الأحد 18 نوفمبر 2018 12:28 ص القاهرة القاهرة 18°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

٣٠ يونيو.. كلام ضروري

نشر فى : الأحد 3 يوليه 2016 - 8:35 م | آخر تحديث : الأحد 3 يوليه 2016 - 8:35 م
على عكس «يناير» لم تكن هناك مفاجآت كبيرة فى «يونيو».

قبل يناير (٢٠١١) أوحى انسداد القنوات السياسية والاجتماعية فى مصر بأن هناك شيئا ما يوشك أن ينفجر.

التوقعات ذهبت إلى سيناريوهات عديدة ليس من بينها إطاحة نظام «حسنى مبارك» بثورة مدنية حديثة تطلب التحول إلى مجتمع ديمقراطى حر تسوده العدالة الاجتماعية.

من بين التوقعات التى سادت «حريق قاهرة جديد» كالذى شب فى (٢٦) يناير (١٩٥٢)، أو «ثورة جياع» كالتى هبت فى (١٨) و(١٩) يناير (١٩٧٧).

ما جرى خالف تلك التوقعات والتغيير كله جاء من خارج كل سياق رسمى وبعيدا عن كل قوة تقليدية.

تصدر المشهد التاريخى جيل شاب استقطب حيوية شعبه وتبدى مظهر حديث ألهم عالمه.

فاجأ المصريون أنفسهم قبل أن يفاجئوا العالم بواحدة من أكثر الثورات إلهاما فى التاريخ الحديث قبل اختطافها والتنكر لتضحياتها.

لم تكن هناك فى «يونيو» مفاجأة بهذا الحجم.

كانت الطرق مغلقة والمؤشرات تؤكد الصدام بين جماعة غاب رشدها فى إدراك الحقائق وشعب يقظ بأثر ثورته فى يناير.

من يوم لآخر تتصاعد وتيرة الصدام واحتمالات تدخل الجيش لمنع أى احتراب أهلى محتمل.

أرجو ألا ننسى أن قطاعات واسعة من الرأى العام ألحت على تدخل الجيش خشية الانزلاق إلى المجهول.

بيقين فإن تعطيل المسار السياسى تتحمله الجماعة قبل غيرها.

فى «يناير» غابت القيادة بصورة شبه كاملة وتلخصت الأهداف فى شعارات عامة أمكن الالتفاف عليها.

فى «يونيو» توافرت عباءة تنظيمية واسعة تحت لافتة «جبهة الإنقاذ» غير أنها افتقدت التماسك اللازم للإمساك بمقادير الأمور.

بالمرتين سعى لأهداف واحدة جرى إجهاضها.

شرعية «يونيو» تلخصها محاولة استعادة الثورة المختطفة وإعادة بناء الدولة وفق القواعد الديمقراطية الحديثة.

إذا ما جرى عزل «يونيو» عن أهدافها فالمعنى مسخها.

أى حديث يعزل «يونيو» عن «يناير» هو ادعاء على التاريخ.

وأى حديث آخر يصطنع التناقض بينهما تدليس على الحقائق.

بأى حساب لم يكن ممكنا تحدى قوة الميليشيات المسلحة لولا الثقة الاستثنائية التى اكتسبها عامة المصريين فى أنفسهم وقدرتهم على التغيير.

ولم يكن ممكنا بغير خبرة «يناير» فى التظاهر والحشد والتعبئة وقف تحول مصر إلى دولة دينية تتغول على مجتمعها بالتهديد والوعيد والتلويح بالاحتراب الأهلى.

كانت الدولة شبه مشلولة، ورغم أدوار بعض أجهزتها فى خلفيات مشاهد «يونيو» إلا أنها لم تكن صلبها ولا موضع قيادتها ولا مصدر إلهامها.

بأى تعريف جدى لما جرى فى تظاهرات (٣٠) يونيو فإنها عمل شعبى هائل يستحق كل احترام ولا يليق التقليل من شأنها بأية ذريعة.

الانتقاص من «يونيو» إهانة للشعب المصرى الذى انتفض لاستعادة ثورته.

رغم أى إحباط فإن السعى نفسه عمل تاريخى.

