الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 10:03 م القاهرة القاهرة 28°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

شارة أردوجان: ما بين الرموز والأوهام

نشر فى : الإثنين 2 سبتمبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 2 سبتمبر 2013 - 8:00 ص

لم يكن رئيس الوزراء البريطانى الأشهر «ونستون تشرشل»، وهو يشير بعلامة النصر فى خطاب مفتوح لأمة تعانى أوجاع هزائمها فى الحرب العالمية الثانية، يصطنع رمزا صاغت فكرته وألوانه شركة علاقات عامة على النحو الذى قام به رئيس الوزراء التركى «رجب طيب أردوجان» بعد (٧٢) عاما، فالرموز السياسية فى أوقات المحن والشدائد ملخصات لرسائلها تستمد قيمتها من بساطتها وقوتها من صدقيتها.

شارة «تشرشل»، وهو يصنع من أصبعى يده اليمنى السبابة والوسطى شكل الحرف الأول «V» من كلمة «نصر» باللغة الإنجليزية فى خطاب وجهه للأمة البريطانية فى يوليو (١٩٤١) على وقع الأصوات المدوية للطائرات الألمانية وهى تلقى بحمولاتها على العاصمة «لندن»، لم يعد بغير «العرق والدم والدموع»، استخدم شارة نصر لم يخترعها، فكرتها بنت مجتمعها، فأساطير القرون الوسطى فى حرب المائة عام تنسب لمقاتليها استخدام العلامة نفسها تأكيدا أن الأصبعين لم يقطعا على ما درجت روح الانتقام أن تفعل بالأسرى فيها، إن الأصبعين مازالا قادرين على مسك القوس وشده إلى آخره، وفى الشارة روح تحد وأمل فى نصر.. الأساطير غير المؤكدة تاريخيا وجدت من يتبنى شارتها داعيا إلى استخدامها على نطاق واسع لرفع الروح المعنوية للحلفاء فى الحرب العالمية الثانية على ما اقترح وزير عدل بلجيكى سابق «فيكتور دى لافالييه» عبر هيئة الإذاعة البريطانية بنسختها الفرنسية قبل سبعة أشهر من خطاب «تشرشل» التاريخى بالمعنى الحرفى للكلمة. علامة النصر استمدت من الثقافة الشعبية الأوروبية، بوقائعها وأساطيرها، وانتشرت كصرعة عامة على جدران البيوت فى بلجيكا وهولندا وشمال فرنسا ثم فى أنحاء القارة الأوروبية حتى دشنها الزعيم البريطانى رمزا يلهم فى مواجهة قوات النازى المكتسحة. بعد عام واحد فى (١٩٤٢) دشن علامة النصر ذاتها الجنرال الفرنسى الشاب «شارل ديجول» تصاحبه فى كل خطاباته أثناء الحرب وبعدها، وبدت جزءا من التقاليد القتالية الفرنسية وأجواء التمسك بالأمل فى أحلك الأوقات، والشارة تحولت إلى رمز إنسانى عام تجاوز التجربة الأوروبية، وطبيعة الأفكار المحافظة لـ«تشرشل» وتقاليده الإمبراطورية، إلى قوى التغيير التى هبت رياحها بعد الحرب العالمية الثانية، وبعضها رفع السلاح فى الخمسينيات والستينيات فى وجه الاحتلال البريطانى وأية احتلالات أخرى.

نازعت رئيس الوزراء التركى «رجب طيب أردوجان» فكرة احتذاء شارة «تشرشل»، أن يحاكيها وينسخها فى نفس الوقت، بإشارة أخرى بأصابع اليد اليمنى عكفت على صياغتها شركة علاقات عامة.

فى خطاب ألقاه بغرب الأناضول يوم (١٧) أغسطس (٢٠١٣)، بعد فض اعتصام «رابعة العدوية» بثلاثة أيام، رفع يده اليمنى بأربعة أصابع والخامس مطوى تحتها، وعلى الفور رفع أنصاره رايات عليها «علامة النصر الجديدة» على ما وصفها، حاول أن يصور نفسه كـ«زعيم تاريخى» من وزن «تشرشل» يلهم النصر ويصوغ رموزه ويستبدل رموزا بأخرى، معتقدا أن الإنسانية سوف تمضى وراءه.

كان كل شىء معدا قبل فض اعتصام رابعة لما قد يحدث بعده وتولته شركة علاقات عامة، وهو الأمر الذى لم يلتفت إليه «تشرشل» و«ديجول» وقادة حركات التحرير فى العالم بأسره!

