السبت 22 سبتمبر 2018 2:02 م القاهرة القاهرة 33.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

البحث عن حسن النعمانى

نشر فى : الإثنين 3 نوفمبر 2014 - 8:25 ص | آخر تحديث : الإثنين 3 نوفمبر 2014 - 8:25 ص

كأنه يخاطب المستقبل من فوق سُحب الزمن اقترب «أسامة أنور عكاشة» قبل عشرين سنة بصورة مذهلة من المشهد السياسى الحالى بأحلامه ومخاوفه وتساؤلاته القلقة.

فى رائعته «أرابيسك» تماهت حيرته مع حيرة بطله «حسن النعمانى».

كلاهما يريد أن يعرف «من نحن؟».

وكلاهما يرفض التلفيق تحت أية ذريعة.

المؤلف هو نفسه بطل الرواية بأحلامه وإحباطاته وتساؤلاته.

فى بحثه عن «النعمانى» بحث آخر عن معنى وجوده هو.

استلهم شخصية بطله من حى «الجمالية».

تجول فى شوارعه الضيقة وجلس على مقاهيه العتيقة وحاول بقدر موهبته الاستثنائية أن يستلهم روح المكان وطبائع البشر.

اختار «الجمالية» دون غيرها لاعتبارين أولهما، إنسانى بأثر ملهمه «نجيب محفوظ» الذى احتذى خطاه فى كتابة رواياته التليفزيونية.

فى «ليالى الحلمية» و«الشهد والدموع» و«المصراوية» مضاهاه لفلسفة بناء «الثلاثية» وفى «أرابيسك» و«الراية البيضاء» ظلال من إلهام «ميرامار» و«اللص والكلاب» و«السمان والخريف».

فى الفن والأدب والسياسة والصحافة والعلم فإن التأثر طبيعى، فلا مدارس كبرى بلا أساتذة ولا أحد يولد من فراغ.

التأثر غير التقليد، فهو خلق جديد وإضافة للإرث الإنسانى لا مسخ للروح وتشويه للأصل.

وثانيهما، أن موضوع روايته «الهوية» وهاجسه سؤال العروبة.

تحت صدمة الغزو العراقى للكويت فى مطلع تسعينيات القرن الماضى تشكك فى صحة الانتساب العربى.

وجد فى عالم «الأرابيسك» ما يناسب موضوعه فى بناء درامى يختبر الهويات المتداخلة مع العروبة كالمصرية القديمة والإفريقية والمتوسطية.

لم يكن هناك بد من «الجمالية» فهى موطن «الأرابيسك» وعوالمها تختلط فيها المشاعر العميقة بما هو متغير وقاس فى تحولاته والفن العريق مع لصوص الآثار.

وكأى مبدع حقيقى طرح تساؤلاته عن الهوية بصورة فنية رفيعة إنسانية ومؤثرة بلا إجابات جاهزة أو أحكام مسبقة.

فى اختيار الاسم نفسه ما يعنى أن طلاقه مع العروبة لم يكن بائنا وأن فى داخله شعور من يطلب طلاقا مستحيلا، فالهويات أعمق من أن تنزع فى لحظة غضب لكن غضبه كان صادقا، وبقدر صدقه ألهمت روايته.

ما يؤثر فى الفن هو صدقه وعلو موهبة مؤلفه.

فى تراجيديا قلقه تنازعته مشاعر متناقضة، فهو غاضب على العالم العربى وانقساماته وغضبه امتد إلى التشكيك فى الهوية العربية غير أنه ظل على ذات درجة التقدير الكبير لـ«جمال عبدالناصر» ودوره فى التاريخ المصرى الحديث رغم أنه هو نفسه ولا أحد غيره العنوان الكبير للوحدة العربية فى العصور الحديثة.

فى الحيرة إبداع كامن والذين لا يقلقون لا يبدعون.

لم يكن يعرف وهو يتجول فى الحى القديم يفكر فى إحكام روايته ويستلهم وجوه أبطالها كما اعتاد فى رواياته التليفزيونية السابقة أنه كاد يلمس المستقبل بيده.

التقى بطله الذى يبحث عنه.

لم يكتب قصته ولا أرخ له بقدر ما استوحى شخصيته حتى تكون الدراما من مادة الحياة.

وهناك فارق جوهرى بين السير الذاتية واستلهام الشخصيات.

فى بنية الرواية صلة بين زلزالين متزامنين أولهما تبدت ظلاله دون أن يذكر مرة واحدة وهو الانقسام العربى الفادح عقب أزمة احتلال الكويت.. وثانيهما ما ضرب مصر فى عام (١٩٩٢) وتسبب فى هدم كل ما ليس له أساس وكل ما هو ملفق من بناء وكل ما بنى على فساد.

