الأحد 17 ديسمبر 2017 3:41 م القاهرة القاهرة 20.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

إرهاب فيجاس وإرهاب مانهاتن

نشر فى : الخميس 2 نوفمبر 2017 - 10:15 م | آخر تحديث : الخميس 2 نوفمبر 2017 - 10:15 م

لا يحتكر الإرهاب دينا واحدا أو عرقا واحدا أو شعبا أو أمة واحدة. جريمة الإرهاب الخسيسة يقوم بها أشخاص مدفوعون بعوامل مختلفة بعضها دينى أيديولوجى وبعضها الآخر أيديولوجى غير دينى، بعضها فاشية وبعضها متعصبة.

وجاءت العملية الإرهابية الأخيرة التى وقعت فى منطقة مانهاتن بمدينة نيويورك الأمريكية لتجدد الجدل والنقاض حول تعريف ومسببات الإرهاب، وبالطبع كيفية القضاء عليه.

وشهدت الولايات المتحدة حادثتين إرهابيتين من العيار الثقيل خلال الشهر الماضى، ففى الثانى من أكتوبر قتل 59 شخصا وأصيب أكثر من 200 آخرين عندما فتح مسلح النار أثناء حفل غنائى فى مدينة لاس فيجاس بولاية نيفادا فى الغرب الأمريكى. نفذ العمل الإرهابى ستيفن بادوك البالغ من العمر الرابعة والستين. ديانة بادوك هى المسيحية، ولا يعرف حتى اليوم السبب وراء قيامه بهذا العمل الإرهابى، إلا أن البعض يعتقد أنه اكتئاب أو مرض نفسى، ويرى آخرون أنه كان شخصا عاديا جدا ولا يوجد أى مبرر مقنع لقيامه بما فعل. ولم يتحدث أحد عن ديانته المسيحية، إذ لا يعرف عنه أى تدين أو التزام دينى، ونفذ بادوك جريمته منفردا.

حادثة مانهاتن اقترفها شخص أوزباكستانى الأصل يبلغ 29 عاما، اسمه سيف الله سايبوف، ولديه إقامة دائمة فى الولايات المتحدة التى وصلها قبل سبعة أعوام وأقام فى عدة ولايات بها منها فلوريدا وأوهايو ونيوجيرسى. وسايبوف متزوج ولديه ثلاثة أطفال، ويقال إنه أصبح عدوانيا بعد اعتناقه أفكارا متطرفة بعد وصوله لأمريكا. وتشير الأدلة المتوفرة حتى الآن إلى أن المهاجم نفذ هجومه منفردا.

فى كلتا الحالتين قتل سايبوف وبادوك أناسا أبرياء لا يعرفونهما على الإطلاق، وتسببا فى معاناة مئات العائلات متنوعى الخلفيات والهويات. وتدفع هذه الحوادث الإرهابية المتكررة السلطات لإعادة البحث فى قضايا ومسائل قانونية تسمح للإرهابيين باقتراف مثل تلك الجرائم، فى حالة لاس فيجاس استغل بادوك حقه فى الحصول على أسلحة متنوعة متقدمة مما ساعده على إيقاع هذا العدد الكبير من الضحايا. ويتم البحث حاليا عن سبل لمنع امتلاك مثل هذه الأسلحة المتوفرة قانونيا فى مختلف الولايات المتحدة. ونفس الشىء سينطبق على برنامج الهجرة العشوائى الذى يسمح بقدوم 55 ألف مهاجر سنويا للولايات المتحدة يتم اختيارهم عشوائيا وكان منهم الإرهابى سيف الله سايبوف. وستدفع حالة سايبوف للبحث فى دوافع اتجاه شخص لديه عائلة وأطفال صغار للتحول للراديكالية الدينية، واقتراف جريمة إرهابية، وربما التضييق على برنامج الهجرة الذى سمح له بالقدوم لأمريكا.

