الجمعة 16 نوفمبر 2018 6:18 ص القاهرة القاهرة 16.8°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

صاحب المقام العالى

نشر فى : الثلاثاء 3 نوفمبر 2015 - 10:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 3 نوفمبر 2015 - 10:00 م

فى الكلام الرئاسى اعتراف برسالة الاحتجاج الصامتة التى تجلت فى العزوف عن صناديق الاقتراع.
أسوأ خيار ممكن هو معاندة الحقائق، فمعدلات الرضا العام انخفضت بفداحة والثقة فى أى أمل تكاد أن تتقوض تماما.
كان العزوف كاشفا لأزمة تحت السطح بدأت تخرج للعلن غضبا على تدهور مستويات المعيشة فوق كل طاقة احتمال ومصادرة حيوية المجتمع فى الحوار العام.
انسداد الأفق الاجتماعى ينذر بانفجارات لا يحتملها بلد منهك.
وانسداد الأفق السياسى يسحب أية قدرة على مواجهتها.
فى اقترابه من الأزمة الاجتماعية المتفاقمة استعاد الرئيس عبارته الشهيرة: «إن هذا الشعب لا يجد من يحنو عليه ويرفق به».
كانت هذه العبارة بالذات من أسباب الشعبية الجارفة التى اكتسبها عند صعوده إلى المسرح السياسى.
السياسات خذلت الرهانات الاجتماعية بقسوة والقوانين التى صدرت بدت تدليلا مفرطا لـ«رأسمالية مبارك» على حساب الطبقة الوسطى والفئات الأكثر فقرا التى صعدت به إلى السلطة.
هنا جوهر الأزمة.
أية مسكنات مؤقتة مثل التعهد بخفض الأسعار فى غضون شهر واحد لا تؤسس لاستقرار يعول عليه.
أية اقترابات جدية من جذور الأزمة تستدعى ـ أولا ـ فلسفة اجتماعية تقنع المصرى العادى أنه سوف يحصل على حقوقه التى يكفلها الدستور.
لا يمكن الادعاء بوجود هذه الفلسفة الاجتماعية ولا توجد بوادر على أنها مطروحة على جدول الأعمال ولا أن الدستور نفسه يحترم.
كما تستدعى ـ ثانيا ـ سياسات وآليات تضبط الأسعار وترفع الرواتب بما يتفق مع زيادة نسب التضخم من ضمن إجراءات أخرى أكثر شمولا فى قضية العدل الاجتماعى الغائبة.
فى الكلام الرئاسى إقرار بعجز الجهاز الحكومى على الوفاء بالمهمة دون مساندة قوية من جهاز الخدمات العامة للقوات المسلحة.
عجز الجهاز الحكومى يتطلب خطة عمل سريعة لإعادة بنائه من جديد فلا يعقل فى كل أزمة استدعاء الجيش.
هناك فارق جوهرى بين تدخل الجيش لمواجهة الكوارث والأخطار الكبرى وبين أن يكون بديلا عن أجهزة الدولة المدنية.
الأصل أن يحفظ الجيش الأمن القومى لا أن يرهق بما ليس من طبيعة مهامه.
هذه قواعد لابد أن تحترم فلكل مؤسسة طبيعتها ومسئولياتها.
أين إصلاح الجهاز الحكومى على خريطة الأولويات؟
هذا سؤال جوهرى لا يصح تأجيله ولا المماطلة فى إجابته.
فى الكلام الرئاسى عرض جديد للأولويات.
قضيتان فى الطاقة وقضيتان أخريان فى الطرق.
الكهرباء والغاز ثم شبكة الطرق وتجديد السكك الحديدية.
فيما أكد الرئيس على الاختراق الذى حدث فى هذه الملفات تجاهل أية إشارة إلى مشروعات كبرى يعتزم الإقدام عليها مثل العاصمة الإدارية الجديدة والمليون ونصف المليون فدان.
بمعنى آخر أكد على ما يعنى حياة المواطنين وآثارها يمكن تلمسها دون عناء وتجاهل ما حوله شكوك وتساؤلات حول أولويتها وجدواها.
التجاهل تعبير صريح عن عدم شعبية هذه المشروعات فى لحظة احتجاج صامتة على السياسات والخيارات الحالية.
هذا يستدعى التخلى عنها أو إخضاعها لدراسات جدوى حقيقية، فالاقتصاد المنهك لا يحتمل أية مجازفات فى ظل موارده المحدودة.
لا يعقل أن تبنى منتجعات فى العاصمة الإدارية الجديدة بتمويل من هيئة المجتمعات العمرانية التى يفترض أن تبنى بيوتا لمحدودى الدخل.
ولا يعقل المضى فى مشروع المليون ونصف المليون فدان دون نقاش جدى مع أهل الاختصاص.
