الجمعة 21 سبتمبر 2018 8:45 م القاهرة القاهرة 27.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

«الميدان» و «لا لحكم العسكر» .. ورئيس عسكرى لمصر

نشر فى : الأربعاء 2 أبريل 2014 - 6:05 ص | آخر تحديث : الأربعاء 2 أبريل 2014 - 6:05 ص

هل يحق لمواطن عربى، من خارج مصر، أن يبدى رأيا فى شأن «داخلى» مصرى... علما بأن التطورات المذهلة التى أحدثتها ثورة الاتصالات قد أسقطت «الحدود» وألغت المسافات وجعلت العالم «قرية كبيرة» لا أسرار فيها ولا قدرة على حصر الأصداء والتداعيات بذريعة «السيادة» أو منع التدخل فى «الشئون الداخلية».

ثم إن أى مواطن عربى، فى أى من أقطار هذا الوطن الكبير، يرى نفسه معنيا بالانتخابات الرئاسية، بل وبالتطورات التى شهدتها وتشهدها مصر منذ ثلاث سنوات أو يزيد، بقدر ما يفترض أنها ستؤثر على بلده، سواء فى المشرق أو فى المغرب، لأن مصر تحتل سواء وهى قوية كما يتمنى لها سائر العرب، أو حين تضعفها سياسة التخلى عن مسئولياتها وتأخذها إلى العزلة، أو إلى التنصل من هويتها العربية، موقع القيادة أو المرجعية، وما تقرره أو يتقرر فيها يؤثر ــ بالسلب أو بالإيجاب ــ فى سائر الدول العربية، بحاضرها ومستقبلها.

فأما «الرأى» فحول الانتخابات الرئاسية فى مصر، لاسيما وقد حسم المشير عبد الفتاح السيسى موقفه فاستقال من موقعه العسكرى الممتاز كقائد عام للقوات المسلحة وقرر التقدم إلى الانتخابات الرئاسية.

•••

أولى الملاحظات: إن المسافة شاسعة بين الميدان بانتفاضاته المجيدة وغير المسبوقة فى جذرية أهدافها وصراحة شعاراتها وبين النتائج السياسية بعنوانها الأبرز: وصول عسكرى، مرة أخرى، إلى رئاسة الدولة التى تفجر الطموح إلى إعادة بنائها بقدرات شعبها الذى أكد حضوره الباهر، بعد تغييب قسرى استطال دهورا.

ولا يتصل الأمر بشخص هذا «العسكرى» الذى استطاع بقرار شجاع، وفى لحظة فارقة فى التاريخ المصرى الحديث، أن يوفر لحركة الاعتراض الشعبى الجارف لحكم «الإخوان» فرصة إسقاط «النظام» الذى حاولوا إقامته بالتسلل والتحايل على انتفاضة «الميدان»، التى كان الأبرز فى شعار جموعها «يسقط، يسقط، حكم العسكر».

بل أن الأمر يتصل بالمفارقة المتمثلة فى أن «الميدان» الذى كان يهتف بسقوط حكم العسكر يجد نفسه الآن فى مواجهة خيار محدد يتقدم فيه «مرشح» كان على رأس المؤسسة العسكرية إلى الانتخابات الرئاسية التى سوف تجرى بعد أسابيع قليلة، فى صورة «المنقذ» من حكم الإخوان.

هل ينجح «العسكرى» الذى اتخذ القرار الشجاع بقيادة التحرك الشعبى لإسقاط حكم الإخوان، الذين كانوا يراهنون على البقاء فوق سدة الحكم فى مصر إلى ما شاء الله، فى تقديم نفسه إلى المصريين (ومن بعدهم إلى العرب والعالم) فى صورة «الرئيس المدني» المؤهل والقادر على تجديد الحياة السياسية فى مصر بالقوى الحية فيه والتى فجرت ثورتين هائلتى التأثير خلال ثلاث سنوات أو أقل؟

أم تراها تكون عودة إلى «حكم العسكر» الذى امتد لستين عاما، أى منذ ثورة 23 يوليو 1952 وحتى أول يوليو 2013، مع فاصل لم يتجاوز السنة تحت حكم الإخوان الذى نجح فى استفزاز المصريين ونزولهم، مرة أخرى، إلى الميدان، لإسقاطه متجاوزين شعارهم الأثير الذى اتخذوه راية وعنوانا لنضالهم المتجدد «يسقط، يسقط، حكم العسكر»، عبر الاستجابة المليونية لنداء القائد العام للقوات المسلحة، يومها، الفريق أول عبدالفتاح السيسى؟

المسألة، إذن، هى ببساطة: تولى عسكرى، مرة أخرى، الرئاسة والقيادة العامة لشئون الدولة، فى أكبر دولة عربية، وبعد تجارب مريرة لحكم العسكر فى العديد من الأقطار العربية، كان يؤمل أن تدخل التاريخ.

