الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 3:27 ص القاهرة القاهرة 19°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

أشد فتكا من إنفلونزا الخنازير

نشر فى : الثلاثاء 3 نوفمبر 2009 - 10:01 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 3 نوفمبر 2009 - 10:01 ص

 كثيرون لا يهتمون بأمور الشأن العام، وأمور كثيرة لم يعد يهتم بها الناس. ولا تفسير لهاتين الظاهرتين سوى أن وباء لا هو إنفلونزا الطيور ولا هو إنفلونزا الخنازير ولا هو نقص المناعة، هو وباء أشد فتكا من كل هذه الأوبئة يفتك بالأمة، صغارها وكبارها، رجالها ونسائها، شبابها وشيوخها، وباء يضعف مناعة الأمة بأسرها ويفقدها الإرادة والقدرة على حماية أمنها وحدودها وأخلاقها، «يفتك» بالعائلة المصرية فيفرق بين الأب وأبنائه والأم وأطفالها والأشقاء بين بعضهم والبعض الآخر ويصيب بالعجز إنتاجية الفرد والمصنع والمشروع والدولة.

لا مصل محليا أو مستوردا يمكنه أن يقينا شر هذا الوباء أو يوقف انتشاره. اكتشفنا أن فيروساته تتمتع بقدرة خارقة على النفاذ إلى عقل الإنسان. وعرفنا أن قوى شريرة جندت نفسها لنشره، بعضها من القوى المعادية لهذا البلد ومن المتآمرين على سلامته العقلية وطاقته البشرية وبعضها من القوى صانعة التخلف التى تريد أن ترى الأمة وقد صارت بعقل معطل، أو بعقل مستعد لتسليم نفسه لمصير لا يتدخل فى صنعه ولمستقبل هو فى جوهره ماض يبعث من جديد. ولكن ليس الوباء كله من فعل قوى شريرة فهو أيضا من أفعال تطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية أكثرها بدأ نوايا طيبة وانتهى كوارث محققة.

لا أستطيع تفسير أو تبرير صمت أمة يقول لنا حكامها لا تقلقوا عليها فهى الأقدر بين أمم العالم على نسيان كوارثها. يقولون بعد كل كارثة لا تقلقوا فشعبنا لن يذكر هذه الكارثة بعد عام أو أقل بل وصار شعبا لا ينفعل، وإن انفعل وغضب فليس لمدة طويلة. وربما كان حكامنا على حق. تعالوا نقارن بين رد الفعل لحريق القاهرة ولانتفاضة «الحرامية» وللحبس الجماعى لقادة المجتمع فى وقت كانت فيه مصر تتمتع بأزهى عصور الديمقراطية. قارن ردود الفعل تلك بردود الفعل لسلسلة الكوارث المتلاحقة ابتداء بغرق عبارة السلام مرورا بحريق القطار وردم مصر بأكوام القمامة وغرق قوارب المهاجرين المصريين وطوفان الفتن الطائفية وحرائق الثقافة المصرية فى بنى سويف جنوبا وباريس شمالا، وجرائم قتل وسرقات متهم بارتكابها بعض أعمدة النظام وكوارث أخرى لا تتسع لسردها مساحة عمود انطباعات وانتهاء بكارثة العياط. يتباهون بأنها جميعا مع ما يستجد لن تعيش طويلا فى العقل العام.

لماذا هذا الوباء؟ ولماذا أصبنا به قبل غيرنا أو أكثر من غيرنا؟ تقول سونيا ليوبو ميرسكى Sonja Lyubomirsky الأستاذة بجامعة كاليفورنيا فى ريفر سايد بالولايات المتحدة إن الناس يكونون أكثر استعدادا للإصابة بهذا الوباء حين يشتركون جميعا، أو الأغلبية الساحقة منهم، فى الشعور بأنهم متساوون فى الظلم أو فى السعادة والاستمتاع .

قياسا على هذا الرأى يمكن القول إنه إذا كان ساكن المجمعات السكنية الجديدة كمرتفعات القطامية يشاهد على شاشة التليفزيون ما يشاهده ساكن العشوائيات كالدويقة، فكلاهما معرض للإصابة بهذا الوباء، وإذا كان راكب السيارة الليموزين الفاخرة الذى يعانى زحمة المرور فى شوارع القاهرة كما يعانيها راكب السيارة السيرفيس معرضا بالدرجة نفسها للإصابة بهذا الوباء، وإذا كان الوزير فى حكومة السيد نظيف يستقيل بضغط خارجى أو يقال بدون محاسبة أو تحقيق مثلما يستقيل أو يقال أى أجير أو موظف فى شركة قطاع خاص بدون محاسبة أو تحقيق فكلاهما أصبح معرضا للإصابة بهذا الوباء. لاحظنا مثلا أن المريض فى بلدنا لم يعد يهتم بمعاقبة طبيب تسبب فى إصابته بعاهة مستديمة أو الإدعاء على مستشفى نقلت إلى عروقه دما يحمل فيروس مرض خبيث، ولاحظنا أننا لم نعد نمارس حقنا فى الاحتجاج على تصلب شرايين المرور بإطلاق النفير، ونلاحظ أنه باستثناء شخص واحد أو اثنين لا أحد فى الحزب الوطنى مهتم بترشيح نفسه أو بإعدادها للترشح لمنصب رئيس الجمهورية أو رئيس الحزب أسوة بالأغلبية الساحقة لأعضاء جميع الأحزاب فى الدول التى يحلو لحكامنا التباهى بتقليد سياساتها الاقتصادية وأساليبها الأمنية.

تذكرنا سونيا بأن هذا الوباء الأشد فتكا من إنفلونزا الخنازير ينتشر بسرعة فى حالة ارتفاع معدلات البطالة، وتشير بصفة خاصة إلى أن الإصابة تكاد تكون مؤكدة حين يحدث الطرد من الوظائف فى ظروف بطالة مجتمعية شاملة أى فى ظروف يشعر فيها الجميع بأنهم عاطلون عن العمل حتى وإن عملوا أو أنهم مهددون بالبطالة.

وباء اسمه اللامبالاة. أسبابه المساواة فى الهم والشقاء وعدم الثقة فى المستقبل. يزداد انتشار الوباء مع كل زيادة فى عدد الكوارث التى يتسبب فيها الإهمال والفساد، وبالعكس يرتفع معدل وقوع الكوارث مع استفحال اللامبالاة. هكذا نتعاون، حكومة وشعبا، لتبقى ثنائية اللامبالاة والكوارث داخل دائرة مفتوحة ومفرغة.

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.