***

قبل ست سنوات شهدت دولة النرويج هجومين متزامنين، دبرتهما جماعة أصولية يقودها شخص اسمه «أندريس بريفيك»، وهو نرويجى الأصل والجنسية ومسيحى الديانة. الهجوم الأول شن ضد مبانٍ حكومية بالعاصمة أوسلو فى صورة سيارة مفخخة وضعت قبالة مبنى مجلس الوزراء، والهجوم الثانى استهدف مخيما لشباب حزب العمل الحاكم فى جزيرة أوتايا المجاورة للعاصمة. نتج عن تفجير المبانى الحكومية مقتل 11 شخصا، وإصابة العشرات. وبعد التفجير الأول بساعتين انتقل القاتل إلى جزيرة أوتايا متنكرا فى ملابس شرطى وأطلق النار عشوائيا وقتل 65 شخصا، وأصاب أكثر من مائة من الشباب المشارك فى المخيم الصيفى للحزب الحاكم. ألقى القبض على أندريس بريفيك وحوكم بتهم الإرهاب والقتل العمد، واستغرقت محاكمته تسعة أشهر، ثم صدر حكم بسجنه 21 عاما.

منفذ الهجوم اعترف أنه مسيحى متدين، وله موقع إلكترونى ينشر فيه مواد مناهضة للأجانب وللإسلام ولسياسات الهجرة ولسياسات الحكومة النرويجية تجاه هذه الملفات. نشر بريفيك بيانا من 1500 كلمة عرف نفسه فيه بأنه «صليبى مسيحى»، وأنه يفعل ما أمره به الرب. لم يخرج أحد داخل النرويج ولا خارجها ليدين «الإرهاب المسيحى»، وهذا هو الصواب هنا. أقر الجميع أن ما وقع هو عمل فردى وجريمة قتل عمد، وحوكم القاتل ونال جزاءه على جريمته.

***

يختلف الأمر كثيرا حينما يكون الإرهابى من متبعى الديانة الإسلامية. وبداية لا يختلف أحد على أن الإرهابيين من متبعى الدين الإسلامى يجدون لأنفسهم مبررات فى نص القرآن الكريم المقدس وفى التاريخ الإسلامى لتبرير أفعالهم. ويرتبط ذلك بجهل كبير فى فهمهم لبعض النصوص القرآنية من ناحية، ومن ناحية أخرى كسل وخوف علماء الدين الإسلامى من مواجهة صريحة مع مشكلة تأويل النص وترجمته بصور متناقضة فى بعض الحالات. يستغل شيوخ التطرف والإرهاب انصراف علماء الدين عن واجبهم ودورهم الحيوى ليملئوا أدمغة أشخاص مضطربين وإقناعهم بارتكاب جرائم إرهابية يتم إلصاقها بالدين الإسلامى. منذ قيام 19 شابا مسلما بأكبر الهجمات الإرهابية فى التاريخ المعاصر وهى أحداث 11 سبتمبر، أنبرت المجتمعات الغربية فى دراسة الظاهرة الإرهابية. وتخرج نظريات وتفسيرات متنوعة من كل صوب وحدب. إلا أننا المسلمين لم نقم بواجبنا كاملا بعد فى ضرورة البحث فى جوهر قضية استغلال التطرف لنصوص دينية لتبرير الإرهاب. يؤمن بالدين الإسلامى أكثر من مليار ونصف المليار من البشر من مختلف أركان الأرض، ولا يجب أن يترك الإسلام فريسة تتنازعها قوى الظلام والتخلف والعنف. علينا أن نطهر ونفسر النصوص المعقدة بصورة جريئة تناسب متطلبات العصر الذى نحيا فيه، حتى لا يقوم غيرنا بهذا العمل ونبقى خارج حركة سير التاريخ.

كما علينا القيام بمواجهة جادة مع المدارس الفكرية التى تستغل وجود حريات فى بعض المجتمعات تستغل لإطلاق «دعوات للكراهية» أو «التحريض على العنف والقتل»، والوعود «بمكافآت» دينية أخروية حال قتل غير المسلمين. ولا ولن يحدث ذلك إلا إذا تمتعت المجتمعات الإسلامية بحريات سياسية واسعة تطلق العنان لجدال الأفكار والتيارات، ولا تخشى من سطوة حكام يستغلون أيضا الدين لتبرير حكمهم وقمعهم.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات