الخميس 15 نوفمبر 2018 1:26 م القاهرة القاهرة 24.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

إعادة إنتاج مبارك فى فضيحة ما جرى

نشر فى : الإثنين 5 مارس 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الإثنين 5 مارس 2012 - 8:00 ص

فضيحة ما جرى فى قضية «التمويل الأجنبى» تتجاوز الاعتبارات القانونية المنتهكة والوقائع السياسية الصادمة إلى حسابات أخرى لها صلة بالمصير المصرى ومسارات الثورة عند انعطافات المجهول.

 

هناك بالتحديد ثلاثة مسارات فرضت حقائقها على مسارح السياسة المصرية منذ الأيام الأولى لثورة يناير. تداخلت خطوطها الممتدة وقضاياها الملغمة، وتصادمت التطلعات مع الموروثات.

 

المسار الأول، بناء دولة مختلفة ونظام جديد، وهو مسار سياسى خريطة طريقه أدت إلى متاهات أرهقت الدولة وأزهقت الثورة. انتخابات نيابية بلا دستور، ودستور بلا حوار مجتمعى عليه، كأنه زواج عرفى تجرى وقائعه فى الخفاء وإجراءاته على عجل.

 

شىء من هذا الزواج العرفى جرت وقائعه فى تلك القضية التى هزت الثقة العامة فى القضاء المصرى كما لم يحدث من قبل.

 

كلام عن استقلال القضاء يتكرر بذات العبارات التى كان يرددها الرئيس السابق «حسنى مبارك»، وتدخلات فى أعماله لا تتوقف بذات الآليات القديمة. الجديد هذه المرة أن ما كان يمارس فى الخفاء انتقل إلى العلن.

 

استقلال القضاء لا تصلح معه أوراق الزواج العرفى.. النصوص فى الدساتير تخرقها الممارسات.. فالاستقلال لابد أن يكون كاملا، وأن ترفع يد السلطة التنفيذية كاملة عن أعماله، وأن تكون القواعد معلنة والآليات حاضرة.

 

فضيحة ما جرى تنال من الديمقراطية ومستقبلها بالدرجة ذاتها التى نالت من الهيئة القضائية واحترامها. موروثات مبارك ما زالت تحكمنا بذات آلياتها وتعيد إنتاج النظام السابق بوجوه ومسميات جديدة. وهو وضع مريح لأى سلطة تنفيذية حالية أو مستقبلية أن تأمر فتطاع، أن تنكل بخصومها السياسيين على ما يشاء الهوى، و«كله بالقانون» بعبارة الرئيس الأسبق «أنور السادات». التدخلات فى أعمال القضاء بدت مكشوفة تماما بشهادة القضاة أنفسهم ولم يعد ممكنا إخفاء الحقائق التى انتقلت من سياق التكهنات إلى حضور المعلومات.

 

بدت مصر منكشفة استراتيجيا وداخليا بصورة يتعذر تبريرها أو غض الطرف عنها. فالبلد المنكشف على هذا النحو هو بلد فقد بوصلته واحترامه وأهليته للتقدم والنهضة. وهذه اعتبارات تناقض الثورة وأهدافها، وتشكك فى المستقبل وسيناريوهاته.

 

نحن الآن أمام اتهامات صريحة وعلنية من الدائرة القضائية التى نظرت قضية التمويل الأجنبى بأنه قد مورس عليها ضغوط للسماح بسفر المتهمين الأمريكيين، وهو قرار سياسى لا قانونى، والاتصال ذاته يعرض صاحبه للملاحقة القضائية. والمسئولية الرئيسية هنا يتحملها المجلس العسكرى.

 

فى القضية الصدمة يبرز اسمان: الأول، المستشار «محمود شكرى»، الذى رفض التعليمات، وأودع حيثيات تنحيه عن نظر القضية فى مذكرة رسمية، كسب ضميره واكتسب ثقة الرأى العام. ولعله أول قاض فى التاريخ المصرى الحديث يعلن تنحيه عن نظر قضية احتجاجا على تدخل السلطة التنفيذية فى أعمال العدالة. وهذه رسالة إيجابية للمستقبل تؤكد أن «فى مصر قضاة» ــ على ما يقول المصريون اعتزازا بقضاتهم العظام. وهى رسالة أكدتها أجواء غضب واسعة فى أوساط القضاة. والثانى، المستشار «عبدالمعز إبراهيم»، الذى نسب إليه أنه اتصل وضغط للسماح للمتهمين الأمريكيين بالسفر، أو بمعنى فعلى: إنهاء القضية كلها (!)، ولكنه حاول أن يطعن فى أسباب زميله، ودخل فى مشاحنات واتهامات، وهى أجواء تأخذ من القضاء المصرى مصداقيته وهيبته واحترامه. فى مشهد واحد: قضاة عظام ونظام قضائى مخترق فى وجوده إهانة لمصر التى تبدو الآن أمام العالم «جمهورية موز».

 

وهذه مسألة تتعلق بسلامة البناء القانونى وقضية الاستقلال الوطنى معا.

 

المسار الثانى، طابعه اقتصادى وقضيته العدالة الاجتماعية.

