الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 8:00 م القاهرة القاهرة 28.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

مأزق الأمراء الشبان فى السعودية

نشر فى : السبت 2 مايو 2015 - 9:05 ص | آخر تحديث : السبت 2 مايو 2015 - 9:05 ص

ما جرى فى السعودية من تغييرات جوهرية فى بنية الحكم ومراكزه الرئيسية هو انقلاب قصر تكميلى عند حافة نقل السلطة من أبناء الملك المؤسس «عبدالعزيز بن سعود» إلى جيل الأحفاد.

لم تكن هناك أية مفاجأة فى إعفاء ولى العهد الأمير «مقرن بن عبدالعزيز»، فقد أجمعت التقديرات التى أعقبت رحيل الملك «عبدالله بن عبدالعزيز» على أن هذا الإعفاء مسألة وقت غير أن أحدا لم يتوقع أن يحدث بمثل هذه السرعة.

صعود وإطاحة «مقرن» عنوان على صراعات السلطة ومآسيها الإنسانية.

هو من أم يمنية لا يتمتع بنفوذ يعتد به فى موازين الأسرة الحاكمة رغم ما يحوزه من مواهب شخصية بدت واضحة فى مؤتمر «شرم الشيخ» الاقتصادى ومستويات تعليم مرتفعة لم تتوفر لأى من إخوته الأكبر.

فرضه الملك الراحل بصلاحياته شبه المطلقة وليا لولى العهد، وكان ذلك منصبا مستحدثا ضمن آليات جديدة لنظام البيعة يتحسب لأية صراعات مقبلة على السلطة تؤثر على مستقبل الأسرة كلها.

بالقرب من نقل السلطة إلى جيل جديد داخل أسرة واحدة بدا صعود «مقرن» خطوة أولية لحسم أسئلة المستقبل.

راجت تكهنات قوية عن إعفاء متوقع لولى العهد الأمير «سلمان» من منصبه لأسباب صحية وصعود «مقرن» إلى المنصب نفسه مع صعود آخر للأمير «متعب بن عبدالله» النجل القوى والطموح للملك إلى ولاية ولاية العهد وأن يكون أول ملوك جيل الأحفاد.

السيناريو نفسه حدث بحذافيره لكن بأسماء جديدة وخلفاء آخرين.

أطيحت نخبة الحكم من حول الملك «عبدالله» قبل أن يوارى الثرى، ورغم أن ذلك كان مفاجئا قياسا على ما هو معتاد فى السياسة السعودية من محافظة إلا أنه كان من مقتضيات صراعات السلطة التى لا ترحم بطبيعتها وفق قاعدة «ويل للمهزوم».

وقف الأمير «مقرن» على رأس المبايعين للذين أطاحوه، وكان ذلك تعبيرا عن حقائق القوة واعتراف بنتائجها.
غير أن هذه ليست نهاية المطاف.

من المحتمل للغاية دمج الحرس الوطنى الذى يترأسه الأمير «متعب» وتفوق قوته أجهزة الأمن من حيث العتاد والتدريب فى بنية وزارة الدفاع تحت قيادة الأمير الشاب «محمد بن سلمان».

حسم الصراع لصالح «فرع سلمان» على حساب «فرع عبدالله».

توارت نخبة حكم وصعدت أخرى تحت اللافتة نفسها: نقل السلطة إلى جيل جديد.

مركزا السلطة الآن هما الأميران: «محمد بن نايف» ولى العهد الجديد و«محمد بن سلمان» ولى ولى العهد.

الأول، يحمل حقيبة الأمن، وله خبرة طويلة فى شئونها، تعرض لمحاولة اغتيال ويحظى بثقة الإدارة الأمريكية وقد تجاوز منتصف خمسينيات العمر.. والثانى، حديث العهد بالحكم نظرا لأنه بالكاد تجاوز الثلاثين من عمره يستند كل نفوذه على أنه نجل الملك الأقرب رغم أنه الأصغر، ويحمل حقيبة الدفاع رغم أنه لا توجد لديه خلفية عسكرية يعتد بها.

فارق السن بين الأميرين كبير إلى حد يتوجب احترامه فضلا عن أن الأول لم ينجب ذكورا قد يسعى لتوريثهم الحكم بعده غير أن الصدامات يمكن أن تنشأ بطبائع البشر.

حسب المعلومات الأولية عن شخصية الثانى فهو جامح.

هناك أزمات محتملة وإطاحات مستقبلية لا يمكن استبعادها، غير أنه يصعب الإطاحة بـ«محمد بن نايف» بلا ثمن باهظ من تماسك الأسرة المالكة.

ورغم أن انقلاب القصر أسبابه داخلية وطبيعية بالقرب من نقل السلطة إلى جيل جديد إلا أن أثره الإقليمى يكاد أن يكون انقلابا استراتيجيا.

نخبة الحكم الجديدة أميل أن تكون راديكالية فى الإقليم ومحافظة فى الداخل.

هذا التناقض جوهر مأزقها.

التجديد بذاته ضرورة مستقبل، فـ(٦٠٪) من السعوديين فى سن الشباب.

غير أن صعود الأمراء الشبان لا يرادفه تفكيرا مختلفا فى إدارة شئون الدولة ولا فى طبيعة مؤسساتها.

