الجمعة 21 سبتمبر 2018 4:54 م القاهرة القاهرة 30°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

النقيب والميسترال

نشر فى : الجمعة 3 يونيو 2016 - 9:50 م | آخر تحديث : الجمعة 3 يونيو 2016 - 9:50 م

هيبة السلاح لا تلخص وحدها قوة الدول لكنها ضرورية لردع أى استخفاف بالمصالح الاستراتيجية العليا.


إن حصول الجيش المصرى على أول حاملة طائرات مروحية فى الشرق الأوسط نقلة نوعية فى مستويات التسليح تستحق كل احتفاء بقدر ما ترفع من مستويات هيبة الدولة.


الدول التى تخسر هيبتها تضيع مصالحها.


أمام أوضاع فى الإقليم تنذر بنيران قد تطلها فإن مصر بحاجة لتأكيد قوتها بردع السلاح.


وأمام أخطار ماثلة قد تعرضها لمجاعة مائية تذكر بـ«الشدة المستنصرية» فإنها بحاجة أخرى لإثبات جاهزيتها لأى احتمال.


ردع السلاح لا يعنى استخدامه ووجوده يرادف هيبته فى حسابات السياسة.


كل ذلك صحيح والتقليل من أهميته خطأ فادح غير أنه لا يصلح وحده لتأكيد قدرتها على مواجهة أية أزمات وجودية.


فى أوضاع «شبه دولة»، بتعبير الرئيس، يصعب الحديث عن هيبة مكتملة الأركان دعائمها راسخة فى مجتمعها وحاضرة بنظر إقليمها وقارتها وعالمها.


بكلام آخر فإن توالى الأزمات بمعدلات شبه يومية تنزع عن المجتمع ثقته فى مستقبله.


بعض الأزمات تعبير عن خلل فادح فى الأداء العام دون أن تكون هناك أية خطة لإصلاح جهاز الدولة المهدم تقريبا.


وبعضها الآخر انعكاس لضيق معلن بأى نقد ورأى خارج السياق الرسمى وتغول الأجهزة الأمنية على الحياة العامة واستبعاد أى توجه لإصلاح جهازى العدالة والأمن وفق القيم الدستورية.


وبعضها الثالث من جراء السياسات الاقتصادية التى تجور على الطبقة الوسطى والفئات الأكثر فقرا وتنذر بانفجارات محتملة.


كل شىء قلق فى هذا البلد، وبعض القلق يقارب الهيستريا والكراهيات المتبادلة، وهذه أوضاع لا تؤسس لاستقرار ولا تصنع هيبة.


فى ضيق المجال العام حالة اختناق سياسى.


عندما يضيق الحوار عن تحمل التنوع الطبيعى فى المجتمع والحق فى الاختلاف المكفول دستوريا فإنه لا يستقيم ولا يستقر ولا يوفر هيبة لدولة تعترضها أزمات وجودية تكاد تدخل مرحلة الخطر الداهم ــ «سد النهضة» مثالا حيث يوشك أن يمتلئ خزانه بما يؤثر على حصة مصر من مياه النيل بقسوة.


بالاقتراب من النقطة المرعبة، هل يمكن مواجهة الموقف بالقبضات الأمنية؟


فى الاختناق السياسى مشروع اضطرابات بأوقات قاسية تحتاج إلى أوسع توافق وطنى.


التوافق موضوع حوار لا استبعاد وإقصاء وتنكيل.


وفى الاختناق الاجتماعى مشروع اضطرابات أخرى يعجز الأمن عن التصدى لها، فلا أحد يعرف مواقعها ولا مواقيتها ولا أحجامها المتوقعة.


تغييب السياسة كغياب القواعد ينزع عن الدولة هيبتها أيا كانت قوة عضلاتها.


فى محاكمتى نقيب الصحفيين «يحيى قلاش» ورئيس الجهاز المركزى للمحاسبات السابق المستشار «هشام جنينة» لأسباب غير مقنعة بأى معنى ينتسب لأية قيمة دستورية إشارة خطيرة إلى انزلاقات لا يمكن تجنبها تأخذ من البلد احترامه لنفسه قبل احترام الآخرين له.


محاكمة «نقيب الصحفيين» ووكيلها «خالد البلشى» وسكرتيرها العام «جمال عبدالرحيم»، التى تبدأ وقائعها اليوم، لا سابق لها فى التاريخ المصرى المعاصر بهدف كسر شوكة الصحافة وحريتها.