فإذا ما تجاوزنا أول محاولة انقلابية وهى تلك التى وقعت فى العراق الملكى تحت الانتداب البريطانى فى أربعينيات القرن الماضى، فإن الحكم فى سوريا ــ الجمهورية ــ قد بات تحت مظلة العسكر ابتداء من ربيع 1949 (بعد الهزيمة فى فلسطين مباشرة) وهو قد تواصل، بصيغة أو بأخرى وما زال مستمرا حتى اليوم.. وفى مصر ابتداء من ثورة يوليو 1952 وحتى انتفاضة الميدان فى بدايات 2012، وفى العراق منذ ثورة 14 يوليو 1958، وفى اليمن مع تفجر ثورتها الشعبية العظيمة وإجلاء الاستعمار الاستيطانى الفرنسى، أى فى سنة 1965، وفى ليبيا ابتداء من أول سبتمبر 1969، وفى السودان تناوب العسكر على الحكم، مع فترات فاصلة محدودة من الحكم المدنى، طوال الأربعين سنة الماضية، أما فى تونس فقد خلع العسكر الحبيب بورقيبة واستولى زين العابدين على السلطة طوال العقود الثلاثة الماضية. أما فى الجزائر فلم يدم الحكم المدنى لقادة الثورة إلا ثلاث سنوات ثم تولاه العسكر.. حتى اليوم.

هذا يعنى أن العسكر قد هيمنوا على السلطة فى اكبر واهم الدول العربية، مشرقا وغربا، على امتداد الستين سنة الأخيرة، وبالتالى يمكن اعتبار النظام العسكرى مسئولا عما شهدته هذه الدول من تحولات واضطرابات ومن تقدم وانتكاسات، وان كانت الحصيلة النهائية كارثية، كما تشهد أحوال هذه البلاد بعد ستين سنة أو يزيد من «إنجازات» الأنظمة العسكرية.

•••

ولعل أخطر هذه «الإنجازات» أن الحركة الشعبية، بأحزابها وتنظيماتها السياسية والنقابية والمهنية ونخبها الثقافية، قد اندثرت، أو تكاد، بعد مسلسل القمع وشراء الموالاة بالمناصب والامتيازات، فتبدت البلاد وكأنها صحراء قاحلة، لا مواهب فيها ولا كفاءات.. إذ كان الخيار أمام هؤلاء محددا: توالون فتقبلون فى خدمة السلطان، وتعترضون فتهمشون وتدفعون دفعا إلى مغادرة البلاد وبيع كفاءاتكم للخارج.. أما إذا قررتم المجابهة والتحدى فالمعتقلات تتسع لكم جميعا.

وليست مصادفة أن تتهاوى دول عريقة مثل مصر والعراق وسوريا وتغترب عن العصر، وأن تتخلف فى مجالات الإنتاج جميعا، وأن تغادرها كفاءاتها الممتازة، وأن يسود الفساد فى إداراتها وأجهزتها جميعا، نتيجة فساد الحكم واستبداده وسيادة المنطق العسكرى «نفذ ثم اعترض».. ويمكن إضافة الجزائر وليبيا واليمن إلى هذه القائمة.

لقد هاجرت النخب إلى حيث يمكنها أن تبيع كفاءتها فتعيش حياة بلا قمع، بل لقد ارتضى كثيرون أن يعيشوا ظروفا قاسية فى «المنافى المريحة».. فخسرت بلادهم أبناءها الأقدر على بنائها، بينما استولت طغمة الحكم العسكرى على المناصب القيادية وفتحت الباب للانتهازيين والمنافقين وناقصى الكفاءة، فإذا الفساد يضرب الإدارة، وإذا الرشوة تسود، وإذا الحاكم محاط بأهل السوء بعيد عن هموم شعبه وعن حقه المشروع فى التقدم.

وبالتأكيد فإن بلادا مثل مصر، بدولتها العريقة، هى اليوم أعظم تخلفا مما كانت عليه فى الستينيات، بغض النظر عن الادعاءات... فالتعليم أسوأ، بما لا يقاس، والإدارة أعظم فسادا، والمدن قد تريفت، وخدمات الدولة بالرشوة.. إلخ.

هذا على مستوى الداخل... أما على المستوى العربى فسيكون أمام المتقدم لرئاسة مصر أن يخوض امتحانا قاسيا: فالقادر على مساعدته من الأنظمة ليس حرا فى تقديمها، حتى لو أراد، بل انه مضطر لأن يعود إلى «أصحاب القرار»، وأصحاب القرار دول كبرى بعيدة، يمكن اختصارها بالولايات المتحدة الأمريكية، لها مصالحها ولها مواقفها ولها ارتباطاتها ولها حليف استراتيجى أوحد فى المنطقة هو: إسرائيل.

إن الوصول إلى مقام الرئاسة خطوة أولى على طريق محفوف بالمخاطر...

إن المهمة ثقيلة لا يمكن أن ينجزها فرد أو مجموعة أفراد، أو حزب أو مجموعة أحزاب.

إن مصر أمام تحدٍ: أن تستعيد، ذاتها وروحها ودورها وقدرتها على الانجاز.

وفى قرار تصدى المشير السيسى لهذه المهمة الجليلة شجاعة استثنائية..

مع تمنى أن تستعيد مصر عافيتها ودورها فى صناعة الغد الأفضل لشعبها ولأمتها التى تشرفها بموقع القيادة.

طلال سلمان كاتب صحفي عربي بارز، مؤسس ورئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية، كما أنه عضو في مجلس نقابة الصحافة اللبنانية - المدونة: www.talalsalman.com
التعليقات