لم تكن هناك مفاجأة، فالمواجهات بدأت مبكرا فى ميدان التحرير مع جماعات الشباب الغاضب، ووصلت ذروتها بتقويض أى قيمة ديمقراطية بالإعلان الدستورى فى نوفمبر (٢٠١٢).

فى المواجهات تأكد أن حكما يتنكر للوسائل السياسية التى صعدت به إلى السلطة لا يمكن أن يستقيم أو يستمر.

لقد ارتكبت جماعة الإخوان المسلمين كل الأخطاء الممكنة لاستنفار طاقة إطاحتها من الحكم، استهانت بالقوى السياسية المدنية وجماعات الشباب المسيس وعملت على «أخونة الشرطة» وتحرشت بالجيش واستعدت قطاعات واسعة من الرأى العام بعضلات القوة دون كفاءة السياسة.

بتلخيص ما تصورت أن بوسعها التكويش على السلطة والإمساك بمفاصلها ومصادرة فكرة الثورة نفسها فى الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

كانت «يونيو» شبه حتمية بالنظر إلى كل هذه الأخطاء والخطايا وعمق التغييرات فى الشخصية المصرية.

بقوة «يناير» كان التغيير ممكنا فى «يونيو».

هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

أسوأ ما يقال نسبة «يناير» إلى مؤامرة استهدفت تقويض الدولة.

فى اجتماع غير رسمى كرر أحد المسئولين الكبار أمام وفد إعلامى لدولة أوروبية هذا الكلام الذى بدا أمامهم غير مقنع ولا جديرا بالثقة.

الكلام نفسه إهانة للشعب المصرى وحقه فى رفع المظالم السياسية والاجتماعية وطلب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

كما أنه يطعن فى جذر الشرعية حيث ينص الدستور على أن «يناير» و«يونيو» ثورة واحدة.

بذات القدر فإن نزع الطابع الثورى عن «يونيو» يحرم عامة المصريين من الاعتزاز بوقفاتهم الكبرى ضد كل ظلم وطغيان.

الثورات ليست مؤامرات لكنها قابلة للإجهاض والاختطاف.

هناك فارق جوهرى بين شرعية العمل التاريخى وما قد يتلوه من تفاعلات وتداعيات وآثار عكسية.

التاريخ ليس نزهة خلوية لكنه فى كل الأحوال يصعب العودة للوراء بلا أثمان وتكاليف باهظة.

فى حملات التشهير بـ«يناير» ضرب منهجى لصلب (٣٠) يونيو ــ ضرب فى جذر الشرعية.

وقد استندت «يونيو» إلى رافعتين أساسيتين.

أولاهما، الحق فى التظاهر.

وثانيتهما، حرية الإعلام.

تقييد الأولى أفضى إلى أزمة مستحكمة بين الدولة وشبابها أخدت تتسع بالوقت للقادمين الجدد من الأحدث سنا كطلاب الثانوية العامة الذين تظاهروا بالقرب من ميدان التحرير، احتجاجا على تسريب الامتحانات واحدا إثر آخر.
بنص الدستور فإن الحق فى التظاهر ثابت ونهائى والتنظيم لا يعنى إلغاء الحق.

وتراجع الثانية أدت إلى تجفيف المجال العام من كل حيوية يقتضيها التماسك الوطنى فى حرب ضارية مع الإرهاب ويتطلبها حسن إدارة الشأن العام بالحوار لا الإقصاء.

بعد ثلاث سنوات على ثورة «يونيو» فإن هدفها الرئيسى فى التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة لم يقف على أى أرض صلبة.

للأهداف الكبرى ضرورات تتجاوز النوايا إلى الحقائق.

لا يمكن الالتحاق بالعصر ما لم تكن هناك خطط لإصلاح المؤسسة الأمنية ومؤسسة العدالة وجهاز الدولة وفق القواعد والقيم الدستورية الحديثة.

أفضل إنجاز على الإطلاق لـ«يونيو» هو دستور (٢٠١٤) من حيث الحريات العامة وحقوق المواطنين والفصل بين مؤسسات الدولة.

غير أن هناك من يطلب تغييره قبل أن ينفذ، وهذه حملة ممنهجة أخرى تضرب فى جذر الشرعية.

رغم كل الحملات فإن الشرعية الدستورية الملاذ الآمن الأخير.