتظر بأمل عظيم ردك على رسالتى. أستعطفك بكل الحب والود سرعة الرد».

***

أنهيت قراءة كتاب «رسائل حب مجرية من خمسة قرون» فى نفس اليوم الذى أقتنيته به. أسعفتنى العبارات المدونة فى الوريقات الصغيرة بعض الأحيان، وتركتنى وحيدا فى أحيان كثيرة. ولم يغب عنى أبدا جمال رسائل الحب، حتى بعد أن غابت المحامية الجميلة وباعدت بيننا تقلبات الحياة. ظلت حكايتى مع الكتاب حاضرة فى الذاكرة، وظل ما تعلمته من رسائل حب المجريين محفورا فى العقل والوجدان.

(كتبت للاحتفاء بمعرض القاهرة للكتاب ٢٠١٨)

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات