الإثنين 19 نوفمبر 2018 6:00 ص القاهرة القاهرة 17.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

اقتصاد السوق مع عدالة اجتماعية.. كيف يكون ذلك؟

نشر فى : الثلاثاء 3 مايو 2011 - 8:22 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 3 مايو 2011 - 8:22 ص

 الأحزاب السياسية المصرية القائمة وتلك التى تحت التأسيس تختلف على الكثير من القضايا، ولكنها تكاد تجمع كلها على معادلة سحرية فى برامجها الحزبية والانتخابية: أن اقتصاد المرحلة المقبلة يجب أن ينهض على آليات السوق ولكن مع عدالة اجتماعية. التيار الليبرالى بدرجاته المختلفة، والتيار الإسلامى بشكل عام، وجانب من اليسار، والتيار القومى، وحتى مرشحو الرئاسة ممن تابعت تصريحاتهم يستخدمون ذات الجملة. ولهم الحق فى ذلك. فالعبارة ساحرة بالفعل وتحقق حلم كل مرشح، إذ تجمع الحسنيين وترضى الجميع وتخاطب كل ناخب فيما يحب أن يسمعه.

لا أستخدم هذه الأوصاف للتشكيك فى نوايا أو صدق من يطلقون هذا الشعار، فلا شك عندى أنهم جميعا صادقون فيما يطرحونه ومقتنعون بأنهم بذلك قد وضعوا أيديهم على ما يشغل الناخبين ويهمهم سماعه، وهو أن الطريق الأمثل للتقدم الاقتصادى هو إيجاد هذا التوازن الصعب بين تشجيع اقتصاد السوق والقطاع الخاص وبين ضرورة أن يكون لدى المجتمع الآليات والنظم، التى تتيح توزيع عادل لثمار النمو وحد أدنى من متطلبات العيش الكريم. القضية إذن ليست فى هذا الطرح، الذى يتفق عليه الجميع، وإنما فى التفاصيل اللازمة لوضعه موضع التطبيق وأيضا فى ضرورة أن تنتقل الأحزاب والمرشحون للرئاسة من هذه الجملة الفضفاضة والساحرة إلى التفاصيل، التى تضمن جدية الموضوع وتمكن الناخبين من أن يكونوا على دراية بالفروق بين الرؤى المختلفة للأحزاب والمرشحين، وما يترتب على كل منها من مكاسب وخسائر لفئات المجتمع وطبقاته. والديمقراطية بقدر ما تتطلب من حرية فى التصويت، فإنها تستلزم أيضا معلومات حقيقية ودقيقة عما يتم التصويت عليه وإلا فقدت جوهرها وقيمتها، وصارت عملية شكلية، ونحن اليوم بحاجة إلى قدر أكبر من الدقة والتحديد فيما يتعلق بالبرامج الاقتصادية للأحزاب والمرشحين بما يتجاوز الجملة الشهيرة حول الجمع بين اقتصاد السوق وعدالة التوزيع. تحديدا فإننى أقترح ثلاث أفكار يمكن أن ترفع من مستوى الحوار الحزبى فى المجال الاقتصادى وتحقق مزيدا من المصداقية.

الفكرة الأولى هى ضرورة تحديد بعض المواقف التى تتطلب حسما. فى موضوع الضرائب، ما هى السياسة الضريبية المقترحة، هل تكون تصاعدية أم ثابتة، على مستواها الحالى أم بزيادة أو نقصان؟ هل يتم إلغاء الضريبة العقارية أم الإبقاء عليها أم تعديلها؟. وفى موضوع الدعم والضمان الاجتماعى لا يكفى الحديث عن وصول الدعم لمستحقيه إذ لم يوجد خلاف على هذا المبدأ منذ بدء تطبيق الدعم فى مصر، وإنما الصعوبة دائما فى إيجاد الآليات التى تحقق ذلك. هناك من الكتاب والمعلقين من اقترح استبدال دعم الطاقة بضمان البطالة، وهناك من دعا إلى الدعم النقدى المشروط، وهناك من اقترح زيادة الدعم ومن طلب تخفيضه. المطلوب من كل حزب أن يحسم أمره فى هذا الموضوع الشائك والمؤثر بشكل مباشر على حياة الناس. وفى موضوع العدالة الاجتماعية فإن المفهوم ذاته بحاجة إلى توضيح. هل يقصد به العدالة فى توزيع الموارد والثروات، أم العدالة فى الفرص والحق فى المشاركة، أم فى ضمان الحقوق الرئيسية؟. وفى موضوع الأسعار لا يكفى أن نردد جميعا شعارات ضبط الأسعار وضرب المتلاعبين والمضاربين، بل يلزم قدر من الدقة والتحديد فى طرح السياسات الكفيلة بتحقيق هذا الهدف النبيل. هل يكون بزيادة دور الدولة فى الإنتاج والتوزيع، أم ترك الموضوع لآليات السوق، أم بتدخل الدولة فى الرقابة فقط، أم الرقابة وإنشاء البنية التحتية للتوزيع؟. وأخيرا فى موضوع التشغيل والبطالة، يجب أن يعلم الناخب ما إذا كان المقترح هو تخفيض البطالة عن طريق قيام الدولة بالمزيد من الاستثمار العام والتعيينات الحكومية، أم بتشجيع القطاع الخاص، وما هى الآليات المقترحة لتشجيع القطاع الخاص على القيام بذلك. هذه بعض القضايا الرئيسية، التى يجب أن تتحدد منها مواقف الأحزاب والمرشحين وأن يحسموا مواقفهم بشأنها بسرعة وإلا ظل الحوار محصورا فى شعارات لا يختلف عليها اثنان.

الفكرة الثانية هى أن الحوار الاقتصادى الصادق يجب أن يكتفى بطرح الحلول، وإنما يجب عليه أيضا أن يضع فى الحسبان التكلفة والموارد وبالتالى إمكان تطبيق هذه الحلول بشكل واقعى. فليس من الحوار الديمقراطى السليم تقديم الوعود وإطلاق التصريحات عن تحسين الخدمات والبنية التحتية والأجور دون قدر من المصارحة حول كيفية تدبير الموارد. هل يكون ذلك عن طريق تشجيع الاستثمار، أم زيادة الضرائب، أم خفض الإنفاق، أم الاقتراض من الخارج. هذه اختيارات مهمة، ولكن الأهم أن تعمل الأحزاب المتنافسة على ربط برامجها فى الإنفاق بما تقترحه من أجل تدبير الموارد اللازمة وإلا كانت غير أمينة مع الناخبين.

وأما الفكرة الثالثة فهى أن إعطاء كل فئات المجتمع كل ما ترغبه ليس ممكنا. القرار الاقتصادى بطبيعته يتضمن انحيازا اجتماعيا وطبقيا ليس من العيب الاعتراف به. فقد يكون المطروح هو برنامج اقتصادى ينحاز للفقراء ويأتى على حساب مصالح الطبقة الوسطى والأثرياء حتى لو كانت تكلفة ذلك تراجع الاستثمار الخاص، وبالتالى زيادة الاستثمار العام، وقد يكون البرنامج المطروح يستند إلى مزيد من التشجيع للقطاع الخاص ولكن مع وجود آليات لإعادة التوزيع ولحماية الفئات الأضعف. هذا الاختلاف فى الأولويات هو ما يجعل برامج الأحزاب فيها اليمين واليسار والوسط، وبالتالى ما يجعل الناس تختار على أساس مصالحها وقناعاتها. أما أن تتفق كل الأحزاب على شعار واحد يحقق السعادة للجميع فهذا ليس واقعيا ولا مفيدا.

هذه الأفكار الثلاث قد تساعد على المزيد من الصدق والأمانة فى طرح البرامج. وبالمناسبة فإن ظاهرة الغموض فى البرامج الانتخابية ليست ظاهرة مصرية أو جديدة، بل هى جزء من آليات كل تنافس سياسى. فكل اختيار بطبيعته يمكن أن يفقد الحزب أو المرشح جانبا من مؤيديه، ولذلك تسعى التيارات السياسية قدر الإمكان لإرضاء الجميع. ولكن الناخبين لا يحبون استمرار الغموض ومتى نفد صبرهم يبدأون فى معاقبة الحزب الأكثر غموضا أو غير الراغب فى الإفصاح عن سياساته بدقة. نحن اليوم أمام تجربة جديدة فى العمل الانتخابى الحزبى والسياسى الحر، حيث يجب احترام الناخبين واحترام حقهم فى التصويت، ليس عن طريق توفير صناديق اقتراع فقط، وإنما أيضا عن طريق إعطاء الفرصة والحق فى ممارسة اختيار حقيقى مبنى على معلومات وعلى مواقف محددة وصدق مع الجمهور. ومهما كانت عواقب ما يخسره كل تيار وكل مرشح من جراء هذا الصدق، فإن ما يكسبه المجتمع أهم بكثير.

زياد بهاء الدين محام وخبير قانوني، وسابقاً نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التعاون الدولي، ورئيس هيئتي الاستثمار والرقابة المالية وعضو مجلس إدارة البنك المركزي المصري.