بالنسبة لأى صحفى يحترم مهنته فإن احتجاز النقيب لساعات طويلة فى قسم «قصر النيل» باتهامات لا قوام لها عار تاريخى لا يقبل ولا يحتمل.


كما حدث فى محاكمات المتهمين بالتظاهر اعتراضا على التخلى عن جزيرتى «تيران» و«صنافير» كانت «العدالة ناجزة» والإحالة فى يوم واحد، وهو ما لم يحدث مع المتهمين بالإرهاب واغتيال ضباط جيش وشرطة.


الأكثر لفتا للانتباه أن سلطات التحقيق تجاهلت ثلاثة بلاغات قدمتها نقابة الصحفيين ضد وزارة الداخلية فى واقعة اقتحامها لمقرها واعتبرت البلاغات أخبارا كاذبة تستحق المؤاخذة القانونية دون أن تنظر فيها.


عندما يطالع العالم اليوم نقيب الصحفيين وزميليه فى قفص الاتهام فذلك يسحب عن الدولة كل هيبة واحترام.


بعض الدفاع الرسمى عن احتجاز النقيب وزميليه مأساة سياسية كاملة تثير الشفقة على مدى إدراك خطورة الحدث وأسباب غضب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى والاتحاد الدولى للصحفيين ومنظمة العفو الدولية.


ولا كلمة واحدة تطرقت إلى الموضوع فى رد المتحدث باسم وزارة الخارجية موجها خطابه إلى الممثلة العليا للسياسة الأمنية والخارجية للاتحاد الأوروبى «فيدريكا موجيرينى».


الكلام كله تهويم عن أعداد الصحف التى تصدر فى مصر والحرية التى تتمتع بها البرامج الحوارية فى الفضائيات المصرية داعيا إلى أن تركز اهتمامها على دعم قدرات الحكومة المصرية لتوفير خدمات أفضل للمواطن فى التعليم والعلاج والمأكل والمسكن والحياة الآمنة.


ما لا يريد المسئولون المصريون أن يصدقوه أن قضية حرية الصحافة أكثر القضايا قداسة فى العالم، وأن حبس نقيب الصحفيين حدث جلل بغض النظر عن شخصه وعواقبه أخطر من أى توقع.


بنفس اتهام الأخبار الكاذبة يمثل المستشار «هشام جنينة» يوم الثلاثاء المقبل أمام محاكمته محبوسا دون أن يكون واضحا أمام الرأى العام أى سبب مقنع يستوجب معاملة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات على هذا النحو غير المسبوق.


من طبيعة مهمته البحث فى أوجه الفساد وتعقبه وإحالة المتهمين إلى سلطات التحقيق، قد تكون أرقامه عن فاتورة الفساد جانبت الدقة إلا أن إيداعه هو، لا الفاسدين، فى السجن شهادة سلبية أمام العالم تنزع أية صدقية عن محاربة الفساد فى مصر.


الجو العام البطل الحقيقى فى القضيتين والرسائل السلبية أخطر من أن يتم تدارك آثارها.


بقدر أقل من الخطورة فهناك تصرفات أخرى تستدعى التساؤل حول الأهلية السياسية للذين يتصرفون بحماقة فى ملفات حساسة تسحب على المكشوف من هيبة الدولة واحترامها.


فمثلا ما مغزى أزمة نيروبى التى ترتبت على أقوال منسوبة لمسئول مصرى فى اجتماع للبيئة أقل ما توصف به أنها جهولة بحقيقة أن مصيرنا يتحدد فى القارة الإفريقية؟


وما معنى التعنت البالغ دون أية مواءمة سياسية فى منح «إيف لتيرم» رئيس وزراء بلجيكا السابق ورئيس مؤسسة «أيديا» ومقرها العاصمة السويدية استكهولم، تأشيرة دخول، وكان ذلك محرجا لسفير بلاده فضلا عن السفير السويسرى اللذين تدخلا دون جدوى حتى تتم الزيارة فى مواقيتها؟


وما معنى منع مراسل صحيفة فرنسية من دخول القاهرة رغم إقامته فيها وترحيله إلى بلاده رغم تدخل السفير الفرنسى دون إبداء سبب واحد للإجراء الخشن مع رعايا دولة صديقة تربطنا بها علاقات اقتصادية واستراتيجية وعسكرية آخرها صفقة «الميسترال»؟


فى الأزمات الثلاث الخسارات مجانية كما فى قضيتى «قلاش» و«جنينة».