السبت 22 سبتمبر 2018 2:32 ص القاهرة القاهرة 25°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

بدائل الخروج من مأزق كتابة الدستور

نشر فى : الثلاثاء 3 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 3 أبريل 2012 - 8:00 ص

أكتب هذه السطور ولجنة كتابة الدستور لا تزال فى أزمتها التى بدأت الأسبوع الماضى فور الإعلان عن تشكيلها وانسحاب عدد من أعضائها (ومنهم كاتب هذا المقال) اعتراضا على أسلوب تشكيلها وعلى عدم تمثيلها للمجتمع تمثيلا سليما وعلى غياب العديد من الكفاءات عنها. البدائل المتاحة قليلة: إما أن يتراجع المنسحبون من اللجنة ويعودوا إليها مع بعض التحسين فى تشكيل اللجنة، وإما أن تتراجع الأغلبية البرلمانية وتقبل بإعادة تشكيل اللجنة برمتها على أسس ومعايير جديدة وواضحة وعادلة، وإما ألا يتراجع أى من الطرفين ويتم استكمال نصاب اللجنة من الأعضاء الاحتياطيين وتبدأ فى عملها دون التوقف عند من اعترضوا على تشكيلها وخرجوا منه.

 

لا أخفى انحيازى للبديل الثانى، وهو أن تعود الأغلبية إلى قاعة مدينة نصر مرة أخرى لعقد اجتماع مشترك جديد لمجلسى الشعب والشورى لإعادة وضع معايير اللجنة، وأن تقبل بالتشاور والحوار للوصول إلى توافق حقيقى حول هذا الموضوع الذى ما كان يجب أن يأخذ هذا المنحنى لو كان فى الأمر تفاهم منذ البداية ورغبة صادقة فى مشاركة كل التيارات السياسية فى وضع تصور سليم له. ولكن المشكلة أن الأغلبية البرلمانية اعتمدت على كتلتها التصويتية واتخذت قرارا بتشكيل لجنة كتابة الدستور بطريقة قد تكون سليمة قانونا (وهو ما ستحسمه محكمة القضاء الإدارى الأسبوع المقبل) ولكنها بالتأكيد تجاهلت المجتمع ومؤسساته وأحزابه الأخرى ونقاباته وكفاءاته ونسائه وأقباطه وشبابه، ولم تبذل الجهد الكافى فى الوصول إلى توافق حقيقى فى هذا الموضوع الذى لا يمكن أن يتم إلا باتفاق ورضاء المجتمع بأسره. هذا هو لب الخلاف، وليس الصراع على حصة أكبر فى اللجنة أو الخلاف على أسماء بعينها أو هوس بالمعادلة بين التيارات السياسية كما يصور الإعلام أحيانا، وهو ما يؤكده أن خروج ممثلى الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية والمحكمة الدستورية والنقابات المهنية لا يمكن أن يكون تعبيرا عن صراع حزبى أو خلاف بسيط على الأسماء والحصص، بل عن شعور عميق فى المجتمع بأن المسار كله لم يكن سليما منذ بدايته.

 

ولأنه ليس من المجدى الآن الحديث عما كان يجب أن يكون، ولأنه علينا أن نفكر معا فى كيفية الخروج من هذا المأزق، فدعونى أؤكد على خطأ وخطورة اللجوء إلى المجلس العسكرى لكى يحسم خلافا ــ مهما كان كبيرا وهاما ــ بين الأحزاب والقوى السياسية وبين مؤسسات لها شرعيتها القانونية والجماهيرية المستمدة من صناديق الاقتراع، لأن فى هذا اعترافا بأن المسار الديمقراطى لم يعد قادرا على التعامل مع مشكلات المجتمع وخلافاته، وأننا مستعدون للجوء إلى الحكم العسكرى لحل خلافاتنا السياسية، وهو أمر لو حدث هذه المرة فسوف يتكرر فى كل مرة، وسوف تفقد المؤسسات المنتخبة مصداقيتها، ويترسخ لدى الرأى العام أن الحل يجب أن يأتى من أعلى. لذلك فعلينا أن نجد المخرج من هذا المأزق من خلال التشاور بين الأحزاب وبين والمؤسسات المدنية وأن نحرص أن يكون الحل بيدنا.

