الأربعاء 26 سبتمبر 2018 12:00 م القاهرة القاهرة 27.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

القلب وما يحب

نشر فى : الأربعاء 3 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأربعاء 3 أبريل 2013 - 8:00 ص

لا يمر يوم دون أن أسمع عن، أو أكون طرفا فى، عتاب يتبادله أصدقاء وأقارب ومعارف لا يلتقون مثلما كانوا يلتقون من قبل. ينتهى العتاب عادة بتحليل متبادل للظروف الموضوعية التى تسببت فى حالة الانعزال والابتعاد والنأى عن الآخرين، وبعد تبادل التحليل وقبل تبادل طقوس التوديع نكون قد تبادلنا الوعود بالعمل المخلص لاستعادة سهرات الزمن الجميل وجلساته ولقاءاته. كنت شاهدا على وعود نفذها بعض ممن وعدوا وجرت لقاءات حضرتها وخرجت منها بإضافة انضمت إلى جملة ما قمت على مدى سنوات برصده من تغيرات طرأت على سلوكياتنا الاجتماعية ونمط حياتنا. لاحظت أن رجالا عديدين لا يصطحبون زوجاتهم وأن النساء اللائى حضرن لم يصطحبن أزواجهن.

 

•••

 

تعددت الآراء فى أسباب عزوف الناس عن ممارسة أنشطة للجوانب الاجتماعية فى الحياة، وترددهم فى إقامة صداقات جديدة بل والتعرف على معارف جدد. قيل الكثير فى زحمة المواصلات وتعقيدات المرور والحال المتردية للأمن، وقيل أكثر عن تغير حقيقى وواسع فى أمزجة الناس ورغباتهم تحت ضغط الظروف الاقتصادية وتعدد مجالات الإلهاء والتسلية وأدواتها داخل المسكن وأغلبها إن لم يكن جميعها فردى التوجه والإرادة والممارسة.  قالت إحدى السيدات إنها لم تعد تستضيف فى منزلها بعد أن أصبحت الضيافة مجهدة والخدمة مكلفة وغير آمنة.  هى وكثيرات غيرها يفضلن أن يقع اللقاء فى مكان عام مع الإدراك المسبق بأنه لن يحقق الغاية منه، وستبقى آثاره محصورة فى إطار رد الدعوة أو المجاملة الشكلية.

 

•••

 

يعترف أغلب الناس أن انشغالهم المتزايد والمكثف بالشبكة الإلكترونية يقف وراء العزوف والانعزال. بعض زبائن الشبكة نجح فى أن يقيم من خلالها علاقات، وإن كانت من نوع خاص، إلا أنها جاءت على حساب علاقات أقدم زمناً وأشد أصالة وأصدق حساً. تبدو هذه العلاقات الرقمية فى ظاهرها وكثرة ترددها وتنوعها أهم كثيرا من أى علاقات اجتماعية أخرى، ولكنها الأهمية الشكلية والوقتية التى لا تترك أثرا فى النفس أو تغذى عضلة فى قلب.

 

 •••

 

انشغلت الباحثة الأمريكية باربارا فردريكسون بهذه القضية منذ أن تعددت التقارير والدراسات التى ترصد ظاهرة  استمرار عزوف الناس عن إقامة علاقات اجتماعية جديدة وإهمال العلاقات القديمة. اكتشفت الدراسات الأولية  أن الاشخاص الذين تخلوا عن صداقات وعلاقات قديمة وآثروا العزلة النسبية مكتفين بالعلاقات الإلكترونية تغيرت قسمات وجوههم عند التعبير عن حزن أو فرح. تفسير ذلك، حسب دراسة الأستاذة  فردريكسون، هو أن  الإنسان الذى حافظ على عادة الاتصال بالآخرين وإقامة علاقات معهم، تتكون لديه ملكات وقدرات تجعله قادرا باستمرار على أن يقيم علاقات جديدة ويحافظ على علاقاته القديمة وتبقيه محافظاً على حسن سير وعمل المنظومة التى تتكون من القلب والمخ وعصب الإحساس  الواصل بينهما، على عكس الإنسان الذى اعتزل الحياة الاجتماعية وعزف عن الخروج وانعزل عن الناس فسيجد صعوبة كبيرة فى العودة إلى ممارسة عادة  الاختلاط وممارسة حياة اجتماعية نشطة، وإن نجح واستأنفها ففى الغالب ستغلب على سلوكياته الملل والضجر وسوف يبدو دائما مكتئبا وثقيل الظل  وقسمات وجه لا تعبر عن رغبة فى الابتسام ولا تكشف عن رضاء واستمتاع بالصحبة.

 

•••

 

تقول باربارا إنها أقامت ورشة عمل لتدريب عدد من المتطوعين ليصبح كل منهم «دافئا مع الغير»، وقادرا على «التعاطف وديا» ليس فقط مع الآخرين ولكن مع نفسه. لاحظت أن هذا التدريب جعل العصب العاشر المعروف باسم Vagus والمتصل بالقلب ينشط فيؤثر على تعبيرات الوجه، ولاحظت أيضا أن تغييرا ملموسا حدث  فى صوت الفرد الذى أقام علاقة دافئة وودية مع فرد آخر.

 

الاكتشاف الأهم الذى خرجت به باربارا من الدراسة هو أن العودة إلى العلاقات القديمة وإقامة علاقات اجتماعية مكثفة يؤدى إلى تنشيط عضلات القلب. فعضلة القلب مثل أى عضلات أخرى فى جسم الانسان، إذا لم تستعمل تدهور أداؤها، وإذا كانت إحدى وظائف القلب التفاعل مع محتوى العلاقات وأطرافها، وبخاصة علاقات الصداقة والحب، فسيكون غيابها عاملا أساسيا فى إضعاف قدرته على أداء وظائفه. تضرب البروفسورة باربارا المثل بطفل ترضعه أمه بينما هى منشغلة ترسل رسائل نصية عبر هاتفها المحمول أو تشاهد على شاشة التليفزيون برنامجا مثيرا للانفعال أو تتابع تطور أحوال وأخبار صديقات وأصدقاء تربطها بهم علاقات على صفحات الفيسبوك، المؤكد أن عضلات القلبين ستتأثر سلبا سواء  قلب الأم الذى راح يتفاعل مع علاقة سطحية متخليا عن علاقة حقيقية وطبيعية مع الطفل أو قلب الطفل الذى أجبر على ممارسة هذه الممارسة المجحفة فى أول علاقة اجتماعية يقيمها.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.