الخميس 14 ديسمبر 2017 4:15 ص القاهرة القاهرة 14.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

«أخضر يابس».. شيخوخة فى سن الشباب!

نشر فى : الخميس 2 نوفمبر 2017 - 10:15 م | آخر تحديث : الخميس 2 نوفمبر 2017 - 10:15 م

تدهشنى موهبة هذا الجيل الشاب من مبدعى الأفلام، وتدهشنى أكثر جرأتهم وقدرتهم على التعبير السينمائى، وإصرارهم على تحقيق أفلامهم. فى مقدمة هؤلاء محمد حماد، مؤلف ومخرج فيلم «أخضر يابس»، الذى أعتبره صاحب موهبة عظيمة، وأرى فيلمه البديع من أفضل وأهم أفلام 2017، وأجد الفيلم وصاحبه جديرين بالتقدير الذى حصلا عليه فى المهرجانات العالمية.

مثل أى مخرج كبير، ينجح حماد، منذ الدقائق الأولى، فى أن يقدم تفصيلات عن حياة بطلته «إيمان»، يستدرجنا إلى قلب مشكلتها من دون أن تنطق بها، تلتقط الكاميرا أدق تعبيرات بطلة الفيلم المدهشة هبة على، والتى نجح حماد خلال شهور من التدريب فى أن يصل بها إلى أداء رفيع، يرشحها فى رأيى لتكون أفضل ممثلة فى دور أول فى موسم 2017، بل ينجح الفيلم فى أن ينقل فكرته إلى دائرة أوسع بكثير من عالم المرأة.

رأيت فى الفكرة نبرة احتجاج من جيل بأكمله، يهرب شبابه من دون أن يتحقق، لا يشعر به أحد مثل بطلتنا، فيذبل على عوده، يصبح يابسا وهو فى سن الشباب، الفكرة شديدة الثراء وتنطبق على كل من يموت وهو على قيد الحياة، فلا يفيد أو يستفيد.

«إيمان» لا يوجد سبب عضوى لانقطاع دورتها، وانعدام فرصتها فى الإنجاب، ولكن وحدتها، وحياتها الخالية من الحياة، وعدم إحساس الآخرين بها، هى سبب معاناتها الصامتة، يوهمنا الفيلم أن موضوعه انشغال إيمان بالإعداد لاستقبال عريس شقيقتها الصغرى «نهى»، بينما هو يقدم دراسة نفسية واجتماعية عميقة لإيمان التى لا تغيب أبدا عن الصورة.

الزيارة المفترضة للعريس ستُعرى أزمة الأخت الكبرى، وستكون حيلة درامية كاشفة عن مأساة، تعاطفنا مع إيمان بلا حدود، نراها كشخصية مسئولة تجاه عملها فى محل حلوانى، وتجاه أختها من فلوس الملازم إلى شراء الستائر، بل البحث عن الأعمام لاستقبال العريس.

هى أيضا ملتزمة دينيا، حياتها بطيئة صامتة، يتعمد حماد أن يكرر مشاهد مشيها، وركوبها المترو، وصعودها السلالم أو نزولها، لكى يشعرنا بهذه الدائرة المحكمة المملة التى تعيش فيها بطلته، يخفى علينا تفاصيل حكايتها الفاشلة مع ابن عمها، لكن المعنى يصلنا بشكل بليغ: هذه فتاة تذبل أمام الجميع، شجرة وارفة قادرة على العطاء، تتسرب منها الحياة، لا أحد يشعر أو يهتم، أختها لا تتذكرها إلا للسؤال عن شراء الملازم، أو للسؤال عن استقبال العريس.

ما يجعل من «أخضر يابس» فيلما عظيما أنه لا يصرخ ولا يقول بشكل مباشر، لا موسيقى، بطلتنا لا تشكو أبدا، فقط تتألم بعينيها، الصورة تعبر بشكل أقوى من الكلمات، طوفان من التفاصيل التى تنقل لنا المأساة ببلاغة: حياة ساكنة فى مقابل قطار المترو السريع، صورة الأخ المتوفى على الجدار، موت على الجدار وفى الشقة. السلحفاة البحرية كمعادل بصرى لحال بطلتنا، الزهرة الوحيدة وسط نباتات الصبار، فتاة الصبر والعلقم تبيع الحلويات الشرقية، إطارات الأبواب والنوافذ التى تفصل الشقيقتين عن بعضهما، رغم أنهما فى نفس الشقة، انعكاس صورة إيمان على المرايا والنوافذ وحيدة وصامتة، مساحات اللون الأسود التى تحاصرها حتى وهى تصلى، لحظة تجربة فستان وخاتم، فوطة صحية تثير الغيرة..

إيقاع الفيلم جزء أساسى من فكرته: حياة رتيبة ليس فيها من الحياة سوى إنسانة تتنفس، كل شىء يتغير إلا هى، لعل شغف الأخت بالعريس محاولة منها لمنع تكرار المأساة، لم يعد أمام إيمان سوى أن تنفجر، خاصة بعد أن اشتكى الجسد، قررت أن تحتج بفعل عنيف صادم، خمنتُ أثناء المشاهدة أن فعلها سيكون فى مواجهة العريس، ولكن إيمان اختارت فعلا أقوى بكثير، اختارت أن تكسر كل الحدود.

يدهشنى أخيرا أن حماد استغرق أربع سنوات فى صنع هذا الفيلم، لم يحصل على دعم من وزارة الثقافة، التى لا أعرف بالضبط ما الذى تدعمه، جريمة حقيقية ألا ندعم هذه المواهب العظيمة، أن نترك إبداعها حتى يخبو، مثلما تُركت إيمان وحيدة، فصرخ جسدها قبل أن تصرخ روحها، وكأننا لم ننجح إلا فى تحويل كل أخضر مُزهر، إلى يابس عقيم.

التعليقات