الإثنين 24 سبتمبر 2018 12:35 م القاهرة القاهرة 30.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح النظام التعليمي الجديد لرياض الأطفال والابتدائي؟

الفلسفة ليست للبنات

نشر فى : الأحد 4 مارس 2018 - 9:35 م | آخر تحديث : الأحد 4 مارس 2018 - 9:35 م

نشرت صحيفة الراى الكويتية مقالا للكاتبة «عالية شعيب» وجاء فيه:
سُجن الراهب لويس دى ليون، أستاذ جامعة سلمنكا، فى القرن السادس عشر، على يد محاكم التفتيش لأكثر من 4 سنوات. وبعد خروجه، عاد ليكمل دروسه ويقول لطلابه فى أول محاضرة بعد سجنه عبارته الخالدة: «كما ذكرنا بالأمس...»! كم يكمن فى هذه العبارة مِنْ تحدٍّ للمأساة، وترفُّع عن دور البطولة الزائفة والخضوع!
‏عندما تأتون لمكتبى وتجدوننى جالسا لوحدى ومُطرقا رأسى من دون حراك، فإياكم الظن بأنى لا أعمل، بل إنى أفكر، ولعمرى إن هذا لعملٌ شاق! بات دويل، أستاذ مادة الفيزياء، مخاطبا طُلابه.
أتذكر معارضة أهلى لى. وسخرية الأقرباء والجيران منى، حين اخترت الفلسفة كتخصص جامعى بعد تخرجى فى الثانوية العامة. وعلقوا قائلين: الفلسفة ليست للبنات، فهى تخرب التفكير وتفسد العقل حين تحيد به عن الصواب بكثرة اللغط والأسئلة والشكوك. ثم أتذكر معارضة والدى لسفرى لبريطانيا للتحضير للدكتوراه، معلقا بأن السفر لوحدى يسىء لسمعتى وسمعة العائلة. وقاطعنى سنة كاملة بعد سفرى، رافضا الرد على مكالماتى.
ثم تكرر الموقف نفسه عند قرار إصدار أول كتاب. وإقامة أول معرض. وتطوير هواية أو طرح سؤال وإثارة نقاش أو بحث من أجل إيجاد وكشف الحقيقة. فكل هذه الممارسات للرجال... لماذا؟ لمجرد أنه ذكر. فذلك الامتياز الوحيد الذى يحتاجه، حتى لو كان جاهلا أو يحمل تعليما بسيطا، فهو أفضل من امرأة عالمة أو أستاذة جامعية. فهى «مرة» وهو رجل؛ الولى، الراعى، القوام، السيد.
يعطى المجتمع الرجل الضوء الأخضر لفعل وقول ما يشاء. فكل ما فى المجتمع من حق الرجل: التفكير، البحث، السؤال، طرح المواضيع الجديدة وطرق أبواب الأسئلة الصعبة وكشف المسكوت عنه. أما أن تبحث المرأة وتكون سباقة، فتلك: أولا: معضلة لا يحتملها المجتمع التقليدى ويرفضها، بل ويعاقب عليها مهما كان متحضرا، متطورا وحقوقيا بأمور ونواح أخرى. وثانيا: تحد، قد لا تحتمله ذكورة وكبرياء بعض مدعى الرجولة.
فالمجتمع العربى مقسم لمراتب وصفوف أولى وثانوية. الرجل فى المقدمة، بالأمام، وهى بالخلف. وإن تجرأت بالتفكير أو حتى تخيل أن تتقدم للأمام، فإن سياط الغضب والسخط والإنكار والإقصاء والعزل والتجميد الوظيفى تنهال عليها. من المرأة أولا، التى تخاف فعلتها وتحسدها سرا عليها. ومن الرجل ثانيا، الذى أصبحت تنافسه. ومن المجتمع ومؤسسات الدولة ثالثا، التى تتوقع خضوعها. وأخيرا من القطيع الذى نشأ وتربى على احتقار المرأة واعتبارها كائنا ثانويا هامشيا.
حين سافرت لبرمنجهام فى نوفمبر 1994 للتحضير للدكتوراه، كنت أعد لأطروحة الدكتوراه حول جسد المرأة فى الإسلام، ووقفت مذهولة أمام عشرات أمهات كتب الفلسفة والفقه واللغة الأصلية خلف الزجاج فى قسم الوثائق بالمعهد الإسلامى المسيحى فى أكسفورد. وكنت أتساءل: لماذا لا يوجد كتاب واحد بينها لامرأة باحثة فى الفقه والشريعة؟ هل يعقل عدم وجود نساء مجتهدات فى الشريعة، فى تحليل الآيات والأحاديث، أم أن البحث حكر على الرجال؟ وإن وجدنا كتابا أو اثنين سيكون لنساء يرددن ما قاله الرجال أصلا!
حين نقرأ تحليل «سورة النساء» مثلا على لسان الطبرى أو البغوى وغيرهما، نشعر بالحاجة لقراءة وجهة نظر نسائية حتى تكتمل الرؤية والمعنى الأعمق والأشمل للآية، للقصة وللفحوى والهدف المنصوص عليه بالحكمة وراء السورة. هناك حاجة ماسة وضرورة قصوى لاقتحام المرأة لمجال البحث والتحليل والاجتهاد. فى الشريعة والاجتماع والعلوم الإنسانية وغربلة العادات والتقاليد البالية بمشرط منهج التحليل لترسيخ أسس التفكير المنطقى الصحيح. أيضا الكتابة فى علم الأخلاق ومفهوم الخطأ وتشكيل الشخصية الأخلاقية وسط تلاطم أمواج العصر وتحديات الانفتاح ومواقع التواصل وغيرها.
وجهة نظر المرأة الباحثة مختلفة لأنها تضفى عليها من طبيعتها وخصوصية رأيها وتفرد نظرتها. كما أن دورها الأنثوى فى الأسرة والمجتمع والأمة والدولة يمكنها من الحصول على المفاتيح الخاصة للإقفال المناسبة التى تفك قيود الفهم لدى الرجل والجمهور والمجتمع ككل. لا بد أن تتجاوز المرأة القيود والعقبات وتقف فوق كل العراقيل لتمارس دورها كعقل مفكر.

الراى ــ الكويت

التعليقات