ما بين أسئلة الزلزالين بنى المؤلف شخصية بطله مستلهما ملامحه من الواقع الذى صادفه ذات يوم فى «الجمالية».

«حسن النعمانى» ابن بلد فيه شهامة «الحارة الشعبية» قبل أن تتدهور أخلاقها العامة، يدافع عن فتياتها بقبضة يده ضد أى تحرش كأنهن شقيقاته ويتصدى لطلائع التنظيمات التكفيرية فى «خان دويدار» ويرى الدين سمحا لا تشدد فيه ويحمى عالما مصريا من مطاردات تستهدف حياته.

حارب فى أكتوبر وسكنت التجربة وجدانه. انكسر مع جيله بخذلان السياسة للسلاح. صورته بالبذلة العسكرية على حائط خلف مكتب صغير فى ورشة «أرابيسك» ظلت رغم ذلك محل اعتزازه وفخره.

«النعمانى» خليط من حس وطنى بلا إدعاء وإحباط إنسانى تتمازج فيه ضربات الحياة مع روح تحديها وتتداخل فى شخصيته عوامل القوة والضعف كأى كائن بشرى من دم ولحم.

لم يكن «النعمانى» شخصية مطهرة من الأخطاء لكنها كانت قريبة من قلب مشاهديها.

شخصيته جسدها على الشاشة الفنان الكبير «صلاح السعدنى» ولعل دوره من أفضل ما ممثله فى حياته الفنية كلها.

المؤلف وقع فى غرام بطله كأنه وجد نفسه فيه.

كلاهما يبحث عن كَمال لا يجده فى الحياة والفن.

لم يكن «النعمانى» كما «عكاشة» بالضبط مستعدا أن يتهاون فى فنه ولا فى معنى حياته.

فهو يرى نفسه فنانا حقيقيا ورث تقاليد عائلته فى صناعة «الأرابيسك» والفن بطبيعته ضد التلفيق.

هذا هو مغزى الرواية كلها، فلا تلفيق فى هوية ولا فى بناء.

لم يعتقد «النعمانى» فى أن يتولى بناء قاعة عربية من الأرابيسك بجوار قاعات أخرى فى فيللا طلب صاحبها أن تعبر عن ثقافات وحضارات مختلفة.

رأى أن الفكرة تلفيقا بين الثقافات لا حوارا بينها يؤكد التنوع الإنسانى، التلفيق شىء والتنوع شىء آخر، فاستحقت الانهيار مع أول ضربة زلزال.

لم ينكر «النعمانى» مسئوليته عن الانهيار فهو قد تعمده عندما رأى أن الفكرة لا تحتمل وثقيلة الوطء على فنه.

هنا الفكرة الأكثر جوهرية فى الرواية كلها.

التلفيق لا يؤسس لبناء، والمعنى يمتد إلى كل شىء.. فى النظم السياسية كما فى أبسط الأشياء الصادقة فى الحياة.

لابد أن تكون الخيارات واضحة والانحيازات لا لبس فيها: «أهلك يا تهلك.. وأنت بالناس تكون» على ما تنشد تترات المسلسل التليفزيونى من كلمات الشاعر الكبير «السيد حجاب» وألحان الرائع الراحل «عمار الشريعى».

فى التجلى الفنى كل شىء فى هذه الأغنية بدا كقطع «الأرابيسك» تأليفا ولحنا.

الكلمات رسالة إلى المستقبل الذى أصبح حاضرا ينتسب إلى عائلة «النعمانى».

الحاضر يقول: «أنا من تحت»، وهذا يشرفه ويرفع من قدره لكن الأهم أن يحمل هموم الناس الطيبين الذين خرج من صفوفهم ويحسم انحيازاته الاجتماعية ويضرب بقبضة العدل والقانون الذين أفسدوا الحياة السياسية والاقتصادية.

المشهد الأخير فى الرواية التليفزيونية يكاد أن يكون مذهلا كأن «أسامة» يودع وصية كالنبوءة إلى المستقبل تنتظر من يستمع إليها بعقل وضمير.

فالدرويش يهرول فى كل الاتجاهات ومبخرته فى يده كأنها إشارة إلى النبوءة: «حسن طالع، حسن راجع، حسن جاى» والراوى يدعوه قبل نزول تترات النهاية: «ابدأ من جديد على ميه بيضا وتوكل على الله».