فى المراجعة تصويب للمسار وإعلاء لقيمة العلم والخبرة فى هذا البلد.
لماذا غاب الأمل؟
هذه ليست مسئولية الإعلام، فقد أفرط فى التعبئة الدعائية بما انقلب إلى عكسه.
جرت مبالغة بغير منطق وتهويل بغير حساب فى نتائج مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى وعند افتتاح ازدواج الخط الملاحى بقناة السويس.
لا انهمرت مليارات الدولارات من المؤتمر الاقتصادى ولا تغيرت الحياة فى مصر بعد الافتتاح المثير على شاطئ القناة.
لا كانت جديدة ولا ثانية.
أيا كانت قيمة الإنجازات فإن المبالغة تسحب ولا تضيف، تشكك ولا تقنع.
هذا ما حدث بالضبط.
الناس تقيس قيمة كل إنجاز بعوائده وآثاره على مستويات معيشتها وجودة حياتها وبما يثيره من آمال فى مستقبل مختلف.
قبل أى حديث عن أية عوائد وآمال بدت الصور محبطة بتصدر الماضى المشاهد السياسية والاقتصادية والإعلامية.
بعد أن أصابتهم السياسات بأوجاع فى معيشتهم لم يعودوا مستعدين لتقبل أية تضحية جديدة إذا كانت الحيتان الكبيرة تحصد كالعادة جوائز المصالح.
الرئيس يقول إن الشعب صاحب المقام العالى لا هو.
فى مواضع أخرى من خطابه الأخير كرر كثيرا «أنا واحد منكم».
غير أن الخطاب يفتقد إلى ما يسنده من إجراءات وسياسات.
لم يعد ممكنا الرهان على النوايا وحدها.
هناك وقت لاستجلاء الحقائق.
صاحب المقام العالى يئن بقسوة رغم أية اختراقات فى ملفات جوهرية مثل الكهرباء.
لكل إنجاز حجمه ومصر ليست دولة صغيرة حتى تكون عودة الكهرباء منتهى المنى.
الأحلام تصنعها التصورات والأفكار قبل المشروعات والخطط.
أخطر ما يعترض مصر الآن الاستغراق فى التفاصيل على حساب الرؤية العامة.
فى غياب الرؤية يصعب التقدم إلى المستقبل بثقة.
إذا كان الرئيس يتحدث عن أمل فإنه لا يمكن أن يوجد فى مجتمع ثار مرتين واختطفت ثورته مرتين.
الاضطراب المؤجل هو الأكثر ترجيحا.
المعضلة أن البلد لم يعد يحتمل اضطرابا جديدا.
من يتحمل المسئولية؟
ليست مسئولية الإعلام رغم الوضع المزرى الذى هو عليه.
المسئولية سياسية فى المقام الأول.
فى تجفيف المجال العام تقدم الماضى بوجوهه وسياساته ليقتص من ثورة «يناير».
سقط ضحايا بلا ذنب ونكل بأبرياء بغير رحمة.
فى بكاء الشابة الصغيرة المعاقة «إسراء الطويل» بعد تمديد حبسها لخمسة وأربعين يوما أخرى بلا تهمة معروفة ولا محاكمة قريبة اعتداء على كل ضمير وكل قيمة إنسانية.
باسم الحرب على الإرهاب تقدم بعض الأمن ليصفى حساباته.
روح الانتقام من «يناير» ضربت فى جذر الشرعية ولوثت الإعلام.
من حق الرئيس أن يغضب لكرامته الشخصية من بعض العبارات التى نالته، فهو عف اللسان لا يستخدم لفظا خارجا ولا يخاطب أحدا بغير احترام.
غير أن الحق نفسه لابد أن تتمتع به كل الشخصيات العامة وأحاد الناس الذين تغتال كراماتهم وسمعتهم على شاشات الفضائيات دون رادع من قانون أو أخلاق.
غياب القواعد أفضى إلى استباحة كل ما له قيمة فى هذا البلد دون أن تنهض الدولة ولا سلطات التحقيق للقيام بواجبها.
أخطر الأسئلة: من يقف وراء هذه الاستباحات؟
الإجابة لابد أن تكون واضحة وردعها لابد أن يكون صارما بالقانون.
يقول الرئيس إنه فى المرة المقبلة سوف يشتكى الإعلام للشعب.
العبارة يستوجب تصحيحها حتى لا يساء فهمها فتكون تحريضا على تضييق حريات التعبير لا إصلاح الإعلام العليل.
الأجدى أن تكون هناك قواعد قانونية تحترم فى الإعلام وفى أية مجالات أخرى استنادا على الدستور.
المأساة الكبرى أنه ليست هناك قواعد فى مصر.. والدول تتأسس على القواعد الثابتة لا على الشكايات الملتبسة.