 

وهى قضية تدخل بحقائقها فى موازين المستقبل وتنذر عند اتنكاستها بثورة جياع.

 

هذا المسار تتداخل فيه بصورة لافتة فضيحة ما جرى فى «قضية التمويل الأجنبى»، ففى سياق القضية كلام حول المال السياسى وأرقامه وجهات تمويله، والكلام من هذه الزاوية يدخل فى ترتيبات المرحلة الانتقالية والنفوذ الأمريكى فيها، وهذه من طبائع الاستراتيجيات والمصالح لبلد فى حجم الولايات المتحدة، التى قد لا تعنيها طبيعة النظم السياسية الحاكمة بقدر مدى تجاوبها مع تلك الاستراتيجيات والمصالح. وهى تعمل لضمان ولاء النظم الحليفة على أن تضع سقفا لمدى قدرتها على الاستقلال الاقتصادى.

 

فى هذه القضية ضغطت الولايات المتحدة على دول خليجية وأوروبية للإحجام عن تنفيذ تعهدات قطعتها على نفسها بضخ مليارات الدولارات فى شرايين اقتصادها المأزوم.

 

يدرك أى متابع للأحوال الاقتصادية المصرية أنها باتت داخل دائرة الانهيارات المحتملة.. وفى تفسير امتناع دول الخليج عن تنفيذ التزاماتها المالية، وفق شخصية خليجية مطلعة على كواليس السياسة فى منطقتها «أن مصر لا مؤسسات تنفيذية مستقرة فيها تخولنا ضخ أموال إليها، وأننا قد نضطر لدفع أموال أخرى للسلطة القادمة.. أنتم تدعوننا للدفع مرتين».

 

هذه حجة لها منطقها للامتناع عن دفع الالتزامات، ولكن الحقيقة وعليها شواهد أن هناك ضغوطا أمريكية لتأجيل ضخ الأموال لوقت آخر وحسابات أخرى تدخل ضمنها معركة تحديد الأحجام فى الصراع على المستقبل المصرى، وكسب قضية «التمويل الأجنبى» كمدخل لفرض نفوذ أكبر فى ترتيبات نقل السلطة. والمثير فى مواقيته ودلالاته أن الادارة الامريكية أعلنت فور وصول رعاياها المتهمين التزامها بضمان الاستقرار المالى والاقتصادى فى مصر.

 

إنها إذن ورقة الضغط الاقتصادى على ساحات السياسة. وهى ورقة تتعدى هذه القضية بوقائعها وفضائحها إلى ما هو أبعد وتلخصه عبارة واحدة: «الإبقاء على الاقتصاد المصرى فى وضع التبعية»، لا يسمح له أن ينهار، ففى الانهيار تهديد للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، ولا يسمح له فى الوقت نفسه أن ينهض، ففى النهضة احتمالات تحد للدور الأمريكى فى المنطقة، أو استلهام الدور المصرى فى الخمسينيات والستينيات مرة أخرى.

 

وهذا هو صلب المسار الثالث، الإقليم والصراع عليه. وهو المسار الأخطر والأهم، والذى يستدعى الدخول إلى معاركه الاستناد إلى أحوال سياسية مستقرة ونظم حديثة تضمن سلامة الجبهة الداخلية (المسار الأول).. ووضع اقتصادى جاهز لتحمل الأعباء والتحديات (المسار الثانى).

 

الولايات المتحدة استخدمت المسارين الأول والثانى لضمان الإبقاء على سياسة مبارك الإقليمية كما هى. إنه العار مجددا.

 

الإدارة الأمريكية، وهى تتدخل فى ترتيبات نقل السلطة، كانت الأولوية الأولى عندها الحصول على تعهدات وتطمينات بعدم المساس بالمعاهدة المصرية الإسرائيلية. وهى ليست مجرد معاهدة حول بعض الترتيبات العسكرية فى سيناء. إنها عصر امتدت حساباته الاستراتيجية لأكثر من ثلاثين عاما، رهنت خلالها مصر بالكامل للاستراتيجيات الأمريكية، تعاونت استخباراتيا فى اجتماعات منتظمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن والإمارات، وساهمت فى الحرب على العراق، ووفرت غطاء عربيا للحرب على لبنان وغزة. ويدخل فى حقائق هذا العصر الممتد حسابات اقتصادية، فللولايات المتحدة شركاء اقتصاديون، اصطنعتهم ودعمتهم لخلق طبقة جديدة لها مصالحها المؤكدة فى توفير الدعم اللازم للمصالح الأمريكية فى المنطقة. والمثير أن اللاعب الأمريكى وهو يرتب أوراقه ومصالحه بدا حريصا على إحراج طرف محلى فاعل ومؤثر فى قضية يفترض ألا شأن له بها، وبدا مثيرا أن يشيد مجلس الشيوخ الأمريكى بأداء جماعة «الإخوان المسلمين» فى حل قضية الأمريكيين المتهمين، وهو كلام خطير لا تصلح معه بيانات النفى، ويقتضى التحقيق والتقصى. ولم يكن من المستغرب أن يكون الأمريكيون أول من يكشف حقيقة ما جرى فى هذه الفضيحة التى نالت بضربة واحدة العسكرى والجماعة والقضاء.