مما يحسب للعاهل السعودى الراحل أنه حاول تحديث مجتمعه وإضفاء طابع شبه ليبرالى على سياساته، توسع فى البعثات التعليمية إلى الخارج التى شملت على نطاق لافت مبعوثات، وحاول فى الوقت نفسه أن يخفض بصورة نسبية من منسوب الخطاب الدينى فى المتغير السياسى.

هذه السياسات تقوضت الآن رغم أية أحاديث عن تجديد الدماء فى بنية الحكم ورغم أن هناك طبقة وسطى واسعة حصلت على قدر من التعليم والإطلاع على العالم تطلب الشراكة فى القرار السياسى وألا ترهن مواقفها للمبايعات.

غياب الإصلاح السياسى يسحب على نحو فادح من السعودية أية رهانات على صعود أدوارها الإقليمية.

لديها فوائض نفطية تضعها فى مقدمة دول الإقليم من حيث الوزن الاقتصادى ولديها مخزون سلاح متراكم حاولت لأول مرة فى تاريخها أن تتقدم به بالنيابة عن نفسها للحرب فى اليمن.

فى التفكير نفسه خروج عن السياق التقليدى السعودى، ربما يكون اضطراريا لكنه يحتاج بعض الوقت لاستجلاء حقائقه وتبعاته، فلم تكن حرب اليمن نزهة ولا العمليات الجوية قوضت نهائيا الحوثيين وجماعة الرئيس السابق «على عبدالله صالح»، أضعفتهم وقطعت خطوط اتصالاتهم لكنها لم تغير جذريا الحقائق على الأرض وأفضت بعض نتائجها إلى خسائر بشرية فادحة راكمت مشاعر سلبية للغاية لدى اليمنيين العاديين.

من اللافت أن الأجواء الإعلامية التى واكبت العمليات العسكرية سوغت صعود الأمير «محمد بن سلمان» إلى منصب ولى ولى العهد.

اختفى الأمير «مقرن» تماما من الصورة التى تصدرها الأمير الشاب وحده، فهو الذى يقود العمليات ويصدر التعليمات باعتباره وزيرا للدفاع.

وقد كان مثيرا أن يعلن العاهل السعودى إشراك «الحرس الوطنى» بقيادة الأمير «متعب» فى عمليات «عاصفة الحزم» قبل نحو ثلاث ساعات من توقفها رسميا.

هذه الارتباكات بدت تعبيرا عن أزمة سلطة تختمر فى الكواليس قبل أن تعلن عن نفسها.

ربما لو تأخرت التغييرات بعض الوقت لصعب اتخاذ مثل هذا القرار فقد يُحمل الأمير الشاب بكل الفواتير السياسية لحرب اليمن.

الشعور المبالغ فيه بالقوة أخطر ما يعترض الأمراء الشبان وقد يغوى بتدخلات فوق الطاقة العسكرية تورط فى مستنقعات لا خروج منها.

تعتقد نخبة الحكم الجديدة فى السعودية أن إيران هى العدو، ورغم النفى المتواتر فإن الاستقطاب المذهبى هو جوهر الخطاب.

هناك تحالف معلن بين السعودية وقطر وتركيا يعمل على تغيير موازين القوة العسكرية على الأرض فى سوريا قبل الذهاب مجددا إلى موائد التفاوض فى جنيف، وهذا التحالف يطلق على «جبهة النصرة» التى تنتمى مباشرة إلى «القاعدة» ومثيلاتها «المعارضة المسلحة».

ليست المشكلة فى إطاحة «بشار الأسد» بقدر ما هى الرهان على تطويع «جبهة النصرة».

إنه رهان يقوض عمليا أية أحاديث سعودية عن مقاومة الإرهاب فى اليمن أو فى ليبيا ويؤثر بالسلب على مستقبل العلاقات مع مصر.

الأخطر من ذلك أن هناك توجها فى الكونجرس الأمريكى لتقسيم الجار العراقى إلى ثلاث دويلات «سنية» و«شيعية» و«كردية».

وهذا انقلاب استراتيجى فى الجغرافيا السياسية للإقليم كله تداعياته مرعبة على وحدة أراضى دول عربية رئيسية أخرى فى مقدمتها السعودية.

الراديكالية السعودية الإقليمية تناهض سياستها الخارجية منذ تأسيسها حتى الآن وتستبد بها مبالغات فى القوة لا تقف على أرضية سياسية صلبة.

ورغم أن وزير الخارجية الجديد «عادل الجبير» يتمتع بكفاءة مهنية ويحظى بدعم معلن من الإدارة الأمريكية غير أنه يصعب أن يحوز نفوذ سلفه الأمير «سعود الفيصل» فى رسم السياسة الخارجية لبلاده.

بتلخيص ما فإن مركزى السلطة «بن نايف» و«بن سلمان» سوف يرسمان هذه السياسة، أحدهما من منطق الأمن والآخر بقوة السلاح.

كما يعلمنا التاريخ دائما فلا أمن بلا ظهير شعبى، وهذا كلام فى الإصلاح السياسى الذى تحتاجه السعودية لتلتحق بعصرها وتضمن سلامتها الداخلية، ولا سلاح بلا افق سياسى وإلا فإنه التنازع مع الأطراف العربية الأخرى وأولها مصر.