الشارة تنطوى على «مظلومية» بالتعبير الإخوانى الشائع، لكن المظلومية ملتبسة، فالاتهامات تطارد الاعتصام بأنه لم يكن سلميا، وأن سلاحا قد خزن فيه، وتعذيبا قد جرى داخله على ما أشارت منظمة العفو الدولية، وأن أطفالا جلبوا إليه كدروع بشرية من ملاجئ على ما رصدت «اليونيسيف».. وقد نقلت رسوماتها إلى تجمعات وتظاهرات الإخوان المسلمين فى مصر على رايات وملصقات و«تى شيرتات» لكف يد بلون أسود من أربعة أصابع على خلفية لونية صفراء، وأزيحت صور الرئيس السابق «محمد مرسى» من صدارة الاحتجاجات إلى هوامشها، بلا مراجعة معلنة لأسباب إزاحتها، وعما إذا كانت تعبيرا عن يأس من عودته وأن صفحته طويت عند جماعته. لا شىء فى احتجاجات «جمعة الحسم والطوفان»، التى سادتها رايات «أردوجان»، ينبئ عن حسم ممكن أو طوفان يحدث، فالجماعة فى حالة انحسار وقدرتها على الحشد والتعبئة فى تراجع، تتصادم مع مجتمعها وتفتقر بصورة فادحة إلى أى ظهير شعبى، وبدت أسيرة أوهام رجل فقد اتزانه ورشده، شارته بدت فى تصميمها أقرب إلى عوالم الإعلانات التى تروج لشاليهات على ساحل المتوسط، كأنها اقتطعت من سحر الطبيعة وفنون العمران والخضرة حولها، دون أن تكون قد وضع فى خلائها حجر على حجر(!)

الذين صمموا الشارة استخدموا اللون الأسود لكف بأربعة أصابع على خلفية صفراء فاقعة دون أن نستبين فلسفة ما فى اختيار اللونين دون سواهما من بقية الألوان، فالأسود لكف اليد لا يرمز إلى دم أريق أو معاناة جرت لضحايا لا ذنب لهم ولا جريرة بقدر ما يرمز إلى انتقام وعنف على ما تذهب إيحاءات اللون نفسه فى رايات القاعدة، الخلفية الصفراء لا تحمل بدورها معنى له دلالة تستقى سوى أنه يتناسق مع الأسود أكثر من غيره وفق نظريات الألوان الشائعة عند المصممين والتشكيليين وفى بيوت الموضة العالمية.

الرموز تصنع فى بلدانها، فى بيئتها الطبيعية من داخل الحدث وتعبيرا عن روحه العامة، لا بألعاب «أكروبات» على مسارح السياسة الإقليمية.. والخلط ما بين إلهام الرموز وانتحالها استغراق فى الأوهام وخسارة معركة الصورة قبل أن تبدأ، فنسبة الشارة إلى «أردوجان» تستدعى التحفظ عليها، فلا كلمته مسموعة فى مصر، وسمعته تدهورت فيها كسقوط من حالق، ولا المصريون يتقبلون تقليديا التدخل الأجنبى فى صراعاتهم الداخلية على هذا النحو الاستفزازى الذى يتبعه.. وقد أفضت تصرفاته إلى سحب على المكشوف من الرصيد التركى فى الشارع المصرى الذى خسر، بحماقات كبرى، رهاناته المعلنة أن يكون القرن الجديد هو «القرن التركى فى الشرق الأوسط» على ما تبنت مراكز أبحاث فى استنبول.

افتعال الشارات والرموز أفضى إلى حملة سخرية واسعة رافقت شارته على شبكة التواصل الاجتماعى من مصممين مصريين أخذوا يتندرون برسومات تحاكيها على تصميمها وألوانها ورسالتها نفسها، كأن ترسم بندقية تتخلل الأصابع الأربعة، والشارة فى رمزيتها وتوقيتها تفتقر إلى رسالة واضحة تحملها وبلا خطاب سياسى يسندها ويشرح قضيتها، وحضورها الكثيف فى «جمعة الحسم والطوفان» بدا جزءا من أزمة الجماعة لا طريقا إلى حسم أو طوفان أو أمل، فالجماعة لا تتسق تصرفاتها مع أزمتها المتفاقمة مع مجتمعها، لا تراجع الأخطاء ولا تبدى استعدادا جديا لتهدئة هى من صالحها، خسرت أوراقها واحدة تلو أخرى، تبدو فى حالة انتحار تاريخى بينما ترفع رايات النصر الجديدة التى صاغتها شركة علاقات عامة.. هتافات تجمعاتها تتخبط ما بين دعوة محبطة إلى «دولة إسلامية» تنفرد الجماعة وأنصارها بمقدراتها وتصوغ حقائقها على مصالحها وارتباطاتها الإقليمية والدولية ودعوة أخرى لدولة مدنية حديثة وكلام حول مظلومية جديدة تجد رمزيتها الافتراضية فى شارة «رابعة»، لكنها لا تؤثر ولا تلهم أحدا خارج دوائر الجماعة التى تتقلص بصورة فادحة.

ما بين الانغلاق على التصورات الأيديولوجية القديمة والانفتاح على شعارات ذات طبيعة إنسانية عامة بدت الشارة الجديدة كـ«ألعاب نارية» تطلق فى الهواء، تتناثر أضواؤها وتدوى أصواتها، قبل أن يروح الضوء والصوت معا إلى نسيان سريع.. واستدعاء شارة «أردوجان» إلى قلب المشهد المصرى المحتقن فيه إخفاقها، فالفكرة بتصميمها وألوانها فيها صنعة لا إلهام، اختلاق فى تصوراتها وأهدافها، ورسائلها ملتبسة، أو شىء أقرب فى الذهنية التى صاغتها أقرب إلى حملات ترويج السلع الاستهلاكية.