 

كذلك دعونى أؤكد أيضا أن تشكيل لجنة الدستور موضوع أهم بكثير من أن يتحول إلى موقعة تحقق بها التيارات السياسية مكاسب إعلامية، لأن مصير الوطن ومساره السياسى بأكمله يتوقف على الخروج من هذا المأزق، ولذلك فإن تراجع الأغلبية عن موقفها لا ينبغى أن يتحول إلى خسارة سياسية لأن هذا هو ما يمنع التقدم نحو حل سليم. أقول هذا لأنه فى تقديرى أن كثيرين من حزبى الأغلبية البرلمانية ــ الحرية والعدالة، والنور ــ يدركون أن اختيار اللجنة لم يتم بشكل مناسب، وأن حالة الرفض فى المجتمع المدنى والأحزاب والنقابات لها ما يبررها تماما، وأن خطأ فادحا قد تم ارتكابه، ويتمنون لو كان هناك مخرج يحفظ ماء الوجه. ولكن للأسف أن طبيعة السياسية، ليس فى مصر وحدها ولكن فى العالم كله، تجعل من الاعتراف بالخطأ من الرذائل لا الفضائل، وأبعد ما يتصوره السياسيون وأكثر ما يكرهونه ويفضلون عليه الاستمرار فى الدفاع عن الموقف الضعيف على أمل أن يمر مرور الكرام، لأنه فى تراث العمل السياسى أن الاعتراف بالخطأ يعنى الضعف والتردد وفقدان السيطرة ويمكن أن يؤدى لمزيد من التنازلات. وهذا كله قد يكون صحيحا، بل مقبولا إلا فيما يتعلق بالدستور. فالنص القانونى الحاكم للتشريع وللقوانين ولنظام الدولة السياسى والاقتصادى والاجتماعى وللقيم التى يستند إليها المجتمع، لا يمكن أن يكون ضحية الغلبة السياسية والعناد وعدم الرغبة فى الاعتراف بأن خطأ قد وقع ويمكن تداركه. ويزيد من خطورة الأمر أن حالة التربص فى المجتمع بالبرلمان والتجربة الدستورية كلها تجعل هناك من يتمنون انهيار المسار بأكمله لصالح الحكم العسكرى المباشر. المسألة إذن لا تحتمل أن يتم حسمها بناء على الحسابات السياسية المعتادة ولا بمنطق القوة والضعف، ولكن بمنطق الصالح العام وحده.

 

الأغلبية البرلمانية فى يدها الحل، وهو العودة خطوتين للوراء، وقبول إعادة مناقشة معايير تشكيل اللجنة والتشاور مع مؤسسات المجتمع فى كيفية تحقيق ذلك بقدر حقيقى من التوافق الذى يأخذ برأى الأغلبية ولكن لا يهمل ولا يتجاهل وجود أقلية تعبر عن جزء كبير من المجتمع. ولو فعلت الأغلبية ذلك لكان لها احترام المجتمع وتقديره وعرفانه لأنها ستجنبه عندئذ ليس فقط الانقسام فى موضوع لا يحتمل انقساما وإنما ربما أيضا انهيار التجربة الديمقراطية كلها. بيد الأغلبية أن تقبل التراجع فى هذا الموضوع، مهما كانت تكلفته السياسية صعبة، لأن انقاذ الوطن أهم من إنقاذ ماء الوجه، ولأن التوافق فى هذه اللحظة مطلوب ولا بديل عنه، ولأن كتابة دستور مصر على نحو سليم عملية تستحق بعض التضحيات السياسية. فهل يكون لدى الأغلبية هذه الشجاعة وهذا الاستعداد على تقديم الصالح العام على المكسب السياسى؟  

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.